1. لا يتجاسر أحد أن يُقْدِم على الصلاة تطبيقا ما لم يكن طاهرا وضوءا واغتسالا ومكانا وهذا يدل على قدسية العمل الذي يود القيام به، لكنه عيب مقيت وخطأ جسيم أن ينصب هَمُّ المصلي على الطهارة الظاهرية دون أن يعير اهتماما بالغا لطهارة نفسه من الرعونات والعلل الخفية ومهلكات القلوب كالكبر والعجب والرياء وحب الظهور والحسد والهيام بالدنيا والتكالب عليها باقتناص اللذات الهابطة واللذائذ السافلة، ولا نقاء لهذه النفس بدون صحبة أرباب التزكية أطباء القلوب الأدلاء عن الله الوارثين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم العلم والتزكية، فإذا قدر لك أن تصحب وارثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وراثة عامة شاملة فإنك ذو حظ عظيم بشرف هذه الصحبة، فاشدد بمن ظفرت به إذا وجدته فإنه الكبريت الأحمر لندرته.

2. والصلاة لابد لها من النية، ولا تقبل بدونها، فإذا عقد المؤمن العزم على الصلاة انجمع للقاء الله سبحانه والوصال مع المحبوب عز وجل، وأخرج ما في قلبه من الحجب الشاغلة له عن مطلوبه. وكم واحد من السلف لما استشعر هذا اللقاء اصفر لونه وذبلت صورته بلوعة الحب وقوة الود. وهذا العزم يَطال القلب لينتهضَ لعروجه وخروجه عن عالم الدنيا ودخوله إلى عالم الملكوت حتى يدخل إلى متعبد الملائكة الذي وجب الإيمان بهم في العالم المقدس الذي ليس فيه ما يشغل عن الصلاة & والمتدبر للقرآن يلحظ بأنه في دخوله لرحاب الصلاة غريب كل الغرابة عن عالم الحس والمشاهد فلا يخاطب سوى الله عز وجل في قرآنه ولا يطير حرا طليقا سوى في عالم الغيب الفسيح بذكر الجنة والنار وأحوال اليوم الآخر & ، أي أن هناك عالما آخر دخل له المؤمن في صلاته بعيد عن عالم التراب والظواهر.

3. فإذا قام المؤمن للصلاة رفع يديه حذو منكبيه ثم أرسلهما لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام في الصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه (صحيح البخاري ( م1 ص 257 ) وصحيح مسلم ( م1 ص 301)، وضع يده اليمنى على اليسرى بعد تكبيرة الإحرام تحت صدره فوق سرته ووضعهما في السجود على الأرض حذو منكبيه) وهذا الرفع له دلالة الفقر والحاجة والانكسار، وذلك أن المؤمن بِرفعِ يديه وكأنه يتخلى عن جميع الأشياء بالفقر والفاقة إلى الله تعالى ويتخلص من جميع العقبات التي تحول دون سلوكه طريق الله سبحانه.

4. عند ذلك يُكَبِّر تكبيرة الإحرام قائلا الله أكبر، وسميت بالإحرام لأنها تُحرِّم على المصلي النظر إلى غيره سبحانه أو الاشتغال بسواه، فلا ترى الخاشع المطمئن مع مولاه عابثةً جوارحُه لقوله صلى الله عليه وسلم للعابث: لو خشع هذا لسكنت جوارحه ” (أخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي هريرة رضي الله عنه وفيه أبو داود النخعي متفق على ضعفه، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه فيه رجل لم يسم سببه عن أبي هريرة قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فذكره، قلت والصحيح وقفه على سعيد ابن المسيب كما في السنن للبيهقي (م2 ص 285) ومصنف عبد الرزاق (م2 ص 266)).

فتكبيرة الإحرام إذن توحي للعارف بألا يلتفت لغيره من أجل ما عَرف من جلالة القدر وعظيم الخطر ثم هو لا يخنغ لغيره لِمَا تحمله هذه اللفظة من كفر بالأنداد وتبرؤ من الأصنام التقليدية والحديثة التي تعبد من دون الله عز وجل، إذ القدر المشترك بين الأصنام التي تُعبد والأشخاص التي تؤلَّه والأشياء التي تقدس والقِوى التي يخضع لها والرؤساء الذين يطاعون طاعة عمياء مطلقة هو العظمة والكبرياء والتفوق والترفع والاستعلاء والاستيلاء، فجاءت هذه الكلمة الموجزة التي أمر بها في قوله عز وجل : “وربك فكبر” تنفي هذه الدعاوي والدعوات والمزاعم والإعلانات والأوهام والخرافات والمظاهر والسخافات، فتكون الله أكبر مزلزلة لتلك العروش، فلا تدع وكرا من أوكار الفساد إلا حطمته، ولا خلية من خلايا الطغيان إلا دمرتها وأتت عليها، كما يقول سيد قطب رحمه الله.

5. فإذا شرع في قراءة الفاتحة فُتحت له أنوار الأسماء الحسنى وتَمَلَّكه شعور رهيب بالسيادة المطلقة لله رب الوجود كله، سيادة تجلت في أجرام هائلة سابحة في الفضاء، وكواكب سيارة وأراضي فسيحة فضلا عن باقي العوالم الغريبة التي تنطق بالله وعظمته سبحانه، وتظهر للمصلي السيادة القاهرة للرب سبحانه بقول المؤمن : ” الحمد لله رب العالمين “، فإذا قرأ المؤمن :” الرحمن الرحيم ” استشعر صور الرحمة الإلهية التي أنارت الوجود كله وكانت سببا للحياة، إذ لا عيش لموجود بدون تلك الرحمة الإلهية التي تُرَى في كل شيء من دوران للأرض وضياء للشمس وسكب لمياه الرحمة وخلق للمحيطات ووهب للهواء وإعطاء للأعضاء والجوارح وقوى الإدراك & كل ذلك لهذا الإنسان الظلوم الجهول، وهكذا فكل ما خلقه سبحانه في الكون من كائنات إِنْ تأملت الغايةَ مِنْ خلْقها بَدَت لك بجلاء الرحمة وتذكرت الحب الإلهي لهذا المخلوق الضعيف الذي تستهويه النعمة فيقف عندها ناسيا مالكها وخالقها عز وجل سبحانه ! فإذا قرأ قوله سبحانه :” مالك يوم الدين ” اطمأن للعدل الإلهي الذي لا يُقاس بِحُكم غيره، وظهر له المُلْك الأعظم لله سبحانه في ذلك اليوم الرهيب، ورأى العالَمين وكلَّ موجود لابسا سربالا من الذل والانكسار في ذلك اليوم الذي أُعْلِن فيه أَلَّا ملك حقيقة إلا لله، وألا سطوة بقيت للظلمة والطواغيت لترى الكلَّ خاضعا لله سبحانه خضوعا اضطراريا مطلقا & ولِتُدرِك عبث ما كان عليه القوم في أرض الوهم والغرور. ثم يرجع العارف بعد هذا الثناء على الله إلى نفسه معاتبا إياها لِمَ لَمْ تَعبد الله حق عبادته عندما يتدبر قوله عز وجل “إياك نعبد” فتأخذه حسرة ويتملكه أسى من هول “كذبه” في العبادة لاسيما وأنه مازالت في القلب عوائقُ عن الله وصواد عنه ومَحَاب مُؤْثرة دونه، وكذلك الأمر في الاستعانة بالله عند قراءته ” إياك نستعين “، فيظهر له عَوار نفسِه عندما يَنْجر للوقوف عند من أسدى له معروفا أو كان سببا للنعمة ناسيا واهبها له على الحقيقة وهو الله سبحانه، فيشعر بالتقصير في جنابه عز وجل ليزداد انكسارا وشدة التجاء إليه وقوة في الدعاء بأن يلهمه السير على الصراطِ المستقيم & طريقِ الأنبياء ومنهاج الأصفياء فَيَودُّ لو كان في مرتبة صلاحهم أو وصل لمرتقى شهودهم أو كُتِبت له صحبة معهم، لأنهم هم المنعم عليهم في الوجود كما قال سبحانه : ” فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ” أي حَسُن رفقة وصحبة، كل ذلك بقراءته قوله سبحانه: ” اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليه غير المغضوب عليهم ولا الضالين ” &

وعموما فالسورة إدخال للمؤمن لعالم الملكوت وإظهار للسيادة والعظمة الإلهية وإبراز لجليل صفات العظيم سبحانه، ومع التدبر لن يتمالك المؤمن إلا أن يزداد انكسارا وتواضعا فإذا وصل الثناء على الله بصفاته أوجه، وبلغت مناجاته له سبحانه بكلامه مداها، وارتقى قمة الخضوع بين يديه & ركع !

ركع لزيادة التعظيم بشهادة أوصاف المُتَكَلَّمِ معه سبحانه، ليقول: ” الله أكبر ” منحطا للركوع بعدم تمالكه نفسه، فصار الركوع عنده أكبرَ له من الوقوف في الانكسار مما وقع في نفسه من تعظيم الله سبحانه.

والمراد من ركوع الجسد خضوع النفس والروح في مقام الإيمان والإحسان بين يدي كبرياء الجليل العظيم، ولذلك أُمِر أن يقولَ في ركوعه : ” سبحان ربي العظيم ” لِمَا شاهد من معنى التعظيم الذي خضع له.

6. فيقوم ! يقوم لِيَرفعه الله تعالى بكرمه إلى حالته الأولى التي هَرَب منها إلى الركوع، لأن مَنْ تواضع لله -أي لأجل عظمة الله – رفَعه الله إليه، فإذا رَفعه إليه شاَهَد العبدُ نعمة الله عليه في رفعه بأنْ ذاق حلاوة الرفع الإلهي له، فيبتدئ بالحمد والثناء ليقول : ” سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه “، فيجد في وقوفه طمأنينةً وحلاوةَ المزيد ولطفَ النعمة التي رفعه الله بها، وهي استدعاؤه إلى القيام& فدفعه ذلك لمزيد من الانكسار، فسجد !

7. … خَرَّ ساجدا شاكراً لِما أولاه الله من اللطف والعناية الربانية، فيضع وجْهَه، أشرف ما في جسده، ممرغا في التراب ظاهرا، ثم يُنزل نفسَه وروحَه تحت الثرى الذي ليس وراءه في السفل منتهى & فيضع نفسه تحتَ كل تحت، ولذلك ليس وراء سجود الوجه في التراب منتهى في التواضع والانحدار مستصحب له، فإذا وضع في السجود نفسَه أسفل من كل سفل بالمعنى الذي هو الذل، شاهد من سفله علاءَ ربه وعظمته، فقال :” سبحان ربي الأعلى ” ليستدعيَه ربه للرفوع والقرب من البعد وما كان عليه من المُنزَل الذي أنزل العبد نفسَه في سجوده.

8. فلما استدعاه للرفوع قعد بالعجز بين يديه لأنه لم يُطِق القيام لِما شاهد في سجوده من الإجلال والإنعام، فعجز عن القيام على رجليه بعظمة الحب والجلال الذي شاهده بعد السجود، فقعد بين يديه بالسكينة والعجز، وأقر بالعجز المطلق أن يقوم بشيء من حق قدر ربه سبحانه عليه، ولذلك أُمِر أن يقول في قعوده بين السجدتين : ” رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم وأنت الأعز الأكرم ” فيجد رحمةَ الله قد غشيته والمغفرةَ قد غمرته، لأنه تجلى له بوصف زائد على الوصف الأول من أجل أن الرحمة مقرونة بالضعف والاستكانة..

9. فزاد سجودا آخر بحُكْم وصف آخر، فعاد بالتواضع الذي هو المُراد من السجود حتى لو وجد أن يضع نفسه في أسفل مما وضعها فيه قَبْلًا لوضعها، لقد وجد هذا العابد الله، وأحس بدنوه مع كل رفع وخفض، ومِن تَمَّ أحس بأن الواجب عليه أن يضع نفسه من التواضع في خلاف ما هو عليه الله من الجلال والعظمة، وذلك لا يمكن أبدا إلا مع التجلي وزيادة التعظيم فكلما زاد تجلي الصفات زاد التواضع بقدر ذلك أبدا & وكذلك لما زاد الإكرام زاد الشكر والثناء والتجلي دائما أبد الآبدين &

10. ثم يدعوه ربه إلى الاقتراب وهو معنى القيام إلى الركعة الثانية فيجري له ما جرى له في الأول، لكن بحكم الزيادة، لا يزال ذلك دأبُه مع مولاه من فهم خطابه وشهود أوصافه في قيامه وانحطاطه ورفوعه وأذكاره وسجوده وجلوسه غيرَ ما كان عليه في الركعة الأولى، وهكذا تسلسلا إلى آخر صلاته حتى يمتلئ ظاهرُه وباطنُه نورا وبركة ورحمة وسرورا وتواضعا وحياء وغير ذلك مما لا يحصى من أحوال المصلين العارفين الخاشعين.

فعند ذلك يقعد في آخر صلاته فيأخذ في التشهد والشهادة لله والثناء كما يجب بما هو له أهل، بتفرد التحية والتزكية والتنزيه والمدح لبارئه سبحانه بقوله :” التحيات لله والصلوات والطيبات” ليدخل بعد ذلك في رحاب التعظيم لنور الوجود الذي أرسله الله معلّماً لعباده ودالاًّ لهم عليه & سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، معلّم الناس كيفية معرفته والعبودية له، ومعرِّفُهم كنوز أسمائه وهو ترجمان آيات كتاب كائناته، ومرآة جمال ربوبيته سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فيسلم المؤمن على الجناب الشريف، ثم يسلم على العثرة الطاهرة وذوي قربى الرسول العظيم عليه وعليهم السلام، ثم يسلم على ذاته وعلى الصالحين من بني آدم والعارفين بالله متمنيا أن يحشره الله معهم لأنه أحبهم وصاحبهم، لتعلم أهمية الصحبة في الصلاة كيف أنها مفتاح العرفان والارتقاء لمدارج الإيقان والإحسان.

فإذا فرغ من صلاته من الإقرار والشهادة بكل ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام من الإيمان بالغيوب والدعاء والسؤال فعند ذلك تمَّت له النِّعَم بتمام الصلاة وكمالها، ووجب التحلل منها بتمامها فأُمِر بالخروج إلى عالم الحِسِّ فعند ذلك قال : ” السلام عليكم ” لأنه كان في الحضرة العلية خارجا عن عالم الحس، مودعا له، كما قال محمد صلى الله عليه وسلم: ” صل صلاة مودع ” (قال الهيثمي :” رواه الطبراني في الأوسط وفيه من لم أعرفهم & ” مجمع الزوائد ( م10 ص 229)) أي مودع لعالم الأرض والتراب وداخل لعالم الطهر والملكوت والحضرة العلية، فإذا خرج منه وقَدم إلى هذا العالم وشاهد مِن حوله الإنس والمحسوس قال : ” السلام عليكم ” فيسلم على مَن بيمينه وشماله وكأنهم غرباء عنه بعد سياحته المباركة في عالم الملكوت، ليحِلَّ له ما حُرِّم عليه قبل ذلك، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام :” تحريمها التكبير وتحليلها التسليم ” (أخرجه الطحاوي بسند صحيح في شرح معاني الآثار، وقال ابن عبد البر في التمهيد ( م9 ص 184) : ” روي من وجوه من حديث علي بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري وأحسنها حديث علي رضي الله عنه “).

لكن من اقتطعته الغفلات مثلي وعَدِم النصيب الأوفر من الحضور مع الله ومشاهدة المذكور الأكبر سبحانه& لن يُكتب له إلا ما عَقَلَ لعلة الاشتغال بغير ذكر الله، والالتصاق بالماديات وهموم الأرض،إذ لا مكان للبصيرة رؤية القلب مع طغيان البصر رؤية العين المادية، أسأل الله يقظة وحضورا وذكرا من لدنه سبحانه.

قلت عند تأمل العابد صفاتِ الخالق سبحانه وعظمتَه عز وجل ويتأمل بالمقابل ذاته المتهالكة بعد صلاته، تراوده أسئلة تفضي به لرؤية المنة والانكسار كأن يقول : كيف ذكرني هذا المَلِك العظيم في نفسه حتى كَلَّمني بكلامه وكيف استقدمني لأن أكون من جلسائه بعدما قال أنا جليس من ذكرني وكيف استدعاني لأن أكون من جملة المصلين من عباده، المصاحبين لأوليائه & إذا تذكر العبد الذليل هذا، ورأى الملكَ سبحانه الذي استعبد العرش والملكوت وتذكر نفسه الذي لا يدري مَن هو في كثرة عباد الله ومماليكه وكيف ارتضاه سبحانه للإيمان به واستدعاه لعبادته ومناجاته والقرب منه & سينوي ويتمنى ويَوَّد في نفسه أنْ لو كان تقرب إليه بعبادة الخَلق أجمعين على غاية من الصدق والصفاء إذا قدر على ذلك، لكن ما لبث أن شهد على عجزه وتقصيره عن ذلك فرجع إلى رؤية التقصير والاستغفار من قلة القيام ببعض الواجب بقوله أستغفر الله، لأن مقدار عبادة الثقلين إذا قيست بمقدار حق المعبود وجلالة قدره هي أقل من غرز إبرة في بحر لجي &

ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر الله سبحانه بعد كل صلاة مرات، وكأنه يتوب من الحسنات كما يتوب العاصي من السيئات لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين.

ولذلك تقول الملائكة يوم القيامة : سبحانك ما عبدناك حق عبادتك (انظر المستدرك (م4 ص 629 ) برقم 8739 قال فيه الحاكم: “هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه”)، على صفاء عبادتها من شوب الكدورات وظلمة الغفلات، وهذا هو المعنى الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم: “لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله” قالوا: “ولا أنت يا رسول الله ؟ ” قال: “ولا أنا إلا أن يتغمذني الله برحمة منه وفضل” مع اجتهاده صلى الله عليه وسلم وصفاء أحواله، فيتولد من هذا النظر أيضا أحوال كريمة لا يعلم حقيقتَها إلا العارفون، مثل الحياء الكائن عن الحضور والشكر الحادث عن رؤية المنة والمحبة المتولدة عن إحسان الله.

فالصلاة إذن محل للقرب وديدن لتزكية النفس ورحاب عظيم لمعرفة قدرها بل هي وسيلة حقيقية للوصال مع المحبوب بمناجاته والصدق معه والبوح بخطاياه الخفية أمامه، كما قال سيدي ابن عطاء الله : ” الصلاة محل المناجاة، ومعدن المصافاة، تتسع فيها ميادين الأسرار، وتشرق فيها شوارق الأنوار. عَلِم وجود الضَّعف منك فقلل أعدادها، وعلم احتياجك إلى فضله فكَثَّر أمدادها.”

لأن القلوب إذا طُهِّرت وتزكت رفعت عنها الحجب والأستار، فترى ما كان غائباً عنها من المعارف والأسرار التي اتسعت ميادينها في الصلاة، ومن تم فالعاقل هو الذي يجعل قلبه فَرَساً للعَدْو في ميدان الأسرار عند الصلاة لينشرح بتواردها عليه حتى إذا وصل السباق مداه أشرقت فيه شوارق الأنوار فكبحته عن الدنو لحمأة المعاصي والأدناس أو التلطخ بأرجاس الموبقات والمنكرات المقيتة & يقول ابن عطاء الله : ” الصلاة طهرة للقلوب من أدناس الذنوب، واستفتاح لِبَابِ الغيوب.” ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ” إنما مثل الصلاة كمثل نهر عذب يمر بباب أحدكم يقتحم فيه كل يوم خمس مرات أترون ذلك يبقي من درنه شيئاً ”

لكن النفاق إذا احتل قلبا بدت الصلاة ثقلا تنوء بحمله الجبال، فإذا قام إلى الصلاة قام كسلانا مرائيا، وأصبحت الساعة التي يمضيها في صلاته أعظمَ ثقلا من الثلات والعشرين ساعة التي يمضيها في الغفلات مع العلم بأن تلك الساعة ساعة الصلاة هي السبب الحقيقي للسعادة الأبدية، يقول النورسي رحمه الله :” فيا خسارة مَن يصرف ثلاثاً وعشرين من ساعاته على هذه الحياة الدنيا القصيرة ولا يصرف ساعةً واحدة على تلك الحياة الأبدية المديدة !. ويا له من ظالم لنفسه مبين! & لئن كان دفعُ نصف ما يملكه المرء ثمناً لقمار اليانصيب الذي يشترك فيه أكثر من ألف شخص يعدّ أمراً معقولاً، مع أن احتمال الفوز واحد من ألف، فكيف بالذي يحجم عن بذل واحدٍ من أربعة وعشرين مما يملكه، في سبيل ربح مضمون، ولأجل نيل خزينة أبدية، باحتمال تسع وتسعين من مائة.. ألا يُعدّ هذا العمل خلافاً للعقل، ومجانباً للحكمة.. ألا يدرك ذلك كلُّ من يعدّ نفسه عاقلاً؟ (الكلمة الرابعة ص 48).