كثرت في السنوات الأخيرة المؤتمرات والمؤلفات والشعارات الداعية إلى مشاركة أوسع للمرأة في الحياة العامة وولوج المجالات السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، ومع ذلك لم تتبلور بعد رؤية واضحة في أذهان العامة حول الوظيفة التي يمكن للمرأة أن تقوم بها لتتم ما غفل عنه الرجل وتصلح ما أفسده بدل أن تكرر أعماله.

والواقع أن حضور المرأة في المجتمع يحتاج أولا وقبل كل شيء إلى تغيير النظرة السائدة لدى الرأي العام حولها وحول دورها وإمكانياتها وقدراتها حتى يقبل بمشاركتها في بناء المجتمع، مشاركة ليست هبة تمليها الشفقة بل تفرضها أحقية هذا النصف لركوب مسارات التنمية المجتمعية بمختلف مواقعها الحاسمة.

وإذا كان الفن بكل أجناسه وتلاوينه هو تعبير عن الحياة وتفاصيلها وتصوير النفس وخباياها والتأثير في المجتمع والتأثر به، فإننا سنتخذه في هذه المقالة معيارا للوقوف على وضعية المرأة وظيفتها، ونستشرف به أيضا ما تنطوي عليه نداءات تحرير المرأة  المغالطة منها على الخصوص- وما تعده للمرأة من اهتمامات.

إن إثارة مسألة الفن النسائي سواء كانت فيه المرأة مشاركة مبدعة أو كانت هي الموضوع المعالج، سيحرك العديد من الاعتقادات السارية عن الفن عموما، وعن المرأة الفنانة على وجه الخصوص، ذلك أن كل محاولة للانعتاق من سنوات الجمود الإبداعي تصطدم بحصارين:

1-حصار عنيف: يقوم على ممارسة العنف المعنوي مباشرة في حق أي إبداع أو مبدعة تروم تجاوز المقاربات التقليدية، وذلك بالتعرض لكل المحاولات وتصنيفها في صف التمرد، يشفع لهذا الحصار ما يمكن رصده من ظواهر مختلفة تظهر صفة الإبداع وتبطن أهدافا منحطة لتصوير المرأة ووظيفتها ومع ذلك تقبل المنتجة قبل المنتج عرضها، وتقبل الفنانة قبل الفنان تصويرها، وتقبل المتلقية قبل المتلقي استهلاكها.

2-حصار خبيث: وهو أكثر فتكا بالإبداع النسائي السامي، إذ يلغي احتفاظ المرأة بآدميتها ويختزلها في جسد يتفنن في توظيفه بأشكال شتى بعيدا عن عقل المرأة ورأي المرأة وشخصية المرأة، ويبرر مواقفه هذا بالإقبال المتزايد على موضوعاته والاستهلاك الهائل لإنتاجاته. والحقيقة أنه تمكن في السنوات الخالية من تكوين ذوق معين لدى جمهور غير قليل حيث ساهم في ذلك موجة التفسيق والإفساد التي رافقته، وكان هو جزءا منها ونتيجة من نتائجها.

وبين الحصارين تقبع الحقيقة منتظرة انبلاج خيط من نور تتشبث به وتعلن نفسها عوضا عن أشكال الهدم وتزوير الحقيقة؛ حقيقة المرأة ذات الأبعاد المترامية في الزمان والمكان، مربية المجتمع ومحور تقدمه أو تخلفه، يحتاج الأمر إلى جهد ووقت لإيقاف المقاربات التي تنقلها الأشكال الفنية إلى المتلقي، مقاربات يمكن إجمالها في كلمة الاستغلال، ويمكن أن نلمس ذلك في التجليات التالية:

1- أجساد عارية وحركات غرائبية وألوان زاهية…ثالوث يحدد المعالم الكبرى لمعظم أفلام الفيديو كليب، ثالوث يضع الخطوط العامة لمنهج أو مقاربة تلخص المرأة في جسدها:

الكلمات: خيانة وهجران تكون المرأة سببا فيها.

الإيقاع: ترقيص المستمع على غرار المرأة الراقصة.

المشهد: أجساد نسائية شبه عارية وحركات لإثارة الغريزة.

وبذلك تكتمل الصورة عند المتلقي: المرأة اللعوب الخائنة الراقصة الصالحة لإثارة الغرائز الجنسية، كيف يمكنها أن تشارك في الحياة العامة وتساهم في بناء المجتمع؟

تقول المخرجة نادية حمزة: “ما نراه في الأغلبية الساحقة لأغاني الفيديو كليب نوع من ابتذال المرأة وتكريس لهذا الابتذال لدى المستمعين والمشاهدين والتحايل على أذواقهم”.

2- يقول د. حسن عطية: “رسم الرجل المسرحي صورة المرأة تتراوح بين نمطين أساسين هما: نمط المرأة الشيطانية ونمط المرأة القديسة ولم يمنحها وجودا واقعيا بقدر ما قدم تصورا مثاليا عنها مقرونا بالتدني !”.

وإذا كان ممكنا أن نجد للرجل مبرراته في صياغة الوجود النسائي في الفضاء الدرامي، سواء منه المسرحي أو التلفزي أو السنمائي، فإن المعضلة الأكثر إثارة تكمن في الإبداع النسائي نفسه حيث تغيب الفاعلية المجتمعية للمرأة في الدراما التي تكتبها المرأة نفسها، والتي لم تستطع أن تطرق عوالم غفلها الرجل، فلا نجد إلا شخصيات نسائية أسيرات إحباطهن الذاتي يعانين الأوجاع ويبكين فقدهن الرجل في حياتهن، مظلومات مهزومات وهو ما يضفي روح الإحباط على العمل الفني ككل، ويعطي للمتلقي انطباعا أن الحدث مجرد تحصيل حاصل وأن لا أمل في التغيير. يلخص هذا قول د.حسن عطية: “غالبا ما يدور الحدث الدرامي، في الأعمال النسائية، حول إخفاق ” المرأة ” في تحقيق التواصل مع العالم المحيط بها”.

وحتى لا نسقط في خطأ التعميم، لا ننفي وجود أعمال فنية إبداعية نسائية أعطت للمرأة محتوى دلاليا متميزا، وعالجت قضية القضايا، قضية تحرير المرأة من عبودية غير الله، تحرير المرأة من الأحكام المحاطة بها واعتبارها جزءا من المجتمع، وتحريرها يعني تحريره، مقاربة تدعو المرأة إلى نقل وجودها الذاتي من الجهل إلى المعرفة، ومن الخمول إلى الحركة، ومن السلبية إلى المشاركة .