في مقالنا هذا ننظر في علائق الأمة مع الدنيا الممسكة بخانق النفس البشرية تعوقها عن التحرر من عبوديات الحاجة والشهوة ونزعات الأثرة والشح والأنانية . فالبذل برهان الصدق ، وهو للمؤمنة تزكية وتطهر ومادة بناء وتعاون .

المؤمنة إن صلت صلاتها وزكت فرضها فهي مؤدية لواجب عيني تحاسب عليه، أما من تبرعت بمالها وحنان قلبها على المحتاج من قريب ومسكين وسائل فقد أسهمت في القيام بفرض كفائي متعلق بذمة الأمة فسمت بذلك مرتبة عملها.

فما هو البذل المطلوب منا المؤمنات ؟

وكيف يصبح بذل المؤمنة تربية ملازمة وعبادة دائمة تقربها من الله سبحانه وتعالى ؟

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في كتاب تنوير المومنات ج 2 فقرة ” الإحسان إلى الخلق ” :

” تشكر ربها على نعمه أن هداها للإيمان ،فتفجر ينابيع الخير من قلبها ، تترجم الشكر والخير والعطاء من مالها وحياتها ووقتها واهتمامها ووقوفها بجانب اليتيم والمسكين والمقهور .. “

المؤمنة الحاملة لمشروع تغييري مطالبة ببذل شامل يبدأ ببذل المال والوقت والجهد والعرق والنفوس في سبيل الله. بذل مادي وبذل معنوي.

أ.البذل المادي:

و هو بذل المال بجميع أنواعه. ويدخل ضمنه: الزكاة والصدقة، والكرم والنفقة في سبيل الله، وإيتاء ذي القربى واليتامى والمساكين، وإطعام الطعام، وقسمة المال.

و مجموع هذه القيم هي التي يدور عليها نظام المادية الاجتماعية في الإسلام.

1. الزكاة والصدقة:

المال مالك مادمت غافلة عن الله، يوم تتوبين وترجعين إلى ربك، تدركين ويعلمك القرآن أن الأمة أمته وأن المال ماله. الزكاة صدقة واجبة لها مقاديرها الشرعية ومواقيتها، ومنع الزكاة من مالك وخاصة ذهبك وفضتك غضب من الله وكي للجباه العاصية والجنوب المخلدة إلى الأرض بشحها.

قاعدة أخرى نبوية ، لا تقل أهمية على الزكاة الواجبة ، هي قاعدة بذل الفضول ، تأخذ الأموال من الأغنياء والميسورين وكل ما زاد عن ضرورتك من مال أو طعام لينفق على الجهاد وعلى أخواتك المحتاجات فنحن أولى بهذا ومصير الأمة اليوم في خطر .

2. الكرم والنفقة في سبيل الله:

الصدقة التطوعية نافلة يقبلها الله بعد الواجبة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” ما تصدق أحد بصدقة من طيب ـ ولا يقبل الله إلا الطيب ـ إلا أخذها الرحمان بيده ، فإن كانت ثمرة فتربو في كف الرحمان حتى تكون أعظم من خيل كما يرى أحدكم فلوه أو فضيلة ” متفق عليه من حديث أبي هريرة .

و يا لروعة النموذج سيدتنا أم المؤمنين زينب، أخرج الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ” قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”أسرعكن لحاقا بي أطولكن يدا” قالت فكن يتطاولن أيتهن أطول يدا. قالت: وكانت أطولنا يدا زينب، لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق”.

3. إيتاء ذي القربى واليتامى والمساكين:

بر الأقارب ابتداء بالوالدين واجب. ويعتبر الإسلام منع ذوي الرحم من بر المسلم من الفظائع، ويعتبر قطع ما أمر الله به أن يوصل من الموبقات، مال اليتيمة له حرمة قصوى ، الأرملة، البنت، المعسرة، ذات الكربة الملهوفة، فرص لتتقرب المحسنات ببرهن إلى الله، ثم هنالك العطاء على الإسلام وتأليف القلوب عليه.

أخرج ابن سعد عن برة بنت رافع قالت :” لما خرج العطاء أرسل عمر إلى أم المؤمنين زينب رضي الله عنها بالدين لها ، فلما دخل عليها قالت : غفر الله لعمر ~~، غيري من أخواتي كان أقوى على قسم هذا مني … قال الراوي واستترت من المال بثوب ، وقالت : ضعوه واطرحوا عليه ثوبا . قال الراوي : ثم قال لبرة : أدخلي يدك فاقبضي منه قبضة فاذهبي بها إلى بني فلان وبني فلانة من أهل رحمها وأيتامها ، حتى بقيت منه بقية تحت الثوب …

4. إطعام الطعام:

إطعام الطعام بين المؤمنات سنة نبوية، تستبدل المؤمنة بالموائد العادية في حياة الغافلات الحافلة بالأطايب من كسب يعلمه الله، سفرة الأخوة على القناعة والاكتفاء، فإن الاشتراك في الطعام وبالآداب النبوية مما يؤلف القلوب.

تعجب ربنا جل وعلا من صنيع الأنصارية التي أطعمت ضيف الدعوة ، ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، عشاء أطفالها ، واحتالت ليشبع وتلطفت ليهدأ باله .

5. قسمة المال:

تقرأ في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه البررة والصحابيات البارات أمثلة ناصعة للإيثار وقسمة المال، كانت أموال المسلمين تقسم عليهم من بيت مالهم بالأمانة العادلة، ثم يشيع المال من الأيدي الرحيمة التي لا تمسك ولا تشح.

أخرج البخاري في الأدب المفرد عن عبد الله بن الزبير برضي الله عنهما قال :” ما رأيت امرأتين أجود من عائشة وأسماء رضي الله عنهما وجودهما مختلف ، فأما عائشة فكانت تجمع الشيء إلى الشيء وحتى إذا اجتمع عندها قسمت ، أما أسماء فكانت لا تمسك شيئا لغد ” وروى سعد عن أم ذرة قالت : ” أتيت عائشة بمائة ألف ففرقتها وهي صائمة فقلت لها: أما استطعت أن تشتري بدرهم لحما تفطرين عليه ؟ فقالت : لو كنت أدركتني لفعلت ” وكذلك فعلت أم المؤمنين سودة رضي الله عنهما .

ب.البذل المعنوي:

و هو بذل كل ما هو غير مادي ويدخل ضمنه: بذل الوقت، والحنان، والنفس، وفتح بيتك للدعوة….

1. بذل الوقت :

على المؤمنات أن يكون وقتهن بمثابة ميزانية ينفقن منها، فكن بوقتكن شحيحات أن تصرفنه في الغفلة وتضيعنه فيما لا يعني، فالوقت الذي تندمين عليه أخت الإيمان، هو وقت لم تبذليه في ذكر الله باللسان والقلب والجهاد نصرة لدين الله ودعوته.

المؤمنة تبذل وقتها في إنشاء جيل مجاهدين أقوياء ، وصنع مستقبل العزة للأمة ، وما ينسخ هذا مسؤولياتها خارج البيت ببذل وقتها في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

2. بذل الحنان :

أنت يا أخت الإيمان قطب الرحمة . وغرسة الرحمة في قلبك لا يعرف تغصينها وإزهارها وإثمارها إلا ما تشيعينه حولك ، الأقرب فالأقرب ، من أنواع البر والإحسان والألطاف والأرفاق. مطالبة أنت ببذر بذور الحب والرحمة والحنان في مجتمع الكراهية .

تبدئين بإنفاق كنوز المحبة والحنان والرحمة بمن أوصى بهما الله وهما الوالدين فالزوج والأبناء والحماة القرابة والرحم، إلى أن تكوني أما حانية لمن جفتهن الأمهات، وصدر محبة لمن يستغثن ويد مسدية للخير لمن حرمن العطاء والعون.

3. بذل النفس :

لم تكن الصحابيات وأمهات المؤمنين قاعدات عن الجهاد وشحيحات ببذل أنفسهن في سبيل الله. فقد قاتلن جنبا إلى جنب مع الصحابة، رغم أن بيعتهن لا تتضمن جهادا. تطوعن وبذلن وسعين في ساحات الوغى بل وذدن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

استأذنت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاد فقال:” جهادكن الحج” رواه البخاري.

لكن عائشة ونسيبة وأم سليم وصفية بنت عبد المطلب … قاتلن متطوعات وأبلين البلاء الحسن .و ما أروعه من مثال سيدتنا سمية أم عمار التي جاءت بنفسها فداءا لله ولرسوله ولدعوته . جهاد القتل وبذل النفس في ساحة الوغى صبر ساعة وصبر أيام أما بذل النفس لبناء أمة وتنشئة أجيال وتعبئة الرسالة فهو صبر عمر وأعمار.

4. فتح بيتك للدعوة :

ما كان الأنصار الرجال أن تسع بيوتهم غرباء عن البلد (المهاجرين) لو لم تكن الأنصاريات ربات البيوت قد تصارعت في قلوبهن دواعي الأنانية والخصوصية مع دواعي الإيثار والبذل حتى غلبت المحبة في الله وطردت الخصوصية الشحيحة، ففتحن قلوبهن للمهاجرات يتقاسمن السقف والدثار والمعونة والحياة.

قبل الحكم الإسلامي وبعده يلزم المؤمنات أن يوسعن بيوتهن لاستضافة المؤمنين والمؤمنات، تنظر المؤمنة هل ترتيب فراشها وأناقة أثاثها أحب إليها أم أن يكون بيتها معقلا من معاقل الإسلام.

المؤمنة إن فتحت بيتها للدعوة نالت بذلك فضائل ثلاثة:

” بيتها ينوب مناب بيت الله.

” و ما فعل من خير في دارها كتب لها في ميزان حسناتها.

” الذكر الذي حصل في بيتها حصانة لها ولأولادها حتى ولو لم تذكر هي وأولادها.

فاللهم قنا شح أنفسنا ووفقنا للبذل في سبيلك فأنت الغني عن عطائنا ونحن الفقراء لرحمتك.