1- في الوقت الذي حضرت فيه حساسيات إسلامية ضمن جلسات الاستماع لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، لاحظنا غياب الضحايا من العدل والإحسان، لماذا؟

بسم الله الرحمن الرحيم. الجواب عن هذا السؤال يستدعي أولا الحديث عن حقيقة هذه الجلسات وسياقها. فأعتبر أن هذه خلطة سحرية أخرى تضاف إلى خلطات سابقة تريد تصوير الواقع غير واقع الاستبداد السياسي والفساد المالي وقمع الحريات والتردي الاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي . فهذا شعار فارغ مثل فراغ شعار العهد الجديد التي ثبت أنه مغرق في القدم والتخلف، ومثل فراغ شعار الانتقال الديمقراطي الذي انكشف عن ممارسة سياسية ضالعة في الإطلاقية والسلطة الواحدة والوحيدة. وهذه الجلسات التي وضع لها شعار طي صفحة الماضي تجري اليوم والاختطافات على أشدها، والتعذيب في المخافر والسجون سارت به التقارير الحقوقية في الداخل والآفاق، ناهيك عن المحاكمات الصورية وقمع الصحافة وحرية التجمع والعنف اليومي المرتكب في حق الشباب المعطل والطلبة في الجامعات.

كل هذا يدل على أن ليس عند القوم إرادة حقيقية للتغيير نحو الأفضل، بل كل الوقائع شاهدة على أنهم لا يقبلون بواقع غير الذي يكونون فيه أسيادا متجبرين قابضين بيد من حديد وفساد على كل الشؤون. فقل لي إذن ماذا تنتظر من جلسات المخزن متحكم في خيوطها وخطواتها، وراسم لأفقها، ومحدد لنتائجها، ومفصل للكلام الرائج فيها على المقاص الذي يصور أن ما جرى إنما وقع في جزيرة الواقواق وأن لا علاقة للقائمين اليوم على الحكم بذلك. مع حسمه المسبق أن الواقع الحالي كله حريات وعدل وطهرانية. وكل هذا قمة في التدليس والتلبيس، فالنظام نفسه ، بأشخاصه وهيئاته المعروفين للقاصي والداني، هو المسؤول عما جرى في الماضي، وهو الوالغ في الدماء المهرقة اليوم، والضالع في كل الجرائم الكبرى المرتكبة في كافة المجالات. فأي معنى للحقيقة إذا عتمنا على أم الحقائق هذه؟

2- وبناء على هذا ماذا كان موقفكم؟

لكل هذا لا يمكننا الحضور في هذه المسرحية علما أنه لم توجه لنا الدعوة، وربما هذا نابع من اقتناع أصحاب الأمر أننا لم يحن أواننا بعد لسبب بسيط أن ملفنا ما زال مفتوحا إلى الآن في حين أن الجلسات الحالية مخصصة لمن أغلقت ملفاتهم.وعلى هذا لو حضرنا فعما سنتحدث؛ أعن آلاف الانتهاكات التي مورست في حقنا في العقود الماضية؟ أم عن معتقلينا الإثني عشر الذين يقضون عشرين سنة في سجن بوركايز بفاس؟ أم عن الحصار الذي ما زال مطبقا عل الأستاذ عبد السلام ياسين؟ أم عن الملفات الرائجة اليوم في عدد من المحاكم بشأن عدد من قياديينا وأعضائنا؟ أم عن جريدتي رسالة الفتوة والعدل والإحسان الممنوعتان؟ أم عن التدخلات العنيفة الهمجية المرتكبة يوميا في حق طلبتنا في الجامعات؟ أم عن منعنا من الفضاءات العمومية ومنع أنشطة جمعياتنا؟ إلى آخر الصفحة الطويلة إن كان لها آخر.

ومع كل هذا فإننا نحترم تقديرات من شاركوا أو أدلوا بشهاداتهم في تلك الجلسات.

3- هل تقدمتم بطلبات التعويض من الهيأة؟

لا لا أبدا لم نفعل ذلك ولن نفعل لإيماننا العميق أن ما نقوم به من أعمال وما نلقى في سبيلها من أذى وعنت إنما نحتسبه عند الله عز وجل راجين منه سبحانه أن يدخره لنا يوم نلقاه.عدا هذا لا نريد عما نبذل جزاء ولا شكورا من أحد. وإنما اخترنا هذا الاختيار لأنه طريق الأنبياء والدعاة الصادقين عبر التاريخ.وتقوى الحجة إذا ما علمنا بأن مرتكبي تلك الجرائم لا يدفعون التعويضات إلا من مال الشعب، وهي جريمة أخرى ربما ستحتاج في المستقبل إلى جلسات استماع أخرى. ولربما بموقفنا الرافض هذا نكون أرأف بخزينة الدولة لأنه لو استعرضنا كل ملفاتنا منذ نشأة الجماعة إلى الآن، وهي بالآلاف، فكم سيكفينا من التعويضات؟

خذ عني بصدق أن أكبر تعويض نقترح على المسؤولين تقديمه للشعب هو الحرية، وعلى رأسها حرية اختيار من يحكمه، والتنمية والتعليم الراقي والقضاء العادل والعدل الاجتماعي ومراعاة هوية الشعب. فهذا هو التأسيس الحقيقي الكفيل بإغناء الشعب عن العطايا والمكرمات المشروطة.

لكنني أقدر دوافع المطالبين بالتعويض وأحترم منطلقاتهم، مع اليقين أنهم جازمون أن ذلك لا يشكل التعويض الحقيقي.

4- هل الأمر مرتبط بقرارات تنظيمية أم متروك لحرية أعضائكم في التقدم بطلب التعويض؟

أنا قلت لك بأن المسألة مسألة إيمان ويقين، ومع الإيمان لا نحتاج إلى قرارت، وهذا ما يقتنع به كل أعضاء جماعة العدل والإحسان، والواقع أننا كنا سنجد صعوبة كبيرة في إقناعهم لو رأينا غير هذا الرأي. ونحن نشترك في هذا مع العديد من فعاليات المجتمع وكثير منهم رفض منطق التعويض المادي انطلاقا من نفس المنطلقات التي ذكرت سابقا أو بعضها أو ما يلتقي معها في جانب من الجوانب ومنهم من لحقه النصيب الأوفر من الأذى.

5- في الوقت الذي نرى فيه جل ضحايا سنوات الرصاص كانوا يحملون السلاح ضد الدولة ويريدون قلب النظام الحاكم، بالمقابل نجد دعوة العدل والإحسان تشدد على الرفق والتربية، لكن بالمقابل نلتم القسط الوافر من الانتهاكات ألا ترون أنكم أكثر الضحايا استحقاقا للتعويض؟

أعتقد أن المسألة الحقوقية ينبغي أن تبقى في منأى عن كل المزايدات السياسية. فكل ضحايا حقوق الإنسان لهم الحق في رد الاعتبار، ولكل طريقته واختياره فيما يتعلق بذلك الحق.

أجل لقد تعرضت جماعة العدل والإحسان ولازالت وما تزال تتعرض لانتهاكات خطيرة، فكل ما يخطر على بال المرء من خرق لحقوق الإنسان مورس ويمارس على جماعة العدل والإحسان، سواء فيما يتعلق بالحقوق الجماعية أو الفردية؛ فالجماعة تمنع من حقها في التنظيم، وحرام عليها في عرف المخزن الاستفادة من الأماكن العمومية، وتمنع من حقها في التظاهر السلمي، ولقد شاهدتم وشاهد العالم أجمع ما حدث في وقفات اليوم العالمي لحقوق الإنسان سنة 2001.

6- على ذكر وقفات اليوم العالمي لحقوق الإنسان، أين وصلت ملفات المتابعة؟

لقد تم البث في بعض الملفات، لكن ملفات أخرى ما زالت إلى يومنا هذا في ردهات المحاكم، منها ملف أسرة الأستاذ عبد السلام ياسين، وهذا نوع آخر من الظلم الذي يمارس علينا، قمع عنيف واعتقالات بالجملة وممارسات دنيئة في حق الجماعة وفي حق مرشدها. وبالإضافة إلى ذلك تحرم الجماعة من حقها في التعبير، فإعلام الجماعة ممنوع كما تعلم، لا يمنعه القانون أو قرار قضائي، ولكن تمنعه تعليمات المخزن، في الوقت الذي يقال لنا أننا في دولة الحق والقانون، والعشرات من أعضاء الجماعة ما زالوا ممنوعين من جوازات السفر، وفي كل سنة يمارس الاعتقال والتعذيب والطرد التعسفي في حق طلابنا، والطلبة الإثنا عشر المحكوم عليهم بعشرين سنة سجنا ما زالوا قابعين في السجن، ويتم استثناؤهم عند كل عفو، لا لشيء إلا لأنهم أبناء العدل والإحسان. وقد طال القمع حتى فنانينا ومن ذلك ما يتعرض له الفنان رشيد غلام من منع وملاحقات بوليسية.

إذن هي انتهاكات وخروقات متعددة ومتكررة في حقنا، ومع ذلك لا نزايد بها على أحد، ولا نطلب تعويضا عن ذلك إلا من الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، ملك الملوك عز وجل، الذي توكلنا عليه، و”حسبنا الله ونعم الوكيل”.

ثم ثق بي، إننا إذا طالبنا بتعويض مادي، وهذا افتراض عندنا في حكم المستحيل، والتزمت الدولة بالعدل في تعاملها مع ملفاتنا، وهذا الافتراض هو الآخر في حكم المستحيل، ثق بي أننا لو طالبنا بذلك لما كفتنا ميزانية الدولة كما قلت سابقا ، لأن الانتهاكات في حقنا عديدة جدا، لذلك نحن نشفق على شعبنا، هذا الشعب الذي يستحق كل التضحيات، نشفق عليه، ولا نطالب بتعويض من المال العام، حتى لا يزداد فقره فقرا، وبؤسه بؤسا، وأميته أمية..

ثم إن هناك مسألة هامة ينبغي أن يعلمها الرأي العام جيدا؟

7- ما هي؟

الناس الآن يتحدثون عن ضحايا سنوات الرصاص وضحايا الماضي، ونحن نؤكد مظلوميتنا في الماضي وفي الحاضر فكل ما أشرت إليه من انتهاكات وخروقات مورس علينا في عهد الحسن الثاني، رحمه الله، وما يزال يمارس علينا في العهد الذي يقولون عنه جديد.

8- نلاحظ بأن الأستاذ عبد السلام ياسين الأكثر تضررا من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، لماذا لم يتقدم بأي طلب تعويض؟

نعم الأستاذ عبد السلام ياسين الأكثر تضررا من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، قضى سنوات في الاعتقال، أحيانا دون محاكمة، ومنع من حقه في الدعوة إلى الله في بيوت الله، رغم أن الجميع يعرف إلحاحه على الرفق ورفضه للعنف بكل أشكاله، وحوصر في بيته، ودون محاكمة لأزيد من عقد من الزمن، وللعلم فهو ما يزال محاصرا.

9- كيف ذلك وقد قام بزيارات لمجموعة من المدن؟

لك أن تذهب لترى ذلك بنفسك، وأغتنمها مناسبة لأدعو الهيئات الإعلامية لمعاينة الأمر، فلا زال “البوليس” يرابط ليل نهار أمام بيت الأستاذ عبد السلام ياسين يراقب حركاته، ويعد عليه زواره.

إذا كانت الجماعة قد ابتليت فأشدنا ابتلاء هو الأستاذ عبد السلام ياسين، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال في حديث: “أشدكم ابتلاء الأنبياء فالأمثل فالأمثل”.

فنحن نعد الأستاذ عبد السلام ياسين وليا من أولياء الله تعالى، ومن الدعاة الصادقين، ولا نزكي على الله أحد. ولعل هذه الابتلاءات الشديدة والمتعددة تؤكد ذلك، فلا يأتي أحد بمثل ما أتى به الأنبياء والرسل عليهم السلام إلا عودي واضطهد كما جاء في الحديث.

والأستاذ عبد السلام ياسين أكبر بكثير من أن يطالب بتعويض مادي، فعمله كله لله عز وجل. بل لا أبوح لك بسر إذا قلت لك إن الأستاذ عبد السلام ياسين لا يحقد على ظالميه، ولا يشمت بهم خاصة بعد موتهم، ويقول أنه إذا حصلت خلافات في الدنيا مع أحد الناس لا ينبغي أن ننقل هذه الخلافات للآخرة، فنترك الأمر لله عز وجل هو يتولى أمر آخرة عباده. لذلك فهو حين يذكر الحسن الثاني يدعو له بالرحمة، رغم كل ما فعله في حقه، بل أقول لك أننا في أول زيارة له بعد وفاة الحسن الثاني طلب منا قراءة الفاتحة ترحما عليه.

وليس هذا بالسلوك الغريب عن أولياء الله عز وجل الذين يريدون الخير والرحمة للمسلمين وللناس أجمعين.

10- في حالة حضوركم لجلسات الاستماع ما هي الكلمة التي يمكن توجيهها للرأي العام؟

لا داعي لاحتمال ما لا يحتمل، فالمخزن غير راغب في حضورنا لأن ملفنا كان وما يزال مفتوحا، ونحن أيضا لا رغبة لنا في ذلك ليقيننا أن الرقع متسع على الراتق ولا نفع للترميمات في بناء أساسه منخور.

والشعب له من الذكاء والفطنة ما به يعرف حقيقة كلمتنا وكلمة كل الصادقين والنظيفين. فهو ليس في حاجة لمن يقول له بأن هذه مسرحية قمة في الرداءة وتلعب على خشبة مهترئة وستائر تشف عما وراءها من فضائح، ويعرضها إعلام ممخزن تعمل فيه كل أنواع المقصات والألجمة. فلو جاءت جلسات الاستماع والحقوق مكفولة لكان منا ومن الشعب كلام آخر، أما والجلسات معقودة والشعب مقهور محقر مقموع فكلمته المجلجلة، وهي كلمتنا أيضا، أكبر من قولبتها أو التحكم فيها بهذا الشكل الممجوج المستهجن. وهذه الكلمة الصادحة هي لا سبيل لطي صفحة الماضي بدون قراءتها القراءة الدقيقة الشاملة الباحثة في الأسباب والأجواء والأيادي المسؤولة، لكن بروح مترفعة متسامحة عفوة بعيدة عن نية الانتقام. ولا ضمان لذلك في ظل حضور، بل توجيه، الأيادي الملطخة بتلك الجرائم، وإنما الضامن هي الحرية والعدل والإرادة الحقيقية لعدم تكرار ما حدث، وعربون هذه الإرادة ألا تمر المصالحة على أي جمجمة قديمة أو جثة ما زالت ساخنة أو أيادي مكبلة وأفواه مكممة.

11- إذا سمح لكم بذكر المسؤولين عن عهد الرصاص، ما هي أهم الأسماء التي تورطت في إلحاق الانتهاكات بكم؟

الانتهاكات الجسيمة لحقوقنا ما زالت تمارس علينا في هذا العهد، والمسؤولون عن ذلك قابعون في مراكز السلطة بكل مستوياتها، لذلك لا أمل من التأكيد على أن “جلسات الاستماع” و”طي صفحات الماضي” مسرحية جديدة. وما نأسف له أن يكون من أبطالها أناس “مناضلون” قالوا ويقولون أنهم ضد الاستبداد .. فالاستبداد لم يتغير. وانتهاك الحقوق السياسية والاجتماعية يزيد استفحالا يوما بعد آخر .. ومهما طبل الناس وهللوا فإن تغيير مظلوم بآخر لا يعني عندنا نهاية الظلم، ولا مصالحة حقيقية إلا بذكر الحقيقة كاملة، والحقيقة هي أن ما وقع ويقع من انتهاكات لا تنتهي مسؤوليته عند موظفين بسطاء، ولكن المسؤولية هي مسؤولية نظام بأكمله، من أعلى هرمه إلى أسفله.

والمصالحة حين تكون الإرادة حقيقية لا تعني إثارة النزاعات الانتقامية؛ فحقن الدماء والعفو العام و”اذهبوا أنتم الطلقاء” سنة نبوية، والانصراف إلى العمل والتعبئة والبناء حكمة إنسانية، نستقيها من تجارب ما يسمى بـ”الانتقال الديمقراطي”. ولا معنى للمصالحة في ظل استمرار نفس النهج الاستبدادي، لا معنى للمصالحة والظالمون المتسلطون يزيد نفوذهم يوما بعد آخر.

وأكتفي بهذا القدر والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

فتح الله أرسلان

الناطق الرسمي باسم جماعة العدل والإحسان