1- “العدل والإحسان” دعوة بوابتها التربية ثم التربية:

لم يزل كثير من المهتمين بواقع الساحة السياسية المغربية عموما وكثير من المتتبعين لتطورات مسار الحركة الإسلامية على الخصوص مستسلمين في نظرتهم لجماعات الدعوة الإسلامية، وعرض مشاريعها، ووصف أفكارها، ونقدها، ومعالجة مختلف القضايا التي تثيرها، قلت لم يزالوا مستسلمين للتصورات والمفاهيم، وكذلك المعايير والأحكام المسبقة التي أفرزتها وفرضتها، وتفرضها، على الناس بيئة سياسية وإعلامية وفكرية وثقافية معادية للحركة الإسلامية. بيئة لا تني تتوسل بكل الوسائل من أجل إعاقة هذه الحركة عن السير في الناس، وتشويه صورتها والدس عليها بعيدا عن قواعد العدل والإنصاف وآداب الفضلاء العقلاء من أهل المروءة والحوار.

ويذكر في هذا السياق أن الأستاذ عبد السلام ياسين مرشد جماعة العدل والإحسان قد عرفه الناس / القراء منذ مطلع السبعينات، وكذلك الناس المهتمون بشؤون الدعوة والسياسة، كاتبا مكثرا في شؤون الدعوة والتربية، ومفكرا صاحب رأي واجتهاد في كثير من القضايا الفقهية والسياسية والاجتماعية، فضلا عن نظراته وتحليلاته التاريخية، ولقد تجاوزت كتبه المطبوعة إلى حد كتابة هذه السطور رقم الثلاثين. ومع ذلك، فإننا، مع الأسف الشديد، لا نجد ولو دراسة واحدة جادة تناولت فكر هذا الرجل واجتهاداته وأصول منهاج جماعته بالنقد المنصف والحوار الباني. وإن كان هناك من استثناء، فإنه لا يعدو كتابات معدودات تعد من قلتها في حكم العدم. أما الكثرة الكاثرة مما كتب عن الرجل، فإننا نصنفها، من غير تردد، في خانة الكتابات المبنية على أحكام مبيتة ونيات موطدة على التجريح والتنقيص، والمجادلة بالأباطيل والإشاعات والمغالطات.

ففيما يخص الدولة المخزنية، فإن الأستاذ عبد السلام ياسين لم يلق منها منذ أن ظهر بدعوته إلا الحصار والسجن والتضييق بكل أنواعه، بله متابعة أصحابه ومحاكمتهم بتهم مصنوعة وواهية. ونرى اليوم، في ظل ما يسمى العهد الجديد، هذا التضييق والقمع المخزني يشتد، وخاصة بعد المذكرة التي كتبها الأستاذ عبد السلام ياسين إلى من يهمه الأمر، عرض فيها بعض آرائه وانتقاداته واقتراحاته إزاء ما تعانيه البلاد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا(1).

أما غالبية الأحزاب السياسية، ولاسيما تلك التي تنعت نفسها بالوطنية والديمقراطية، فإنها تغالط نفسها وتعاند، ولا تريد أن تنظر إلى الرجل إلا على أنه منافس سياسي يهدد مصالحها ومواقعها السياسية، ويوشك أن يسلبها صفة الجماهيرية والشعبية التي طالما احتكرتها وناضلت باسمها. فالقوم إذن، بمنظار هذه العقلية السياسية المغربية الضيقة، للرجل حاسدون، بل لا يترددون في الطعن عليه في كثير من تقاليده، إلى أخلاق السوقة وتهريج السفهاء والجبناء. وقد أصبح أمر هؤلاء السياسيين “الوطنيين” “الديمقراطيين” مكشوفا بعد دخولهم في الحلف المخزني لمحاربة دعوة “العدل والإحسان” فيما سمي، وما يزال، تجربة “التناوب”.

أما الغلاة من الوهابيين، فلم يزل كيدهم على الرجل دائرا على عقيدته. فهو، في زعمهم وحكمهم القطعي النهائي الذي لا يناله طعن، طرقي مبتدع، ما يزال سالكا بجماعته سبيل الصوفية المعدودين عندهم في زمرة الكفار الضالين ابتداء من غير مناقشة وتمييز ولا تبين.

ومما تجب معرفته في هذه الصدد أن جماعة العدل والإحسان هي، في الجوهر والأساس، جماعة دعوة بوابتها الرئيسية التربية ثم التربية. ويعد كتاب الأستاذ عبد السلام ياسين “المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا” (1982)  طبع لحد الآن أربع طبعات- عمدة الفكر التنظيري الذي تعتمده الجماعة في مجالي التربية والتنظيم، فضلا عن رسائل تربوية أخرى للأستاذ ياسين في شكل كتيبات وأشرطة مسموعة ومرئية. أما شعار الجماعة وعنوانها الدائر حول العدل والإحسان، فقد خصه الأستاذ ياسين بكتابين مستقلين امتازا بطول فصولهما، وعمق تحليلاتهما، فضلا عما تضمناه من نظرات فقهية تجديدية إلى كثير من القضايا والإشكالات المطروحة اليوم على الأمة الإسلامية في شؤون الدعوة والدولة. الكتاب الأول بعنوان “الإحسان”، وهو في جزأين  صدر الجزء الأول سنة 1998 (523 صفحة)، والثاني سنة 1999 (530 صفحة)-، والكتاب الثاني عنوانه “العدل”، صدر في طبعته الأولى خارج المغرب سنة 2000، يشتمل على 705 صفحة.

لقد قام الأستاذ عبد السلام ياسين للدعوة مقترحا على الناس منهاجا تربويا تنظيميا جهاديا تتصل أصوله بالأمر والنهي الشعريين في كتاب الله وسنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ويتجلى هذا الاتصال في شعب الإيمان السبعة والسبعين التي هي قوام المنهاج النبوي اجتهد الأستاذ عبد السلام ياسين في تصنيفها وتوزيعها على عشر خصال هي على التوالي: الصحبة والجماعة  الذكر  الصدق  البذل  العلم  العمل  السمت  التؤدة  الاقتصاد  الجهاد.

وليست شعب الإيمان، كما هو مبين في كثير من مصنفات العلماء، إلا عقائد إيمانية وفرائض شرعية وصفات نفسية وخلقية وسلوكات وفضائل تدور في مجموعها وتفصيلها على أخص خصائص الإنسان بما هو عبد لله، صائر إلى الله، مدعو أن يرتفع بإيمانه وهمته وأعماله ومعاملاته ليكون من أهل الفوز والرشد في يوم المعاد. ثم إن سعي الآخرة لا يستقيم له معنى إلا بالسعي في الدنيا، مع الناس، وبين الناس، وفي الناس، إيمانا متجددا وعملا صالحا ودعوة منظمة قوية شفيقة رفيقة وجهادا متواصلا لتكون كلمة الله هي العليا.

وعلى ضوء هذه الأصول التربوية المنهاجية يمكننا أن نفهم خصائص تنظيم جماعة العدل والإحسان، من خلال أسرها الإيمانية ورباطاتها ومجالسها (2) التربوية وأنشطتها الدعوية الأخوية التعارفية، روح كل ذلك القرآن حفظا وتلاوة وتدبرا وتدارسا، وسنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، اقتداء وتمثلا وإحياء، فضلا عن العلم الأخلاقي السلوكي الرقائقي الذي أثلته لنا أجيال مباركة من صلحاء الأمة من أهل التربية والمعرفة الربانية.

2- ما محل السياسة في هذا المنهاج التربوي التنظيمي الجهادي؟

لقد تحدث الأستاذ عبد السلام ياسين في الخصلة العاشرة من المنهاج النبوي عن أبواب الجهاد، وعد منها الجهاد السياسي. وهذه الأبواب الجهادية حسب ترتيب الأستاذ، هي: جهاد النفس، جهاد المال، جهاد التعليم، جهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، جهاد الكلمة والحجة، جهاد التعبئة والبناء، الجهاد السياسي، جهاد التنفيذ، جهاد الكفر، جهاد النموذج الناجح، جهاد التوحيد. أما الشعب المندرجة في هذه الخصلة، فهي: الحج والعمرة، الجهاد في سبيل الله، التأسي برسول الله، صلى الله عليه وسلم، الخلافة والإمارة، المبايعة والطاعة، والدعوة إلى الله عز وجل.

ويدلنا على المكانة المتميزة التي يحتلها الاهتمام بالشأن العام السياسي في مشروع دعوة العدل والإحسان مصادقة “مجلس الشورى” (3) للجماعة في دورة استثنائية بمراكش سنة 1998 على مشروع قرار استحداث “الدائرة السياسية”. وتمتاز هذه الدائرة بأنها جزء من الجسم التنظيمي للجماعة يعنى بمختلف مجالات الشأن العام، له هيكلته التنظيمية المستقلة التي تشمل جميع الأقاليم والجهات، يمثلها، على المستوى القطري، أمانة عامة يرأسها الأستاذ عبد الواحد المتوكل الذي هو عضو بمجلس إرشاد الجماعة.

ويصعب فهم الجهاد السياسي، كما يعرضه منهاج جماعة العدل والإحسان بمعزل عن كليات تشكل عماد فكر الجماعة واجتهاداتها في مضمار التدافع السياسي.

فبإزاء الأصل التربوي الذي تعده الجماعة الأساس لبناء العامل الذاتي وبلورة شروط وعي إسلامي عام، تضع الجماعة أسبقية التربية على الفكر في الاعتبار. فالتنظيم جسم روحه التربية، وكذلك الفكر فضول وتجريد حالم إن لم تعضده مرجعية إيمانية مدارها على الهم الإنساني الفردي، هم الآخرة والمصير إلى الله.

بهذا المعيار الإيماني يقاس العمل السياسي في منهاج جماعة العدل والإحسان، وعلى ضوئه أيضا يمكن فهم مواقف الجماعة وآرائها ومنشوراتها وسلوك أفرادها في هذا الميدان.

ويعد التصور والفهم الذي تقترحه جماعة العدل والإحسان في شأن العلاقة بين الدعوة والدولة، تاريخا وحاضرا ومستقبلا، مفتاحا لكثير من القضايا المرتبطة بشؤون الفكر والسياسة والتاريخ. بل إن هذا التصور يساعد كثيرا في قراءة كثير من تراث الجماعة بدءا من رسالة “الإسلام أو الطوفان” التي ظهرت سنة 1974، إلى “مذكرة إلى من يهمه الأمر” التي نشرت في شهر فبراير سنة 2000، إلى كتاب “رجال القومة والإصلاح”  طبع في ماي 2001- وهو آخر ما طبع من كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين لحد الآن (4).

ومما يجب ذكره في هذا السياق أنه قد صدر للأستاذ عبد السلام ياسين منذ سنة 1994 إلى اليوم مجموعة من الكتب، منها كتاب “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين” سنة 1994، وكتاب “الشورى والديمقراطية” سنة 1996، وكتاب “حوار الماضي والمستقبل” سنة 1997، وكتاب Islamiser la modernité سنة 1998، وكتاب “العدل” سنة 2000. وقد وصف الأستاذ ياسين، في بعض كلامه، بعض هذه الكتب بأنه بمثابة منهاج الجماعة السياسي. وهي كتب غنية بالموضوعات السياسية التي تعرض على القارئ، في صورة حوارات ومناقشات وانتقادات وتحليلات، كثيرا من القضايا التي لا تني تشكل الأساس لجل الخلافات الواقعة بين رجال الحركة الإسلامية وخصومها وأعدائها في معظم البلاد الإسلامية، مثل قضية حقوق الإنسان وحقوق المرأة، وقضية اللائكية والعقلانية، والعلاقة بين الدين والسياسة، وقضية حقيقة الأسس التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي، هل هي رابطة ميثاق جماعة المسلمين، أم هي المصالح والحقوق والمجتمع المدني كما تقدمها الفلسفة اللائكية الغربية العالمية؟ ومن هذه القضايا أيضا قضية الديمقراطية والشورى، وقضية التعددية السياسية والانتخابات، وقضايا أخرى فرعية ذات طابع فكري أو فقهي أو سياسي أو تاريخي.

والملاحظة الأساس على هذه الحوارات والمناقشات التي تثيرها هذه الكتب أنها جميعا تجري على الأصل الدعوي لا تنفصل عنه. فمهما قيل عن مضامينها السياسية وأسلوبها الحواري وصياغتها اللغوية، فهي كتب دعوة أولا وأخيرا. فالغيب والجنة والنار والشيطان وغيرها من اصطلاحات الإسلام والإيمان والقرآن لا تنفك تلابس الخطاب السياسي في مختلف الدروب والشعاب التي يرتادها.

ويعد كتاب “تنوير المؤمنات” الذي طبع في جزأين (طبعة المغرب 1996م) منهاجا لما ينبغي أن يكون عليه عمل المؤمنات داخل جماعة العدل والإحسان، وهو كذلك خطاب للمرأة المومنة عموما، داخل المغرب وخارجه (طبع الكتاب طبعة ثانية بمصر). وهذا لا يعني أن المومن الرجل غير معني بهذا الكتاب، لأن أمر المرأة لم يكن، في يوم من الأيام، منفصلا عن أمر الرجل. هذا في شؤون المعاملات والأسرة والمجتمع والسياسة، فبالأحرى شؤون الدعوة والتربية والجهاد من أجل تحقيق موعود الله في الدنيا والفوز بما أعده الله للمومنين والمومنات في الدار الآخرة.

وتكفي قراءة عناوين فصول الكتاب العشرة لمعرفة سعة المجالات التي عالجها الكتاب، وكذلك تعدد القضايا وحساسيتها وأهميتها على المستويات الفقهية والاجتهادية والسياسية: قضية المرأة المسلمة والتغيير الشامل  المومنات في عالم موار  المرأة والبحث عن السعادة  الإيمان بالله واليوم الآخر  استكمال الإيمان  المومنات وطلب الكمال القلبي والعلمي  المومنة في بيتها وحجابها  المومنة زوجا وأما  الأمهات المومنات صانعات المستقبل  حظ المومنات من الجهاد تعبئة أمة.

3- ما هو واقع الجماعة اليوم؟

يقدر بعض المهتمين بشؤون السياسة والحركة الإسلامية في المغرب أن جماعة العدل والإحسان تعد أكبر الجماعات الإسلامية السياسية في المغرب من حيث عدد أعضائها وقوة تنظيمها وسعة انتشارها، فضلا عن غزارة فكر مرشدها ومنظرها الأستاذ عبد السلام ياسين ونوعية كتاباته.

ومع ذلك، فالجماعة اليوم ممنوعة أن تسير في الناس بمنهاجها بمقتضى ما تضمنه قوانين الحريات العامة للمواطنين من حرية الرأي والتعبير والتجمع. فبناء على الحظر اللاقانوني المسلط على الجماعة، فليس لها أن تعبر عن رأيها واجتهاداتها ومشروعها بواسطة منبر صحفي أو تنظيم جمعوي. وقد كذب الواقع شعارات التغيير والديمقراطية وحقوق الإنسان، وأكد أن دولة المخزن ما تزال هي هي لم تتغير منها إلا الأشكال والأصباغ، أما اللب فهو باق على طبيعته الراسخة في القمع والإقصاء والاستبداد، فقد حاولت الجماعة أن تختبر نوايا هذا العهد الذي تصفه الدعاية بأنه جديد، فبادرت إلى إصدار جريدة باسم “العدل والإحسان”. وقد تمت الإجراءات الإدارية والقانونية بدون مشاكل، ولما حان موعد طبع العدد الافتتاحي في غضون الأسبوع الأول من شهر ماي 2000 تدخل المخزن وبأساليبه البوليسية الإرهابية المعروفة ومنع عملية الطباعة. وقد التحقت بها أختها جريدة “رسالة الفتوة”، التي كانت قد سبقت إلى الظهور في الأكشاك منذ أكثر من سنة ونصف، فهي أيضا ممنوعة اليوم بتعليمات مخزنية تعسفية من الطبع والتوزيع.

وما تزال التقارير الصادرة عن الهيآت التي تعنى برصد حقوق الإنسان في المغرب تذكر مظلومية جماعة العدل والإحسان نموذجا على الخرق السافر الذي تتعرض له هذه الحقوق.

فالدولة تخرق قوانينها والقوانين المتعارف عليها في شأن حقوق الإنسان، ولا تزال تتمادى في ظلمها في التعامل مع دعوة “العدل والإحسان” مؤكدة بذلك أن حصار الجماعة كان وما يزال حصار دعوة ورأي واجتهاد، وحصار معارضة إسلامية قوية ومسؤولة وواضحة لسياسات المخزن الظالمة، وحصار تنظيم نشيط له امتداد واسع وعميق في المجتمع، وليس حصار رجل فرد تنتهي قصته ويطوى ملفه “بجلاء” البوليس عن باب بيته!

4- الجماعة فرضت إنهاء الحصار الأصغر، والسلطة المخزنية تصر على بقاء الحصار الأكبر

الحقيقة التي يغفل عنها معظم المتحدثين عن مسيرة “العدل والإحسان” الدعوية السياسية، من المتخصصين وغير المتخصصين، هي أن الحصار على الجماعة إنما كانت بدايته مع ظهور رسالة “الإسلام أو الطوفان” الشهيرة في سنة 1974، وهي رسالة مفتوحة كتبها الأستاذ عبد السلام ياسين إلى الملك الراحل الحسن الثاني دعاه فيها إلى منهاج الإسلام في الشورى والعدل وإقرار الحقوق ورد المظالم، وحذره مغبة الظلم والتمادي في الاستبداد والقمع وخنق الأنفاس باسم الإسلام، وعرض عليه نموذج عمر بن عبد العزيز للتأسي به والنسج على روح منواله، طبعا مع اعتبار متغيرات الزمان والمكان.

وعلى ضوء هذه الحقيقة نفهم أن مرابطة البوليس بباب بيت الأستاذ عبد السلام ياسين بسلا لأكثر من عشر سنوات (من دجنبر 1989 إلى ماي 2000) لم تكن إلا مظهرا لحصار أكبر وأشمل فرضه النظام المخزني على دعوة العدل والإحسان منذ بيانها الأول: الإسلام أو الطوفان.

وقد كان هدف السلطة المخزنية منذ ذلك التاريخ، وما يزال، هو استئصال هذه الدعوة لأنها  منذ كانت- دعوة قائمة في جوهرها على تجديد الدين الذي من مبادئه إخلاص العبودية لله تعالى والكفر بالطاغوت أي طاغوت، وإقامة أركان الإسلام بعيدا من الطقوس الجبرية التي كرستها في مجتمعات المسلمين، قرون الحكم العضوض. ولعل من أبشع العقائد التي تميزت بها هذه الطقوس الجبرية عقيدة تقديس الحكام وإضفاء  تبعا لذلك- صفات العصمة والقداسة على أقوالهم وقراراتهم وسياساتهم، بل وتحويل أخطائهم وانحرافاتهم ومنكراتهم إلى أعمال تتبوأ قمة الصلاح ووصفها بأنها إنجازات بطولية تستحق التنويه والخلود.

ولقد ذاقت الجماعة، قيادة وأعضاء، من جراء مواقفها القوية الواضحة المبنية على رفض كل أشكال المساومة والركون للظالمين، ذاقت، طيلة عقدي الثمانينات والتسعينات خاصة، من كل أنواع البطش والقمع والإرهاب والتنكيل التي برع المخزن في إعدادها لمعارضيه من أصحاب الرأي الحر والمواقف الرافضة للظلم والاستبداد: اختطافات واستنطاقات وتعذيب وتلفيق للتهم وتزوير للمحاضر ومحاكمات صورية وأحكام بالسجن ظالمة قاسية وإرهاب واستفزاز ومنع .. إلى آخر أنواع الظلم التي واجه بها المخزن معارضيه والتي أسفرت عن جراحات غائرة ما تزال تنزف رغم شعارات التوافق والتصالح وبناء دولة الحق والقانون التي تملأ سماء العهد الجديد!

أما الحكومات المتعاقبة، في كلا العهدين القديم والجديد، فلم تكن تملك في أمر الحصار شيئا، بل لم تكن تملك شيئا في أمر ملفات حقوق الإنسان عموما، وهذا ما صرح به بكل وضوح الوزير المكلف بحقوق الإنسان في حكومة السيد اليوسفي للقناة الثانية في البرنامج الفرنكفوني (Pour tout vous dire) في مساء يوم الجمعة 19/05/2000.

أما حكاية جلاء البوليس الذي رابط ببيت الأستاذ عبد السلام ياسين لأكثر من عشر سنوات فلم تكن بقرار حكومي، بل حتى التعليمات التي صدرت في هذا الشأن لم يكن لأصحابها فيها اختيار، لأن الجماعة جعلتهم أمام أمر واقع لم يكن لهم أمامه إلا الأمر بإجلاء البوليس وإعلان نهاية الحصار، وإن كان إعلانهم هذا قد تم بطريقة لا تخلو من صلف المخزن وتكبره وعناده وإصراره على الخطإ، فضلا عن التغطية الإعلامية الرسمية التي واكبت الحدث والتي اجتهد مهندسوها أن يقدموا الحدث للناس على أنه حدث عادي لا تعلق له بميزة ينفرد بها.

ففي جلسة يوم الأربعاء 10/05/2000 المخصصة للأسئلة الشفوية بمجلس النواب، صرح وزير الداخلية، على نهج سلفه إدريس البصري في الكذب والمغالطة والمراوغة والاستخفاف بالرأي العام، بأن الأستاذ عبد السلام ياسين ليس محاصرا وأنه حر يفعل ما يشاء كسائر المواطنين وإن كان يزعم أنه قد وقع عليه ظلم فليلجأ إلى القضاء.

وزير مسؤول في حكومة ترفع شعارات التغيير والديمقراطية والشفافية وحقوق الإنسان يصرح أمام مجلس النواب بهذا الكلام، والدنيا كلها تعلم أن البوليس، في وقت انعقاد هذه الجلسة البرلمانية، كان ما يزال مرابطا حيث كان منذ أكثر من عشر سنوات. فما معنى هذه التصريحات الكاذبة؟

اغتنمت جماعة العدل والإحسان مناسبة هذا التصريح من وزير مسؤول أمام مجلس النواب فأصدر الأستاذ عبد السلام ياسين يوم الإثنين 15/05/2000 بلاغا أعلن فيه أنه سيخرج للصلاة يوم الجمعة التالي، وأن بيته سيكون مفتوحا لمن أراد أن يزوره ابتداء من الثالثة زوالا من نفس يوم الجمعة.

وأمام الأمر الواقع الذي فرضه بلاغ الأستاذ عبد السلام ياسين، جاءت التعليمات “سريعة ومضطرة” يوم الثلاثاء 16/05/2000 بإجلاء البوليس من أمام بيت الأستاذ ياسين. وقد عاين تنفيذ هذه التعليمات “المستعجلة” صحافيون من جريدة “الصحيفة”(5).

تعليمات لإجلاء البوليس وليس لإنهاء الحصار، لأن الحصار  كما جاء على لسان الأستاذ عبد السلام ياسين نفسه(6)، وكما يصرح المسؤولون في قيادة الجماعة- كان، وما يزال، حصار دعوة وحركة وجماعة اسمها “العدل والإحسان”، وليس حصار رجل فرد اسمه عبد السلام ياسين، على أهمية هذا الشخص الفرد وما بات يتمتع به من أهمية.

نعم، يستطيع الأستاذ عبد السلام ياسين اليوم أن يخرج من بيته، لكن هل سيكون بالفعل، حرا في تحركاته؟ في كتاباته؟ في اجتماعاته؟ في خطبه؟ في غير ذلك من أنشطته؟ (7).

هل لجماعة “العدل والإحسان” الحق في إصدار منبر إعلامي تعبر فيه عن آرائها وتصوراتها واختياراتها التربوية والفكرية والسياسية، وتتواصل من خلاله مع سائر مكونات الساحة السياسية والفكرية والعلمية والإعلامية ببلادنا؟

هل سيسمح لجماعة “العدل والإحسان”، قيادة وأعضاء بالتمتع بجميع حقوقها من غير ضغط ولا مساومة، وهل سيرفع عنها الحظر المخزني اللاقانوني الذي يقيد أنشطتها ويضيق على أعضائها، ويتعامل معها على أنها قضية لا يناسبها إلا الأسلوب الأمني القمعي الإقصائي؟

هل سيفرج عن معتقليها السياسيين الإثني عشر؟ هل سيفرج عن جوازات سفر كثير من أعضائها؟

باختصار، هل للدولة نية حقيقية في إغلاق ملف “العدل والإحسان” إغلاقا عادلا ونهائيا؟

نترك الجواب القاطع على مثل هذه الأسئلة الجوهرية والحاسمة لمستقبل الأيام.

الهوامش:

* قيادي بجماعة العدل والإحسان.

(1) انتهى الأستاذ عبد السلام ياسين من تحرير هذه المذكرة يوم الأحد 05 شعبان 1420 الموافق لـ14 نونبر 1999، لكن الإعلان عنها لم يتم إلا يوم الجمعة 21 شوال (28 يناير 2000) بمدينة سلا، بمناسبة الاحتفال بالذكرى العاشرة للحصار. وقد كتبها الأستاذ عبد السلام ياسين باللغة الفرنسية لأسباب ذكرها في ختام المذكرة. ويمكن للقارئ المهتم أن يطلع على النص الأصلي لهذه المذكرة مع ترجمتها العربية والأنجليزية والإسبانية والألمانية وعلى نص رسالة “الإسلام أو الطوفان” ونصوص أخرى للأستاذ عبد السلام ياسين في الموقع الخاص به على شبكة الإنترنت www.yassine.net.

(2) من هذه المجالس الإيمانية التربوية العلمية في الجماعة ما يعرف بمجالس النصيحة، وهي مجالس تعقد بصورة دورية ومنتظمة، منها ما هو قطري ومنها ما هو محلي وجهوي. ويمتاز برنامج هذه المجالس بمواد تدور كلها حول القرآن وتدارسه، وذكر الله والصلاة على رسوله، صلى الله عليه وسلم، وقيام الليل والاستغفار بالأسحار، والموعظة الطيبة، والقراءة في سير الصحابة، وفي مأثورات أهل الذكر والتربية ممن تشهد لهم الأمة بالولاية والصلاح.

(3) “مجلس الشورى” هو من المؤسسات التنظيمية للجماعة التي ظلت مجهولة لدى عموم الرأي العام حتى قررت الجماعة الإعلان عنها بنشر البيان الصادر عن الدورة العاشرة لهذا المجلس بالبيضاء يومي السبت والأحد 24-25 يونيو 2000. وقد نشرت هذا البيان أو تحدثت عنه بعض الصحف الوطنية ووسائل الإعلام الأجنبية.

(4) انظر مثلا في موضوع تصور جماعة العدل والإحسان لعلاقة الدعوة بالدولة، ما كتبه الأستاذ عبد السلام ياسين في رسالته المفتوحة للملك الراحل الحسن الثاني “الإسلام أو الطوفان”، وما كتبه في العددين الرابع والخامس من مجلة “الجماعة” تحت عنوان: “العقل والنقل والإرادة أو أزمة منهاج”، وما كتبه بالفرنسية، في كتاب “Islamiser la modernité” (ترجم هذا الكتاب بعنوان “الإسلام و الحداثة”، مطبوعات الهلال بوجدة، ط1، مارس 2000، وما كتبه في الفصل الثاني من الباب الأول والفصل الثامن من الباب الثالث من كتاب “العدل”.

(5) انظر عدد “الصحيفة” الصادر في يوم الجمعة 19/05/2000. في هذا العدد أيضا استجواب مع وزير الداخلية في الموضوع.

(6) لقد أكد الأستاذ عبد السلام ياسين هذه الحقيقة مرة أخرى في أول لقاء له مع وسائل الإعلام الوطنية والأجنبية يوم السبت 20 ماي 2000، بعد جلاء البوليس عن باب بيته، حيث بين أن الحصار لم يفك وأن جماعة “العدل والإحسان” لا تزال محاصرة ومضطهدة في زنزاناتها وإن كان الرمز قد خرج إلى الشارع. (النص الكامل لهذا اللقاء الصحفي موجود في موقع الأستاذ ياسين المذكور أعلاه).

(7) في اللقاء الصحفي المشار إليه آنفا سأل مبعوث جريدة “لوموند” الأستاذ عبد السلام ياسين إن كان يشعر بأنه قد أصبح حرا بعد أكثر من عشر سنوات في الحصار، فأجابه الأستاذ ياسين بكل وضوح وبلا تردد بالنفي، لأنه لا يزال يحس بسهام التهديد والوعيد المخزني تلاحقه في كل مكان. وقد أبانت الممارسة الواقعية عن صدق جواب الأستاذ ياسين، حيث لم يزد المخزن على إبعاد أفراد البوليس من باب بيته بأمتار وزيادة أعدادهم وجعلهم في أعقابه يتتبعون خطواته أينما حل وارتحل، ويراقبون الشاذة والفاذة من تحركاته، ويحصون عليه أنفاسه في صورة مكشوفة يطبعها الوقاحة والعناد.