مضى رسول الله صلى عليه وسلم بأمر الله، رغم ما لقي من قومه من الخلاف والأذى، فآمنت به خديجة بنت خويلد، وصدقت بما جاءه من الله، وآزرته على أمره، وكانت أول من آمن بالله وبرسوله، وصدقت بما جاء به، فخفف الله بذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلم لا يسمع شيئا مما يكرهه من رد عليه وتكذيب له، فيحزنه ذلك، إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها تثبته وتخفف عليه، وتصدقه وتهون عليه أمر الناس، رحمها الله تعالى1.

قال ابن إسحاق : “ثم كان أول ذكر من الناس آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلى معه وصدق بما جاء من الله تعالى، علي بن أبي طالب بن عبد المطلب ابن هاشم، رضوان الله وسلامه عليه، وهو يومئذ ابن عشر سنين، ونعمة الله أنه كان في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الإسلام2.

أخرج الحافظ أبو الحسن الطرابلسي عن عائشة رضي الله عنها قالت : خرج أبو بكر رضي الله عنه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم  وكان له صديقا في الجاهلية- فلقيه، فقال : يا أبا القاسم أفقدت من مجالس قومك واتهموك بالعيب لآبائها وأمهاتها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني رسول الله أدعوك إلى الله، فلما فرغ من كلامه أسلم أبو بكر، فانطلق عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وما بين الأخشبين3 أحد أكثر سرورا منه بإسلام أبي بكر، ومضى أبو بكر فراح لعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص فأسلموا، ثم جاء … بعثمان بن مظعون، وأبي عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف، وأبي سلمة بن عبد الأسد، والأرقم بن أبي الأرقم فأسلموا رضي الله عنهم4.

1- الصاحب والمصحوب:

لقد آثر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بنعمه بالقدر الذي يجعله أهلا لحمل رايته والتحدث باسمه بل ويجعله أهلا لأن يكون خاتم رسله، ومن ثم كان فضل الله عليه عظيما، جعلت أفئدة الناس تهوي إليه، وترى فيه المصحوب المربي والمعلم، والصديق؛ مما جعل سادة قريش يسارعون إلى كلماته ودينه : “أبو بكر” و”طلحة” “والزبير” و”عثمان” و”عبد الرحمان بن عوف” و”سعد بن أبي وقاص” متخلين بهذه المسارعة المؤمنة عن كل ما كان يحيطهم به قومهم من مجد وجاه، متقبلين  في نفس الوقت- حياة “تمور مورا شديدا بالأعباء وبالصعاب وبالصراع”.

ما الذي جعل ضعفاء قومه يلوذون بحماه ويهرعون إلى رايته ودعوته وهم يبصرونه أعزل من المال ومن السلاح ينزل به الأذى ويطارده الشر في تحد رهيب، دون أن يملك عليه الصلاة والسلام له دفعا ؟ ! ما الذي جعل جبار الجاهلية  عمر بن الخطاب- وقد ذهب ليقطف رأسه العظيم بسيفه- يعود ليقطف بنفس السيف رؤوس أعدائه ومضطهديه !

ما الذي جعل المؤمنين به يزيدون ولا ينقصون ومن حوله يلتفون، وهو الذي يهتف فيهم صباح مساء لا أملك لكم نفعا ولا ضرا ولا أدري ما يفعل بي ولا بكم.

ما الذي ملأ قلوبهم يقينا وعزما ؟!

إنه محمد بن عبد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم المصحوب، رأوا طهره وعظمته، وأمانته واستقامته، وشجاعته وسموه وحنانه، رأوا عقله وبيانه،رأوا سمو الحياة يسري في أوصال قلوبهم عندما بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يفيض عليها من قلبه المرحوم برحمة الله ونبوته. رأوا ذلك وأضعافه لا من وراء قناع بل مواجهة وتمرسا وبصرا وبصيرة. فكانوا الصاحبين، بحق حملوا مبادئ الدعوة، وعبير الدعاة، وصدق التعاليم وعظة المعلمين ونور الرسالة، ورحمة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. فكانوا النواة الأولى لبناء جماعة المسلمين، عليهم قامت أمة الإسلام دعوة ودولة، حموها بأنفسهم وبأموالهم وبذلوا في سبيلها كل غال ورخيص.

والعلماء أمناء الرسل وورثتهم، ورثوا الصحبة وفقه التربية يربون ويعلمون في كل عصر ومصر ما ورثوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخلاق رفيعة وسمات جليلة، فيعلمون بالقدوة والشهود بين ظهراني الناس يضيء ظلامهم وتفيض قلوبهم رحمة بالأمة صبرا ومصابرة.

2- كيف أثمرت الصحبة ؟

آمن الصحابة الأولون برسول صلى الله عليه وسلم وكانت المحاضن التربوية أساس البناء في دار الأرقم بن أبي الأرقم تلقوا الإيمان غضا طريا يتلو ما أنزل إليهم من ربهم من الآيات وهي حديثة عهد من الله تغرس الإيمان في القلوب وتزرع الأمل في الأنفس ذكرا وتعلما ومدافعة للواقع المستبد بكل من يقول ربي الله، صدقا وتصديقا، شرفا واعتزازا بالانتماء إلى هذه الدعوة المحمدية، استيعابا وفهما ودعوة وجهادا وفتحا.

3- السابقون الأولون :

علمنا ربنا الكبير المتعال أن ندعو للسابقين ونحبهم ونجلهم لأنهم كانوا بحق الوعاء الذي حوى الدين ودافعوا عنه، بذلوا في سبيله المهج والمقل، هجروا المال والبنين والعشيرة، أقبلوا على ربهم إقبالا منقطع النظير، فهم سادة هذه الأمة وزهرتها فاستحقوا بذلك شرف السبق والسمو، يقول الله تعالى يعلمنا “للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله، أولئـك هم الصادقون” (الحشر، الآية 8) ويقول سبحانه عز وجل : “والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم” (الحشر، الآية 10). وهذه الصورة النظيفة الرضية الواعية تبرز أهم ملامح التابعين كما تبرز أخص خصائص الأمة المسلمة على الإطلاق في جميع الأوطان والأزمان.

هؤلاء الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار سمة نفوسهم أنها تتوجه إلى ربها في طلب المغفرة، لا لذاتها ولكن كذلك لسلفها للذين سبقوا بالإيمان، وفي طلب براءة القلب عن الفعل للذين آمنوا على وجه الإطلاق، ممن يربطهم معهم رباط الإيمان، مع الشعور برأفة الله ورحمته ودعائه بهذه الرحمة وتلك الرأفة “ربنا إنك رؤوف رحيم”5.

4- دعاء الرابطة :

السابقون الأولون من المؤمنين مدحهم الله تعالى في كتابه ونالوا محبة خاصة من رسوله صلى الله عليه وسلم من أصحابه رضوان الله عليهم، وهذه المحبة تسري إلى كل مؤمن لا تحجبه لا الأمصار ولا الأزمان تنتظم في عقد الولاية بين المؤمنين. “تتجلى الآصرة القوية الوثيقة التي تربط أول هذه الأمة بآخرها، وآخرها بأولها، في تضامن وتكافل وثواب وتعاطف وشعور …. وشيجة القربى العميقة التي تتخطى الزمان والمكان والجنس والنسب، وتستقر وحدها في القلوب، تحرك المشاعر خلال القرون الطويلة، فيذكر المؤمن أخاه المؤمن بعد القرون المتطاولة كما يذكر أخاه الحي، في إعزاز وكرامة وحب ويحسب السلف حساب الخلف، ويمضي الخلف على آثار السلف، صفا واحدا وكتيبة واحدة على مرار الزمان واختلاف الأوطان، تحت راية الله تغذ السير صعدا إلى الأفق الكريم متطلعة إلى ربها الواحد الرؤوف الرحيم”6.

هذه هي قافلة الإيمان، الموكب النوراني والعقد الفريد الغالي، هذا هو وعاء الإيمان وإنها لعائلة كريمة إنه لدعاء كريم.

5- الدروس والعبر :

هؤلاء هم السابقون الأولون من المهاجرين، أول من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأول من صلى من الأمة المحمدية، وفي قصصهم عبر لأولي الألباب نذكر منها :

1- دور المرأة المؤمنة في تحمل أعباء الدعوة، فقد كانت خديجة رضي الله عنها الملجأ الدافئ الذي يخفف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناء قريش ومكرها وتعنتها وجهلها و كذا فإن أزواج الدعاة يمثلن المحضن الذي يأوي إليه الداعي الصادق بعد مكابدة الواقع ومعاناة الناس وابتلاء الظالمين. لأنه إذا استقر الإيمان بالقضية العظمى قضية تبليغ الرسالة في قلب المرأة، فلنعلم أنها يمكن أن تيسر لزوجها كثيرا مما عسر، وتهون عليه كثيرا مما عظم، وتجعله دائم العطاء.

2- العناية بالأطفال والصغار، تربى سيدنا علي كرم الله وجهه في كنف رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ صغره وكان أول ذكر أسلم، فقد كان عمره عشر سنين.

إن العناية بالأطفال والشباب لأمانة عظيمة، بواسطتها يرسخ الإيمان في القلوب، وتتقوى العقيدة في الأفئدة، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يولي ابن عمه عناية كبرى، ويعلمه الصلاة، ويتابعه ويجالسه حتى يستوي عوده ويخرج منه الرجل المجاهد، والولي المجاهد، والخليفة العادل رضي الله عنه.

لا بد للحركة الإسلامية من إيلاء الاهتمام الأكبر بالأطفال فإنهم أمل الأمة ومستقبلها.

3- أثر الصحبة الصالحة : إن للصحبة الصالحة الأثر الأول في ثبوت الإيمان في القلوب، وإن لحظات التقاء الصاحب بالمصحوب لأكبر دليل على ذلك وإليك بعضه :

أ- عاد أبو بكر من رحلة التجارة وأبلغه القوم أن محمدا  صلى الله عليه وسلم- يزعم أنه يوحى إليه فأجابهم إن قال فقد صدق فما أن حط عنه عناء السفر حتى أقبل إلى النبي عليه الصلاة والسلام متأكدا من ذلك فما أن سمع من النبي صلى الله عليه وسلم حتى فاضت عيناه وقبل صاحبه الذي ما تردد في النطق بأعظم كلمة أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله.

بـ- لقد توفرت في أبي بكر خصال عظيمة جعلته خير ناقل لأثر الصحبة، كان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر فحسن مجالسته هذا كان سببا في إسلام السابقين فجاء بهم إلى المصحوب الأعظم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا وصلوا.

4- التبليغ الصادق : إن بشاشة الإيمان حين تخالط القلوب ما تلبث أن تتحول إلى طاقة لا تقهر فما يحمله المؤمن المقبل على ربه من مشاعر بعمق الحقيقة التي يراها، وحلاوة يجدها في روحه حتى يسعى بكل ما أوتي من جهد ووقت وإمكانات إلى تبليغ كلمة الله والدعوة إليه.

فهذا أبو بكر رضي الله عنه يبارك الله تعالى صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيدعو عثمان بن عفان وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، فكانوا هم السابقين الذين ذكروا الله تعالى في أنفسهم لذلك ذكرهم الله تعالى في حياتهم في الملإ الأعلى وذكرهم في كل من جاء من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، إنهم السابقون، ومن حقهم علينا أن ندعو الله لهم في ورد الرابطة فإن لهم أجر عملهم وأجر من عمل بعملهم إلى يوم القيامة ولقد آثر الله تعالى على أيديهم دعوة الثلة الأولى من الجماعة المباركة التي حملت النور إلى العالم فأسلم على أيديهم أبو عبيدة بن الجراح، وأبو سلمة والأرقم بن أبي الأرقم، وعثمان بن مظعون وأخواه قدامة وعبد الله وسعيد بن زيد وغيرهم ومن النساء فاطمة بنت الخطاب، وأسماء بنت أبي بكر وعائشة بنت أبي بكر.

6- لائحة المراجع:

1- السيرة ابن هشام.

2- حياة الصحابة، الكاندهلوي.

3- في ظلال القرآن، سيد قطب.

الهوامش:

1. السيرة النبوية لابن هشام ج1/ ص 240.

2. نفسه. ص 245/1.

3. هما جبلان مطيفان بمكة، والاخشيب كل جبل خشن غليظ.

4. حياة الصحابة، الكاندهلوي، ج1 ص 45 .

5. في ظلال القرآن، سيد قطب، ج 6 ص 3526.

6. نفسه، ج 6/ ص 3527.