جميل أن يرى المرء في بلد كالمغرب هذه الموجة الحقوقية التي أصبحت تنمو شيئا فشيئا، وتلك الشعارات البراقة تغزو فضاءنا رويدا رويدا، تدعو إلى المصالحة مع الماضي الأسود وإنصاف ضحاياه، فكان المولود هيأة “إنصاف ومصالحة”، لكن بعيدا عن تلك المزايدات الإعلامية والمظاهر المزيفة، ما هي حقيقة هذا المولود ودواعي إنشائه؟ وما العمل الذي أنيط به والمقاربة التي اعتمدها في ذلك؟ ثم هل من بديل جدي عن ذلك كله؟

1- حقيقة هيأة “الإنصاف والمصالحة” ودواعي إنشائها:

قد يبدو المرء، وهو يكشف حقيقة هذه الشعارات التي سلبت الناس عقولهم وسحرت أعينهم، وكأنه يحلق خارج السرب أو يسبح ضد التيار، من الذين يغرمون بالمعارضة من أجل المعارضة، من باب “خالف تعرف”، أو من عشاق النظارات السود التي تحجب نور الحقيقة الأبلج وشمس الواقع الساطعة. لكن المسؤولية، أمام الله وأمام الناس، تقتضي الشهادة بالحق وعدم مجاراة الناس نفاقا ورِقة دين . والحق، الذي يجانب بهتان المخزن وبهرجته وتواطؤ المتنعمين في آلائه، اقتضته تناقضات جمة وحقائق بالجملة كشفت عن سوء نية وغياب إرادة للتغيير والإصلاح والتصالح.

مساحيق “العهد الجديد”:

نظام مخزني واحد بعهدين: قديم وجديد. هذه هي الحقيقة الساطعة التي يريد المخزن وحلفاؤه تفنيدها والتمويه على الناس بأن العهد الحالي يختلف عن سلفه اختلافا نوعيا، فتجند وجند معه من له المصلحة في ذلك لإضفاء بعض التغيير وإبراز معالم العهد الجديد، لكن اكتفى بالشكل والبهرجة الإعلامية وأغفل اللب وأهمله، طوعا أو كرها. فرموز العهد القديم لا زالوا على مسرح العهد الجديد فاعلين نشطاء ومؤثرين، وعقلية العهد القديم لا زالت مهيمنة على هذا العهد. قد تكون النية بدءا صادقة في التغيير، لكنها وحدها ليست كافية في إحداثه وإنجازه إذا لم يصحبها الحزم والعزم والدوام عليهما. فكانت النتيجة استمرار المخزن وسدنته في الحكم وتدبير الشأن العام.

وإنشاء هيأة “الإنصاف والمصالحة”، شأنها في ذلك شأن كثير من الهيآت المستحدثة في بداية هذا العهد، إنما هو مسحوق من مساحيق التجميل التي أراد المخزن أن يزين بها وجهه ويُمد بها في عمره ويبعث في نفوس الناس شيئا من الأمل والثقة والاستمرار.

امتصاص الغضب:

ويقينا منه بالمدى الذي بلغه الظلم والاستبداد في البلد والحرمان الذي ابتلي به هذا الشعب المفقر المقهور واكتوى بلظاه، سارع المخزن، كعادته القديمة كلما اقتربت ساعة الانفجار، إلى نزع فتيل القنبلة الموقوتة، وامتصاص الغضب والتنفيس عن الناس ولو بوعود كاذبة وشعارات مزيفة، اتقاء للسكتة التي طالما تحدث عنها الحسن الثاني في آخر حياته وحذر منها.

فهيأة “الإنصاف والمصالحة” بما تحمله من مسكنات وجرعات مهدئة تعتبر خير وسيلة لهذا الهدف، حيث أتيحت لبعض الضحايا فرص التنفيس عن مكبوتاتهم وحكاية رواياتهم وشهاداتهم المشروطة عن تجاربهم ومحنهم، بعد أن منحت لهم منح تعوضهم عن آلام الماضي وجراحاته. وأنى لتلك المنح، التي مهما علا قدرها، أن تعوض المكلوم والمفجوع أو تنسيه مرارة التعذيب وقساوته . ولتكن منحا تكريمية عن تضحياتهم وجلادتهم وصبرهم، بدل أن تسمى تعويضات.

والغريب أن تلك المنح تصرف من ميزانية الدولة وأموال الشعب وحدها دون أن تشمل أموال الجلادين. فيكون الشعب قد فجع مرتين: الأولى في أبنائه والثانية في أمواله. فأين هي أموال الجلادين المكتسبة بطرق غير مشروعة والمكدسة في بنوك الغرب؟ فمن العدل أن يحاسَب هؤلاء وتفرض عليهم غرامات تمنح للضحايا وأهاليهم.

الإكراهات الدولية:

هيأة “الإنصاف والمصالحة” نتاج حقوقي مخزني ـ كسائر نتاجاته ـ يخضع لمنطق الضغط والإكراه في مقابل امتيازات ومنح وقروض يقدمها الغرب، حكومة ومنظمات . والرغبة في الظهور بمظهر البلد المتفتح الديمقراطي الحداثي الذي طوى عنه مآسي الماضي إلى غير رجعة والمتطلع إلى مستقبل تسوده الحريات العامة ويتمتع فيها الكل بحقوقه الإنسانية، ظلت هاجسا لا يكاد يفارق هذا المخزن، ينام ويصحو عليه، ولو أنه بذل عشر معشار تلك الجهود التي يبددها في المحاولات الفاشلة لتلميع الصورة وتزيين الواجهة لكان الحال غير الحال والوضع غير الوضع.

الإكراهات الداخلية:

هذا الاعتبار لا يحظى في حسابات المخزن إلا بهامش ضيق لأن الضغوط الداخلية، سواء من قبل الأحزاب والهيآت السياسية أو المنظمات الحقوقية، إن لم يقترن بضغوط خارجية وازنة لا ترقى إلى مستوى يجعل منها محط تهديد وإزعاج، فهي لا تشكل في الحقيقة سوى مناوشات وصيحات في واد لا صدى لها في أذن المسؤولين. ومن ثمة فإن هيأة “الإنصاف والمصالحة” دعت إلى إنشائها ضغوط الحركة الحقوقية المتنامية في السنوات الأخيرة، وشكلت الحركة الإسلامية المتصاعدة حافزا قويا لتسريع وتيرة الترميم وإدماج، من ليس من مصلحتهم ذلك الوجود الإسلامي القوي، في هذه العملية . فكان ما كان وأمضى المخزن إرادته ومرر مشاريعه في خضم تناقضات الداخل وصراعاته.

2-عمل الهيأة ومقاربتها المعتمدة:

لم يقتصر الخلل الذي يعتري هيأة “الإنصاف والمصالحة” على ظروف النشأة وحقيقتها، وإنما شمل أيضا تلك المقاربة التي أراد المخزن أن تؤطر عملها وتحكم سيرها، فكانت مقاربة قاصرة عن إدراك الإنصاف الحقيقي والمصالحة الشاملة وإقصائية لفئات عريضة وقضايا مهمة أُسقِطت عمدا من حساب الهيأة واهتمامها.

المقاربة المعتمدة قاصرة:

قاصرة لحصرها الانتهاكات الجسيمة في نوعين اثنين هما الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي . فمع أهمية هذين النوعين إلا أنهما بعيدان كل البعد عن استيعاب كل ما وقع في العقود الماضية.

المقاربة تحكمت فيها النظرة التجزيئية والفردية التي تنم عن قصور في الرؤية ومصلحة شخصية فردية تتعامل مع كل حالة على حدة، وعن ذكاء ودهاء من طرف النظام لحصر أخطاء الماضي في حالات معزولة ـ رغم كثرتها ـ وتحميل المسؤولية لأشخاص معينين وتبرئة النظام، وتجنب الحديث عما تعرض له شعب بأكمله زهاء عقود من الزمن، أفرادا وجماعات ومجتمعا.

المقاربة الشاملة جوهرها ولبها إنصاف الشعب قاطبة من جراء ما اقترفته يد النظام المخزني، أجهزة سرية وعلنية، سياسة وتدبيرا، في حقه وحق أفراده وجماعاته، أمنيا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا.

الاستبداد في فرض دستور ممنوح لم يشرك في إعداده الشعب وهيآته وممثليه الحقيقيين قاطبة عبر مناقشات موسعة وعقد مواثيق وعهود على الالتزام به، إنما هو أكبر انتهاك في حق الأمة وأبنائها. إرادة الأمة سجنت تعسفا لعقود من الزمن، وطاقاتها وأطرها وممثليها: علماء ومفكرين ورجال سياسة، اختفوا قسرا ردها من الزمن. فلا مجال للمقارنة بين اعتقال واعتقال، ولا بين اختفاء واختفاء، إلا من باب مقارنة الجزء بالكل.

هذا هو الأصل الذي يجب أن يولى اهتمام الناس وتتولى الهيأة، أو غيرها مما له المؤهلات والصلاحيات اللازمة لذلك، التفكير فيه ومناقشته ومعالجته، صونا لكرامة الشعب وجبرا للضرر الذي لحق به . وما عدا ذلك إنما هي فروع نعيرها الاهتمام اللائق بها دون أن تحجب عنا الرؤية الثاقبة أو تصرفنا عن ذلك الأصل الأصيل.

والمقاربة قاصرة أيضا لأنها أغفلت الحديث عن النفي الذي طال شريحة واسعة من أبناء الشعب، والحصار الذي تعرض له علماء هذه الأمة ورجالاتها، وتعرضت له جماعات وتنظيمات لو أتيحت لها فرصة العمل بحرية لصرنا إلى أفضل ولأصبح حالنا غير الحال. وكذا الإبادة الجماعية التي تعرضت لها مناطق متعددة من هذا الوطن الحبيب، والتهميش والعقاب الجماعي الذي عاشته بعض الجهات المطالبة بحقوقها أو المحتجة على تردي أوضاعها. كما أغفلت الهيأة أيضا الحديث عن المحاكمات الصورية التي شهدتها هذه العقود، لانعدام النزاهة في القضاء وفقدانه الاستقلالية حتى صار أداة طيعة في يد المخزن يشهرها في وجه كل مغضوب عليه. فالكثير ممن تعرضوا لهذه المحاكمات، وإن لم يندرجوا ضمن حالات الاختفاء القسري أو الاعتقال التعسفي، لا يجوز إهمالهم أو التقليل من معاناتهم وإقصائهم من لوائح الهيأة، سواء صدرت ضدهم أحكام أو لم تصدر. فإن كانوا قد أخلوا لحال سبيلهم فلا يعني أنهم لم يهانوا أو لم ترتكب في حقهم جرائم، فقد مست كرامتهم وأرعب ذووهم وأهاليهم، وربما هُجروا من قبل المجتمع خوفا واتقاء لشرور المخزن. وأما من صدرت في حقه أحكام بالسجن فإن محنته قد تضاعفت، وإهماله قد يزيد من عذابه ويعمق جراحه.

قصور المقاربة المعتمدة يتجلى كذلك في استبعاد النظام، عمدا، لعنصر مهم من عناصر معالجة انتهاكات الماضي، والمتمثل في الكشف عن الحقيقة كاملة غير منقوصة . العلاج يبدأ، بعد الرغبة في الاستشفاء، بتشخيص الداء والكشف عنه، ومن ثمة وصف الدواء اللازم والمناسب، وإلا فإن العلاج المزعوم لن يكون إلا ضربا من الشعوذة والدجل الذي يذهب بعقول الناس ويستبد بها.

طي صفحة الماضي الأسود لا يفيدنا في شيء إن لم نتصفح سطورها وما بين سطورها . فلا بد من قراءة الصفحة قراءة متأنية لفك رموزها والاعتبار بأخطائها قصد تفادي تكرارها والوقوع فيها مجددا، وحينئذ لا يهم إن طوينا الصفحة أم تركناها مفتوحة، وإن كان تركها مفتوحة أفيد لنا ولأجيالنا القادمة كي تطلع عليها وتعتبر وتبقى كالذنب الشاخص بين عيني العاصي التائب كلما تذكره سارع إلى تجديد التوبة والاستغفار.

ومن عناصر الحقيقة المراد الكشف عنها معرفة أسماء الجلادين والمتورطين في تلك الجرائم . فليس بعد حرمان الضحية من ذكر أسماء جلاديها عذاب أشد ولا استهتار بمشاعرها أكبر. ثم لا بد من مساءلتهم عن ذلك والاستماع إلى اعترافاتهم على ملأ من الشعب. والمساءلة المطلوبة ليست سوى وسيلة للكشف عن الحقيقة وفك رموزها وخيوطها التي نسجت في ظلام الماضي، ولا ينبغي أن تحمل في ثناياها شعورا بالحقد أو رغبة في الانتقام أو حتى مساءلة قضائية، فلن نحصد من ذلك ـ كما خبرناه من تجارب أمم أخرى ـ سوى الفوضى والاضطراب. فهؤلاء الجلادون هم أنفسهم ضحايا الجهل بحقيقة الكرامة الإنسانية وحب التسلط، والأجدر بنا أن نشفق عليهم لأنهم قد خسروا إنسانيتهم فلا فرق بينهم وبين الوحوش الكاسرة.

ومن الشفقة عليهم أن يحال بينهم وبين السلطة، ومثلهم في ذلك مثل المدمن على الخمر أو المخدرات الخاضع للاستشفاء، حماية له من نفسه ونزواته، وحماية للمجتمع من إمكانية استمرار وتكرار تجارب الماضي. فالسفيه الذي لا يحسن تدبير أمواله يحجر عليه في شرعنا الحنيف مصداقا لقوله تعالى: “ولا توتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيما”. ولأن يحجر على السفيه الذي لا يحسن تدبير شؤون الأمة أولى وأجدر.

المقاربة المعتمدة إقصائية:

الهيأة اعتمدت مقاربة إقصائية لأنها حينما تقيدت بالنظر في حالات الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي قد أقصت الحالات الأخرى، ولما قبلت بالإطار الزمني لدراسة ملفات ما قبل 1999 قد أقصت كل الانتهاكات الجسيمة التي اقترفها “العهد الجديد” في حق الآلاف من الحالات زهاء خمس سنوات فندت فيها مزاعم تلك الشعارات البراقة التي أطلقها المخزن الجديد/القديم.

ولعل ما وقع بعد أحداث 16 ماي من اعتقالات بالآلاف في وقت قياسي وما رافقها من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وألوان التعذيب، التي أعادت إلى الأذهان ذكريات العقود الماضية، واستنكرتها كافة المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية، وفي مقدمتها اللجنة الأممية لمناهضة التعذيب، ــ لعل ذلك قد أثبت بالدليل القاطع أن حصر مهمة الهيأة في “العهد القديم” خطأ جسيم ينم عن عدم صدق إرادة المصالحة والإنصاف المزعومين.

ثم إن الخطوط الحمراء التي رسمت لها في تعاملها مع ملف الضحايا الصحراويين دليل آخر على تلك المقاربة الإقصائية التي تحكمت في عملها . فالتمييز بين ضحايا نفس العهد لا يفسره سوى تلك الحساسية المفرطة التي تحكم المخزن كلما تعلق الأمر بقضية الصحراء، سواء كان عملا حقوقيا أو سياسيا أو غيره…

وقد حاول رئيس الهيأة تبرير هذا الميز والإهمال بغياب معلومات ومعطيات دقيقة عن تلك المرحلة، وأن المنطقة بحكم شهودها لنزاع مسلح قد طبق عليها قانون “الضرورات العسكرية” بدل القانون الحقوقي . وكأن شهادات المئات من هؤلاء الضحايا لا ترقى لأن تكون مصدرا لتلك المعلومات والمعطيات الدقيقة والتي غابت عن علم الهيأة.

ولربما كان يجدر بمخزننا، ومن ينوب منابه، أن يتحلى بقليل من الذكاء والحكمة في التعامل مع مثل هذه القضايا الحساسة، ليس بإقصائها وتعميق جراحها، وإنما بامتصاص غضبها وإحقاق الحق وجبر الضرر. فهم إخواننا، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، إن لم تتسع لهم صدورنا ترحابا فإن صدور غيرنا لهم أوسع . والواقع خير شاهد على تزايد نزعات الانفصال التي ما كانت لتنمو لولا غباء من يحكموننا.

غياب إرادة حقيقية للتغيير والمصالحة:

لأن حقيقة المبادرات التي يقوم بها المخزن مما له علاقة بالديمقراطية الحقيقية وحقوق الإنسان ـ كما هو الشأن بالنسبة لهيأة “الإنصاف والمصالحة”ـ تشوبها شوائب النقص باعتبارها مساحيق للتزيين ووسائل للتنفيس وامتصاص الغضب الشعبي، وعادة ما تخضع لإكراهات خارجية وأخرى داخلية، فهي تفتقد للإرادة الحقيقية في التغيير والطي النهائي للانتهاكات الجسيمة التي تعرض لها الشعب وقواه الحية ولا يزال. لذا غالبا ما يكون المولود مشوه الخلقة هجين الصفة.

أنصاف الحلول التي يعتمدها هذا النظام لا تنم عن رغبة صادقة في معالجة أخطاء الماضي، فلا حديث إذن عن المصداقية ولا أمل في ثقة الناس والعالم أجمع.

فغياب المساءلة السياسية للجلادين واستمرارهم في التحكم في رقاب العباد وارتكابهم لمزيد من الجرائم في حق هذا الشعب، بل وتكريمهم بمزيد من الترقيات والمنح لهو دليل قاطع على أن النظام ـ وهؤلاء هم سدنته ـ الذي ارتكب كل تلك الجرائم لا زال مستمرا ولا يملك الشجاعة الكافية لينتصف من نفسه.

كما أن حصر الانتهاكات في مرحلة “العهد القديم” واستمرار تلك الخروقات إلى يومنا هذا دليل آخر على أن هذه الأنصاف حلول المقترحة ليست سوى ذر للرماد في العيون، وأن الحديث المباح إنما يتعلق بالأموات، الذين قد أفضوا إلى ما قدموا من أعمال، ولا ينبغي أن يتعداه إلى هؤلاء الأحياء من “العهد الجديد” الذين يتمتعون بالحصانة الكافية للإفلات من المحاسبة والمساءلة وتحمل المسؤولية عن الماضي والحاضر.

وغياب الإصلاحات الحقيقية، الدستورية والسياسية، دليل آخر على استمرار الأزمة وغياب الضمانات اللازمة لتحصين المجتمع من تلك الخروقات ومن ذلك الفساد، بل إن هذه الإصلاحات متى تحقق الشعب من جديتها أغنت عن كثير من القول، إذ أن أثر الأفعال في النفوس أبلغ وأشد.

3-البديل:

أثبتت الحجج الدامغة إذن أن الأقنعة، التي يتحصن وراءها حكامنا، لا تعكس صدق إرادتهم في تغيير الوضع وإصلاح الفساد الذي اقترفته أيديهم في الأيام الخالية، ولا تكشف عن شجاعة وجرأة في الاعتراف بأخطاء الماضي وإنفاذ مشروع متكامل لجبر الضرر وتضميد الجراح وانطلاق مسيرة المستقبل. وحيث قد عرت أنصاف الحلول التي يقترحونها عن مدى الحيرة والتردد اللذين يتخبطون فيهما فإن المصالحة المزعومة سراب ووهم؛ إذ هي مشروع متكامل لا بد له من انطلاقة سليمة على أسس متينة لا يتطرق إليها الشك أو التردد كيلا تقابل بالازدراء وقلة المبالاة.

التوبة الصادقة الشاملة:

مشروع مجتمعي بهذا الحجم الكبير تعتبر التوبة الصادقة فيه البداية السليمة المضمونة النتائج بعون الله. وأعني توبة نظام بكامله عن جرائم الماضي وأخطاء الحاضر. توبة مشروطة بشرط الصدق الذي يتجلى، من بين ما يتجلى، في عدم الخلط بين المفاهيم والمراوغة في استعمالها وتوظيفها توظيفا سيئا، وتسمية المسميات بأسمائها الحقيقية.

ومن صدق التوبة الإقرار بالذنب على مرأى ومسمع من الشعب، لأن لا توبة صادقة لمن لا يقر بذنبه، ثم إن الإعلان من شأنه أن يمهد النفوس لبداية المصالحة الحقيقية ويمتص شيئا من الغضب والحقد ضد الظالم ويستبدل به تسامح المتسامح وعفو الكريم.

ثم تأتي شروط التوبة الأخرى تباعا، كالإقلاع عن الذنب وعدم العودة إليه بالتخلي عن تلك الأساليب الفاسدة التي كان يسير بها دواليب الحكم ويدبر بها الشأن العام سواء في التشريع والقضاء والسياسة والاقتصاد، وتغيير رفقة السوء التي لازمته إبان اقتراف تلك الجرائم وبررتها له وزينتها في عينيه، من حاشية ومستشارين وخبراء ممن لم تصدق توبتهم ويعطوا برهان صدقهم فيها، وكذا كل من أوحى له بذلك وأملاه عليه من جهات أجنبية، ويستبدل بذلك كله صحبة الشعب وملازمة همومه وأحلامه وآماله فسيجد فيه الصديق الوفي والناصح الأمين والمستشار الثقة والمساند المطلق في السراء والضراء.

ومن تلك الشروط أيضا رد المظالم وإرجاع الحقوق إلى أصحابها أفرادا وجماعات وشعبا. فأما الأفراد والجماعات فحقوقهم تتعلق بذممهم إن أرادوا المطالبة بها واسترجاعها فلهم كامل الحق في ذلك، وإن آثروا العفو والصفح فإن ذلك موكول إلى شيمهم ومدى سمو نفوسهم. وأما الشعب فلا سبيل إلى إرضائه إلا بإرجاع حقوقه كاملة غير منقوصة، ولا أحد يملك حق التنازل عن حقوقه نيابة عنه.

وتتصدر تلك الحقوق وجوب صياغة دستور يعبر عن إرادته وآماله، يسلك في ذلك المسالك المتعارف عليه لدى الأمم الديمقراطية المتحضرة، وحقه في اختيار من يحكمه ويمثله وينوب عنه اختيارا كاملا خاليا من شوائب التزوير.

عندئذ فقط يمكن الحديث عن المصالحة الحقة والصادقة.

اذهبوا فأنتم الطلقاء:

إن هذا الشعب المسلم فطرة، مسامح فطرة أيضا، لا تملأ قلبه الضغائن والأحقاد، وما ينبغي له ذلك. فكلما استعاد حقوقه وحصن نفسه من استنساخ جرائم الماضي إلا وكان شعاره الخالد في تعامله مع الظالمين الذين ساموه سوء العذاب ثم تابوا حكمة “اذهبوا فأنتم الطلقاء”.

“اذهبوا فأنتم الطلقاء” حكمة نبوية خالدة شعار للعفو والصفح والتسامح الذي تتميز به هذه الأمة، وضمان على عدم الانزلاق في متاهات المحاسبات الجنائية ومسلسل الانتقامات النفسية المجانية التي لن تخدم سوى أعدائها الكثر المتربصين بها.

* وفي الختام:

لا بد من توبة شاملة يتوبها الأفراد إلى الله تعالى من جميع ذنوبهم التي أذنبوها، في خاصة أنفسهم مع ربهم ومع الناس، حتى يتوب الله علينا جميعا ونكون من السعداء دنيا وأخرى، استجابة لنداء الله تعالى: “وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون” . ثم لا يستقيم أن نأمر حكامنا بالتوبة ونطالبهم بها ونشدد عليهم في شروطها ويبقى الشعب ساديا في غفلته. فعلى الشعب أن يتوب توبة شاملة أيضا لأنها هي الضمان الأوحد على عدم تكرار أخطاء الماضي.

ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” كما تكونوا يُولّ عليكم” فإن جرائم حكامنا وظلمهم يعكس انحرافنا نحن الشعب وسكوتنا على ظلمهم وجبننا عن مواجهتهم والمطالبة بإحقاق الحق. فإننا بذلك نكون قد قدمنا له يد العون والمساعدة على ظلمه وجبروته. فعنه صلى الله عليه وسلم قال: “أنصر أخاك ظالما أو مظلوما، فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما فرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره؟ قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره”.

فلو أخذنا على أيدي الظلمة لما تمادوا في إذلالنا ولفكروا مليا قبل أن يقدموا على أفعالهم المشينة، ولحسبوا لهذا الشعب ألف حساب قبل أن يتجاهلوه.

فاللهم أصلح حال هذه الأمة واجمع شملها وقيض لها رجالا صادقين صالحين مصلحين يوثرون مصلحتها العامة على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.