عجيب هذا الزمان المتسارع الذي لا تعرف عجلته التوقف أبدا، ولا تكل أبدا عن المسارعة بوتيرة لافتة للانتباه. وما تبقيه من أثر سوى ذكريات وسابق أعمال مضت، وغصص في الحلوق وآلام محفورة في الأنفس إذا كان القلب ضامرا من الإيقان بالحياة الآتية. فإذا تعلق القلب بمجريات الأحداث المقبلة الماضية في الزمن بدون توطد على الجَلَد والصبر والاقتحام أصيب بالتهالك والتفتت والذوبان. فتجد صاحبه صريعا معلولا منهكا قد اصفر لونه وفارقته الابتسامة وزالت عنه نفحة السعادة.

فلا ريب أن الالتجاء بالقوي سبحانه قوة للمستضعف في المجابهة والعراك ضد تصاريف الزمان وتغيره، وضد مكائد الذين تحكموا في رقاب الناس وأرزاقهم. ولن يستطيع المرء الباحث عن رحاب السعادة النفسية أن يلج حماها ما لم يثق بذاته، وينخلع عن معاطف الضعف والجبن والخور ويدرأ عنه المثبطات والمنغصات التي قد تحزنه وتزعزع ثقته بذاته، وهذه الثقة ليست أصيلة متجذرة في أعماق النفس الإنسانية بل هي تربية مكتسبة، إذ الخافقون الذين تركوا أثرا خالدا في هذه الأرض، لم يصلوا إلى ذاك المستوى السامق من الرجولة والفحولة والعزم الأكيد والهمة الخارقة إلا بعد الاستناد على عقائد وقيم ركزت في نفوسهم فغدوا بها صفوة الناس ولب السواد، ولولا تلك القيم المنغرسة لما استوت ذاتهم على محجة الريادة والاستباق.

والملاحظ أن الذين وهبت لهم الحياة ونصروا وسعدت بهم الإنسانية قديما أناس لم يلتصقوا بأوهاق الأرض وجواذبها، ولم يحصروا جل همهم وغالب اهتمامهم في سويعات هذه الحياة الزائلة، بل كانت هممهم مستشرفة الخلود والأبد والسعادة المطلقة بعد الموت، لذا تجد أولئك السادة عاملين للحياة الآتية الأخروية، زاهدين في العراك واقتناص الشهوات العابرة في الأرض، بل تلفاهم مترفعين عن السفاسف والمصالح الذاتية التي ظنها الأغمار أس التحرك الإنساني.

فما أحوجنا إذن أن نبحث عن سبل النقلة من الأرض إلى رحاب الغيب، وعن العيش في ذاك العالم. عالم الحقيقة المغفلة، عالم انطمست معالمه في ما حرره غالب الكتاب وحتى الذين ظنوا أنفسهم كتابا ودعاة إسلاميين، إنه عالم الآخرة الذي يعتبر لب المقاصد العملية وما يستشرفه الذكي اللبيب في تحركه، إذ استشعار العيش الأبدي هناك بعد الحساب، ضابط حتما لسلوك الإنسان وتعامل البشر في في هذه الحياة الدنيا.

لكن الآخرة والإيقان بها لم يكن تذويبا لفعل الإنسان في الأرض أو مانعا لكي يتحرك المرء إيجابيا فيها، ولم يفض هذا الإيمان إلى انزواء في الأديرة أو استعلاء عن هموم الأمة الجماعية، بل إن اليقين في الآخرة فعل قوي للإصلاح وبناء الأنفس والدول، ودافع قوي لسلوك طريق الرشد والصلاح وصحبة الأخيار، ومن ثم كان المجددون الأتقياء قمما في العرفان والإحسان، مغيرين واقعهم ومطهرينه من علله وأمراضه الناخرة، مستصحبين الحكمة والرحمة واجتلاب مصالح الخلق.

والحقيقة التي أستشعرها من أعماق نفسي وأوقن بها قطعا أن أناس الآخرة هم أمل هذه الأمة ورجالاتها المنوطة بهم عملية الإنهاض والتغيير والتجديد والإسعاد، أما الترابيون الماديون فلا ريب أن يكونوا أسباب ازدياد الشرخ والتقويض والهدم والشقاء المروع للمجتمع الإنساني.