الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، ياربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، سبحانك اللهم لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، خير نبيٍ أرسله، أرسله الله إلى العالم كله بشيراً ونذيراً، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد؛ صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم ـ أيها المسلمون ـ ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى.

أما بعد، فيا عباد الله:

كلكم يعلم أن هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، إنما كانت ابتلاءً وامتحاناً بين يدي النصر العظيم الذي قيضه الله سبحانه وتعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم ولأصحابه البررة الكرام، وكلكم يعلم أن هذا الابتلاء القاسي إنما تمثل في الابتعاد عن الوطن وتركه، دون معرفة أيرجع أصحابه إليه أم لا، تمثل في ترك الأرض والمال والعقار، تمثل في ترك الزوجة في بعض الأحيان والأولاد والأسرة، قطع المسلمون أنفسهم عن حظوظهم كلها التي تعارضت مع اعتناقهم لدين الله سبحانه وتعالى وإخلاصهم له، ثم إنهم بعد أن قطعوا أنفسهم عن هذه الحظوظ كلها اتجهوا إلى تلك الأرض المعروفة بسوء مناخها، والمعروفة بوبائها، اتجهوا إلى يثرب وهم يعلمون أنهم إنما ينفذون في هذا أمر مولاهم وخالقهم سبحانه وتعالى، ولم يكونوا يتصورون أي جزاء يمكن أن ينالوه إن في الدنيا أو في الآخرة، كل ما في الأمر أن المصطفى صلى الله عليه وسلم تلقى الأمر من ربه بأن يهاجر، فهاجروا معه، ونفضوا أيديهم في سبيل ذلك من المال والعقار والأهل والولد، واستقبلوا – كما قلت لكم – أرضاً معروفة بوبائها وسوء مناخها حتى إن المصطفى صلى الله عليه وسلم دعا ربه قائلاً: ((اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة، وانقل وباؤها إلى مهيعة)).

ونظر المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وقد قطعوا أنفسهم من حظوظهم كلها فأشفق عليهم، رآهم جياعاً، رآهم عراة، رآهم تاركين لدنياهم معرضين عنها، فرفع يديه قائلاً: ((اللهم إنهم الغداة جياع فأطعمهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم، اللهم إنهم فقراء فأغنهم))، ولست بصدد ذكر القصص التي كم وكم طرقت أسماعكم، ولكنا بذكر العبرة التي ينبغي أن نقطفها في عصرنا هذا من قصة الهجرة هذه، ما هي القوة التي بها نجحوا في ذلك الامتحان؟ ما هو الدافع الذي حملهم على أن ينفضوا أيديهم من كل ما كانوا يملكونه، وأن يتجهوا إلى المدينة المنورة وهم لا يملكون إلا ثقتهم بالله عز وجل وإيمانهم بضرورة الانقياد لحكمه؟ ما هو رأس مالهم الذي يسر لهم النجاح في ذلك الابتلاء؟ إنه الثقة بوعد الله؛ إنه الثقة بما ألزم الله عز وجل به ذاته العلية، سمعوا قوله عز وجل: {وَكانَ حَقّاً عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 30/47] سمعوا قول الله عز وجل: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل ‌عمران: 3/160]، سمعوا قوله: {بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ، سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً} [آل ‌عمران: 3/150-151]، {لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ} [إبراهيم: 14/13-14]، {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ} [القصص: 28/5] صكت هذه الوعود والعهود الربانية أسماعهم، وهيمنت على قلوبهم، وعلموا أنه كلام الله، وكلام الله عز وجل حق لا يلحقه خلف قط، هذا هو الذي شجعهم وهو الذي يسر لهم أن ينفضوا أيديهم من القليل الذي كانوا يملكونه من الوطن والأرض، والعقار والأهل، وكل ما يقف عثرة في طريق سعيهم وسلوكهم إلى الله سبحانه وتعالى، نجحوا في ذلك الابتلاء والامتحان بثقتهم بهذه الكلمات الربانية.

ومكان العبرة في هذا أيها الإخوة: أن هذا الذي يقوله الله عز وجل مكرراً مؤكداً، مكرراً مؤكداً، لم يكن خطاباً للرعيل الأول فقط، بل هو خطاب لعباد الله جميعاً، هو خطاب للمؤمنين في سائر العصور وفي سائر الأجيال {وَكانَ حَقّاً عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} لم يقل: نصر أصحاب رسول الله {وَكانَ حَقّاً عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}. والخطاب إنما كان للمؤمنين كافة في كل العصور إذ قال: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ} وعندما قال: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} [القصص: 28/5] إنما كان يعني البيان الإلهي المستضعفين من عباد الله المؤمنين به الواثقين بنصره في كل عصر وعندما قال: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة: 2/257] إنما كان البيان الإلهي ولا يزال يعني المؤمنين في كل عصر.

فما الفرق بين المؤمنين اليوم وبين أولئك المؤمنين من أصحاب رسول الله؟ أولئك الذين سمعوا هذه البيان المكررة والمؤكدة وثقوا بكلام الله وصدقوه ورأوا ما وعدهم الله به كأنهم يتقرونه عياناً، أما نحن فما أكثر ما نتلو هذه الآيات ونرددها، وما أكثر ما نسمعها في المناسبات المتنوعة المختلفة، لكن أين هم الذين هيمنت هذه العهود الربانية والمواثيق الإلهية على قلوبهم؟ أين هم الذين وثقوا بوعود الله وعهده الذي ألزم به ذاته العلية، كما وثق بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هذا هو فرق ما بيننا وبينهم، ومن ثم فهو هو فرق ما بين النتائج التي قطفها ذلك الرعيل الأول والنتائج المهينة المذلة التي نتقلب في حمأتها اليوم، أولئك وثقوا بعهد الباري سبحانه وتعالى، فتركوا الوطن، تركوا الدنيا، تركوا العشيرة، تركوا كل شيء، وعانقوا الوباء، عانقوا الأرض ذات المناخ السيئ، لأن عزائهم إنما هو قول الله عز وجل: {وَكانَ حَقّاً عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 30/47] نصرهم الله، أعادهم الله عز وجل أعزة كرماء إلى الوطن الذي نفضوا أيديهم منه، وأكرمهم بمزيد من الأوطان، بأضعاف أضعاف أضعاف الأموال الذي تركوها في سبيل الله سبحانه وتعالى، وصدق عليهم قوله عز وجل: {وَكانَ حَقّاً عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} وصدق عليهم قوله عز وجل: {بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ، سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} كل ذلك تحقق.

أما نحن، فها نحن نسمع هذه البيانات الربانية كما سمعوا، ونتأمل فيها بعقولنا كما تأملوا، ولكن أين هم الذين يحفلون بهذه البيانات الإلهية؟ أين هم الذين جعلوا عقولهم أوعية لليقين بهذه العهود التي ألزم الله عز وجل بها ذاته العلية، تأملوا وانظروا تجدون أن جل المسلمين اليوم محجوبون عن خطاب الله عز وجل يتعاملون مع أهوائهم، يتأملون مع غرائزهم، مع رغباتهم، يتعاملون مع دنياهم، أجل، ومن ثم فقد كانت النتائج في حياتنا على النقيض من نتائج أولئك الناس، أولئك أدخل الله عز وجل الرعب في قلوب الكافرين منهم، أما نحن اليوم فإنما يزيد الله سبحانه وتعالى قلوب الكافرين وأعداء هذا الدين منعة وقوة وطغياناً كلما أرادوا أن يتجهوا إلينا بعدوان، يريدون أن ينفذوا خططه، انظروا إلى النقيض أيها الإخوة، ورحم الله المثل القائل: ((المرء حيث يضع نفسه)). ضع نفسك في موضع الاعتزاز بالحق الذي ألزم الله به ذاته العلية، ضع نفسك في موضع اليقين بما وعدك الله عز وجل به، انظر كيف يدخل الله عز وجل الرعب منك في قلوب أعدائك وأعدائه، ولكن إن أنت أعرضت عن بيان الله عز وجل، وإن أنت نظرت إلى الدين نظرة تقليدية ولم تزد علاقتك به على علاقة الأمة بتراثها كما يقال اليوم، تراث، ليس أكثر من تراث، آل الدين الذي خلقنا لأجله، آلت العبودية التي هي هويتنا فوق هذه الأرض، آلت إلى تراث للآباء والأجداد، نرتبط به ضمن حدود المصالح، فإذا رأينا أن رغباتنا أهوائنا، مختلف أمزجتنا تعارضت، فما أيسر أن نعانق الحداثة والتجديد والتبديل والتغيير، ونعانق ما يدعونا إليه العدو الأرعن.

هذا واقعنا، ومن ثم فقد وكلنا الله عز وجل إلى أنفسنا، وكلنا الله عز وجل إلى هذا الوضع الذي تعاني منه نفوسنا، وإلا فمن أين جاءت هذه الغطرسة التي يتمتع بها العدو ضدنا؟ من أين جاء هذا الطغيان؟ قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، لا يمكن لأمة أن تذل وأن تهون إلا إذا قطعت ما بينها وبين الله عز وجل من صلات، ولا يمكن أن يسلط الله عز وجل عليها عدواً له وله إلا عندما تبتعد هذه الأمة عن العهد وتخون الأمانة وتلقي الخطاب الذي شرفها الله به وراءها ظهرياً، وهذا هو حالنا، هذا هو حالنا.

لا يقولن قائل: ها نحن نردد بيان الله صباح مساء، ها نحن نسمع القرآن من أفواه تطرب لها الآذان في مختلف الإذاعات والفضائيات، هذه أطر أيها الإخوة، انظروا إلى ما في داخل الأطر، ولا تنظروا إلى الإطار نفسه، الإطار مزركش وداخله مخجل، داخله مخجل نعم، هذا العدو الأرعن يسمعنا أن علينا أن نبدل ديننا، أن نبدل مناهج التربية في مجتمعاتنا، علينا أن نودع هذا الدين إلى غير رجعة، ويأتي من ينبطح في عالمنا العربي والإسلامي ويقول: إن بلسان الحال أو بلسان المقال: سمعاً وطاعة، سمعاً وطاعة، سنغير، سنبدل، أجل سنفعل ما تشاؤون. وأين هو الإله الذي يملك النواصي، الذي يملك القلوب، الذي قلوب العباد بين أصبعين من أصابعه، ويحكم أن بينكم وبين أن يطرد الله عدوكم من دياركم وبين أن يلحق به المهانة والذل شيئاً واحداً، هو أن تصدقوا مع الله كما صدق أصحاب رسول الله مع الله، هو أن تثقوا بهذه العهود المتكررة التي ألزم بها ذاته العلية: {وَكانَ حَقّاً عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} من يقول هذا الكلام الله: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ} [آل ‌عمران: 3/160] من الذي يقول هذا الكلام الله: {بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ، سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} لكن إن آمنتم وإن وثقتم بكلام الله سبحانه وتعالى وجددتم العهد الصادق من الذي يقول: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ} الله سبحانه وتعالى. عندما نثق بهذا الكلام ونعاهد الله مجدداً كما عاهدنا، فإن الله عز وجل سيخلق في حياتنا خوارق النصر والتأييد، أما عندما نضع الخطط المتنوعة المختلفة التي تهدف إلى غاية واحدة، ألا وهو تمزيق هذا الدين، وتحويله إلى أمور ضبابية تصبح بعد حين أثراً بعد عين، كالتجديد، كالحداثة، كالعلمانية، كتبديل الخطاب الديني، كالتحويل، كالتبديل، هذه الكلمات التي تسمعونها خطط هي نتائج لخطط أجنبية أنا على يقين بها، المراد منها أن تخلع هذه الأمة رداء دينها، ومن ثم أن تخلع البقية الباقية من رداء حضارتها، من الذي يبقى لها؟ يبقى لها أن تتحول إلى أجراء، إلى عبيد يتقممون الحضارة الغربية الآسنة، التي ظهر ريحها وظهر أنها بلاء أطم يهلك الحرث والنسل، هذه هي العبرة التي ينبغي أن نأخذها من الهجرة، من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم.