إن فهم الانكسار التاريخي الذي حدث بعد الفتنة الكبرى ومقتل ثالث الخلفاء الراشدين ذي النورين عثمان رضي الله عنه ضروري لمن يحمل مشروع العمل لإعادة البناء على الأساس الأول، فهم طبيعة هذا الانكسار، ومغزاه بالنسبة لتسلسل الأحداث وتدهورها بنا إلى الدرك الذي نجد الآن فيه أنفسنا، فهم الذهنية التقليدية التي تدين بالولاء غير المشروط للسلطان، كيف نشأت، وكيف توارثها الخلف عن السلف، وكيف صنعت أجيالا يسوقها الحاكم المستبد سوق الأغنام، فهم الذهنية الأخرى التي رفضت الاستسلام وتشيعت لآل البيت، فهم كيف تغلغلت الثورة الشيعية على الحكم حتى انفجرت في عصرنا، فهم كيف تحجرت الذهنية الشيعية على عقيدة إفراد علي كرم الله وجهه وبنيه بالإمامة، وراثة تقابل توارث الملوك العاضين شؤون الأمة، فهم كيف صنع تكتم الشيعة من الحكام على مر العصور ذهنية غامضة تتناقل الأخبار الغريبة الساذجة من فم لأذن في جو تآمري حاقد، فهم كيف نشأت الصراعات المذهبية بين طوائف الشيعة والرافضين للحكم القائم وبين أهل السنة والجماعة الملتفين حوله، لماذا التف هؤلاء ولماذا رفض أولئك، فهم كيف شجرت الخلافات واشتجرت بين فرق النظار والفقهاء، وكيف برزت العقائد المتطرفة من قدرية وجبرية وخوارج ومرجئة.

ليس في هذه الرسالة متسع لتفصيل الكلام في هذه الشؤون الخطيرة، ولا ليس في نيتنا أن نتعرض للفتنة النائمة عصمنا الله بكرمه وعفوه من القواصم، لكن ألح عليكم إخوتي أن تعرفوا أن الانكسار التاريخي حدث محوري في تاريخ الإسلام، وسيبقى فهمنا لحاضر الأمة ومستقبلها مضببا بل مشوشا غاية التشويش إن لم ندرك أبعاد تلك الأحداث وآثارها على مسار تاريخنا وتجلجلها في الضمائر عن وعي في تلك العهود وبحكم تكوين المخزون الجماعي الذي توارثته الأجيال، رجَّة عظيمة مزقت كيان الأمة المعنوي فبقي المسلمون يعانون من النزيف في الفكر والعواطف منذئذ، ويؤدون إتاوات باهظة لما ضعُف من وحدتهم وتمزق من شملهم وتجزأ من علومهم وأقطارهم.

غيرنا يغضي حياء من فتح تلك الصفحات، وآخرون من حزب الشيطان يثيرون تلك الأخبار لزعزعة ثقة المسلمين بإسلامهم وتشكيكهم في قيمة الحق الذي أنزل على محمد صل الله عليه وسلم، يستشهدون بتاريخ المسلمين على تاريخية الإسلام ليقولوا إنه إيديولوجية عابرة متماوجة متغيرة متعددة التعبير صحبت صراعات بين بطون قريش وبين عصبيات أخرى، لاصق كل ذلك بالأرض، شبيه بالجدليات الصراعية على مر التاريخ، نحن نقصد كشف جانب من ذلك الستر بمقدار ما نتبين كيف تجري قوانين الله ونواميسه في الكون على البر والفاجر، على المسلمين وغير المسلمين، آخذين في اعتبارنا ما جاء به الوحي وما أخبرنا به المصطفى صل الله عليه وسلم من أخبار الغيب، وما أوصى وما علم، لتستقيم لنا الرؤية من زاوية نظر يوجهها القرآن ويحدوها الإخبار المعصوم، لا تزيغ العين التي تقرأ ناموس الله في التاريخ بالعين التي تقرأ مواقع القدر الإلهي، ولا تكون النظرة إلا عوراء إن انغلقت العين المراقبة للكون وأسبابه وانتصبت العين الإيمانية الغيبية تترجم وتفسر، لا خَبَرَ عندها بالعلة والمعلول كما شاء الله تعالى أن تكون علاقتهما مفهومة عقلا مترابطة متساوقة.

نرى هذه الأيام الحرب الضروس القذرة بين إيران والعراق، يا لضياع أشلاء الأمة! يتجند بعض علمائنا الحسني النية القاصري النظرة لتفسيرها والتحزب فيها انطلاقا من أنها عدوان شيعي على أهل السنة. من لهؤلاء الأفاضل يتبع معهم بإشارة الأصبع كيف انحدرت من أجيال أهل السنة تقاليد الخضوع للحكام أيا كان منذ الانكسار التاريخي، وكيف انحدرت في أجيال الشيعة تقاليد رفض الرضوخ للحاكم. ففي حلبة الصراع الآن ثوارٌ ينادون بثارات الحسين من يزيد العراق يعيشون بألم كما عاش آباؤهم تلك المأساة المحزنة، بل تلك الجريمة النكراء بكل المعايير. والضحية شعب عربي مسلم في العراق خاضع لقيادة قومية لا صلة لها بالإسلام، يسوقها بيادق النصراني المرتد عن دينه ميشيل عفلق. لماذا تأتى للزعماء القوميين أن يركبوا متن الأمة ويلهبوا أظهرها لتنقاد إلى سفك دمائها دفاعا عن نظام بعثي طالما استخف بالإسلام قبل الثورة الإيرانية وأصبح زعماؤه اليوم يتسابقون إلى عدسات التصوير ليظهروا للجمهور تالين راكعين ساجدين؟

أين مناط المنكر في الداهية الدهياء التي تبدد مقومات الأمة بشطريها الشيعي والسني؟ أهو قتل الأبرياء وانتهاك الحرم وإضعاف الأمة، والعدو متربص شامت والقدس محتلة؟ أم هو كارثة الأمية التاريخية السياسية التي تجعلنا نجرد الأحداث عن منطقها والصراع القائم عن منبعه ومغزاه ومصيريته وذهنياته القائدة وما ترسب فيها منذ الانكسار التاريخي وما تصور لها تلك الترسبات من ضرورة الاندفاع والاستماتة؟ إنه مخاض مؤلم فريد من نوعه في تاريخنا. مخاض نرجو منه ميلاد الخلافة الموعودة تجبر وتأسو. إن شاء الله الملك الوهاب.

من المسلمين من يرفض، بعينين مغمضتين عن التاريخ وحقائقه وعن الوحي وتعليمه معا، أن يكون قد حدث انكسار أو أن يكون الحكم قد فسد والسنة خضعوا والشيعة ثاروا. هلم بنا نربع على أنفسنا فما الجدل نريد. بل نريد أن نستسيغ غصص القدس وأفغانستان وحرب الخليج بجرعات من البلسم النبوي. تجرعوها الأحباب، أجيال المسلمين، مرة ولا يزالون. وإن قضاء الله عز وجل النازل بما كسبت أيدي الناس، العائد بالرحمة فضلا من الولي الحميد سبحانه، نزل رجات يتلو بعضها بعضا إلى زماننا. ونأمل من كرمه أن يحط أقدامنا على مواقع القدر الذي نطق الترجمان الإلهي ببشرى تنزيله بالخلافة على منهاج النبوة بعد كل هذا العض المؤلم والجبر. فالانتظار الواثق لتحقيق تلك البشرى هو بلسمنا. والعمل على التعرض لها إعدادا وتربية وتنظيما وزحفا شغلنا فضل من له المنة. لا إله إلا هو .

ليس الشيعة أعداء السنة وما ينبغي أن ينفخ النافخون في النار المستعرة ليزيدوها ضراما. إن رجعنا، بالطمأنينة الإيمانية، إلى مبعث الخلاف وميلاد الفتنة بقصد العلم المؤسس لعمل يوحد ولا يفرق، يفتح الجرح ليضع فيه دواء لا لينكيه، فعسى نعلم ونعمل. ولعل في الجواب عن السؤال البسيط:” هل فسد الحكم في عهد مبكر أم لم يفسد ” بما يرتاح له ضمير المؤمن وعقل الناظر ومنطق المحلل ما هو كفيل أن يتوجه بنا إلى العلم النافع والعمل البناء.

روى الإمام أحمد بسنده الحسن عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ” لينقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها. وأولهن نقضا الحكم، وآخرهن الصلاة”.

لنزداد يقينا بأن الحكم قد فسد في عهد مبكر جدا، ولنزداد معرفة بتفصيل المراحل التي تحدث عنها حديث منهاج النبوة ننظر عند البخاري حديثا رواه بسنده عن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص قال :” كنت مع مروان وأبي هريرة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمعت أبا هريرة يقول : سمعت الصادق المصدوق يقول : “هلاك أمتي على يدي أغيلمة من قريش “. فقال مروان : غلمة؟ قال أبو هريرة: إن شئت أن أسميهم : بني فلان وبني فلان”.

ولنزداد تدقيقا نسمع شهادة صحابي هو سفينة مولى رسول الله صل الله عليه وسلم في حديث إسناده حسن رواه أبو داود والترميذي وصححه ابن حبان. في رواية الترمذي: عن سعيد عن سفينة رضي الله عنه أن رسول الله صل الله عليه وسلم قال: “الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك” قال سعيد بن جهمان ثم قال 🙁 أي سفينة ) أمسك (:أي احسب في أصابعك) : خلافة أبي بكر، خلافة عمر، وخلافة عثمان ثم قال امسك خلافة علي. فوجدناها ثلاثين سنة . قال سعيد فقلت له إن بني أمية يزعمون أن الخلافة فيهم قال كذبوا بنو الزرقاء بل هم ملوك، شر الملوك .

إن طموح العاملين في الدعوة الإسلامية، يكابدون في جهادهم عنت الإعراض من العامة والمكر السيئ من الجبارين في الأرض، يعانون أيضا من الذهنية المتحجرة الواقفة على تقديس التاريخ الإسلامي لا تقبل بوجه أن تنظر فيه للعبرة . هذه الذهنية لوقوفها وتبلدها ورفضها لفهم الماضي أعجز عن تصور مستقبل إسلامي إلا على صورة الإسلام المنشطر المشتت، إسلام الملك العاض، إسلام عاش فيه القرآن وأهل القرآن تحت ظل السيف.

كأني بواحد منهم يطعن في حديث سفينة ويطعن في كل الروايات التاريخية ليبقى له تصوره الجامد المزين بألوان الهناء والفناء. كأني به يقول : ” ما عهدنا من يقول مثل ما نسب إلى سفينة إلا الروافض.”

ملوك شر الملوك ! وظل السيف طاف فوق الرقاب. ذهب عبد الملك بن مروان إلى المدينة سنة 75. فارتقى منبر رسول الله صل الله عليه وسلم وأعلنها مدوية، ولو كان يسمع الجامدون. قال: “إني لن أداوي أمراض هذه الأمة بغير السيف … والله لا يأمرني أحد بعد مقامي هذا بتقوى الله إلا ضربت عنقه !” أنقل هذه الكلمة الكبيرة التي خرجت من في رجل من ملوك العض عن كتاب المودودي رحمه الله ((الخلافة والملك)) كما نقلها عن ابن الأثير والجصاص وعن مؤلف كتاب فوات الوفيات.

كتاب المودودي كان أثار زوبعة في أوساط الناس. وهو أهم ما كتبه هذا المفكر المجاهد رحمه الله. لعل الجامدين وجدوا في الكتاب ثغرة دخلوا منها فضخموا جانبا ليطمسوا منه جوانب ناصعة. جاءنا عن رسول الله صل الله عليه وسلم الأمر أن نكف عن الأصحاب – “إذا ذكر أصحابي فأمسكو” الحديث أخرجه الطبراني عن أبي مسعود بإسناد حسن- فلم يسع كاتبنا وهو في سياق تحليله أن يتعفف عن ذكر الإمام سيدنا عثمان رضي الله عنه، غفر الله لنا وله وللجميع.

نعم انتقضت، بل نقضت عروة الحكم بعد ثلاثين سنة من وفاة رسول الله صل الله عليه وسلم وجاء من يقول من على منبره، من مسجده، للناس يومئذ ولكل من يسمع فيعي من العقلاء أن ما وعد الله ورسوله حق، وأن الخلافة الأولى أقبرها السيف، وأن الحاكم العاض يحكم بهواه، وعصبيته، وجبروته، لا بالقرآن، ولا بشورى أهل القرآن، ولا بعدل القرآن، ولا بإحسان أمر به القرآن، ولا برعاية لتقوى الله. ضرب الأعناق ! ودواء الأمة السيف !

وسالت الدماء بانتقاض العروة العليا، وتشبث الناس بالعرى الأخرى في حدود ما سمح به حامل السيف.

إن كان بقي للأمة كيان قوي، واستمرار تاريخي، وشوكة قوية، وفتوح واسعة، وعلوم ومجد، وحضارة وابتكار، وصلاح وتقوى، فالفضل لله عز وجل بأن حفظ على الأمة وجودها وتماسكها بهذا التشبث الذي أخبر به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: (( فكلما انتقضت عروة تمسك الناس بالتي تليها)).

إن من معجزات رسول الله صل الله عليه وسلم إخباره بالغيب، ومن كرامة الله جل وعلا لهذه الأمة أن بقيت صامدة مواجهة تارة مصانعة أخرى.

واجه الإمام الحسين رضي الله عنه وقاتل، واجه زيد بن على وقاتل، واجه محمد النفس الزكية وإدريس أخوه وإبراهيم ويحيى من بعده وقاتلوا. كان هؤلاء جميعا من آل البيت، وكان لأئمة المسلمين أبي حنيفة ومالك والشافعي رضي الله عنهم ميل، بل مساندة فعلية لهؤلاء القائمين.

عذب ابن هبيرة الإمام أبا حنيفة لما رفض أن يتقلد القضاء لأبي جعفر المنصور العباسي لأنه يرى في بيعته شيئا، كان يراها غير شرعية، وعذب والى المدينة مالكا لما أفتى مالك الناس بان طلاق المكره لا يجوز، وكان المنصور يكره الناس على البيعة ويحلفهم بطلاق أزواجهم إن هم لم يفوا بالبيعة. وما ذلك إلا لأن مالكا رحمه الله كان يرى أن تلك البيعة فاسدة.

إن مشروع الإسلاميين في عصرنا سيكون محدود الأفق إن لم نتفقه في تاريخنا، يغتاله الشعور بالمضض والألم لما وقع في ذلك العهد العنيف، عهد الانتقال من مرحلة الخلافة إلى مرحلة العض. لا ينقصنا العنف في مرحلتنا هذه، تسلطا علينا أو هاجسا ملحا على بعضنا. فلكي نوسع الأفق، ولكي نزيل الأسى على الماضي، نتخفف لنمضي باطمئنان المؤمنين إلى تحقيق موعود الله جهادا فاعلا وتوكلا يتحرى مواقع القدر الحكيم، نقف عند محطة فكرية عاطفية إيمانية عينية عملية سياسية دينية لنتساءل : ترى لم قبل المسلمون حكم السيف والهوى وضرب الأعناق ؟ لم انساقوا تحت إمرة فاسدة في كثير من الأحيان وهم كانوا في العالم قوة فاتحة هادية يداوون الناس كافة برفق الإسلام وقرآن الإسلام، بينما الحاكم في بيتهم هوى السلطان، والدواء السيف، وحل الخلاف ضرب الأعناق؟

لماذا استبدل سواد الأمة الأعظم الاستبداد بالشورى، والظلم بالعدل، وقبلوا تهتك الأغيلمة من قريش وطيشهم ؟ لماذا سمعوا وأطاعوا الصبية اللاعبين وهم كانوا أسد الشورى وعلماء الدنيا ؟ لماذا حكم المترفون جهابذة الفقه وسادة القوم وأئمة الأمة ؟ لماذا لم يمض الذين ساندوا القائمين من آل البيت إلى آخر شوط في العصيان لأمراء السوء، وكأن في مساندتهم تحفظا شل الحركة، وفت في العضد، وأوهن العزائم ؟