1- نصوص مضيئة على أحداث الهجرة :

النص الأول : الهجرة إلى الحبشة :

“لما اشتد البلاء من قريش على المستضعفين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسطت بهم عشائرهم ولقوا منهم أذى شديدا، ثم إن رسول الله لما رأى ما يصيب أصحابه من البلاء وأنه لا يقدر على أن يحميهم ويمنعهم مما هم فيه، قال لهم : لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه، فخرج عند ذلك المسلمون إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرارا إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة في الإسلام” .

النص الثاني : الهجرة إلى المدينة

“كانت بيعة العقبة الثانية، بيعة حرب الأحمر والأسود مقابل الجنة، ولما صدر السبعون من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، طابت نفسه، فقد جعل الله له منعة، وقوما أهل حرب وعدة ونجدة، وجعل البلاء يشتد على المسلمين من المشركين، لما يعلمون من الخروج، فضيقوا على أصحابه، وتعبثوا بهم ونالوا ما لم يكونوا ينالون من الشتم والأذى، فشكا ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واستأذنوه في الهجرة فقال : لقد أخبرت بدار هجرتكم وهي يثرب، فمن أراد الخروج فليخرج إليها، فهاجر القوم أرسالا فنزلوا على الأنصار في دورهم فآووهم ونصروهم وآسوهم” .

النص الثالث : هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم :

“لما أذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج، انطلق إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فأمره أن يتخلف بعده بمكة ريثما يؤدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس، إذ لم يكن أحد من أهل مكة له شيء يخشى عليه إلا استودعه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يعلمون من صدقه وأمانته، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج معه أبو بكر… ولما كانت عتمة الليلة التي هاجر فيها النبي صلى الله عليه وسلم، اجتمع المشركون على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتربصون به ليقتلوه، لكنه خرج من بينهم وقد ألقى الله عليهم سنة من النوم بعد أن ترك عليا في مكانه نائما على فراشه وطمأنه أنه لن يصل إليه أي مكروه” . فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وواصل مسيرته حتى وصل إلى المدينة، وخرج المهاجرون والأنصار لاستقباله فرحين بقدومه.

2- الهجرة والمهاجرون :

جاء في اللسان في مادة “هـ، ج، ر” قوله : الهجر ضد الوصل، هجره يهجره هجرا وهجرانا، صرمه، وهما يهتجران ويتهاجران والاسم الهجرة& يقال : هجرت الشيء هجرا، إذا تركته وأغفلته، وهجر فلان الشرك هجرا وهجرانا، والهجرة والهجرة : الخروج من أرض إلى أرض” .وجاء في المفردات : الهجر والهجران مفارقة الإنسان غيره إما بالبدن أو باللسان أو بالقلب . والهجرة عند العرب خروج البدوي من باديته إلى المدن وكذلك كل مخل بمسكنه متنقل إلى قوم آخرين بسكناه فقد هاجر قومه.

ووردت مادة “هـ، ج، ر” في القرآن الكريم أكثر من عشرين مرة تمحورت حول المعاني التالية :

*هجرة الشرك بجميع أصنافه وألوانه، وكل المعتقدات الجاهلية المخالفة لمعتقدات الإسلام، يقول الله تعالى في سورة المدثر “والرجز فاهجر” “واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا” المزمل.

*هجران الشهوات والأخلاق والعادات الذميمة، وتركها ورفضها وكل المعاصي والذنوب “والرجز فاهجر” المدثر 5.

*الخروج من دار الكفر إلى دار الإيمان كمن هاجر من مكة إلى المدينة “ومن يخرج من بيته مهاجرا، ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله” النساء 100.

*الهجرة مزيد من البذل والتضحية والصدق في سبيل الله : “فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم” آل عمران 195.

*الهجرة مقام من مقامات الإيمان والإحسان والولاية : “للفقراء والمهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا، وينصرون الله ورسوله، أولئك هم الصادقون” الحشر 41 “الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله” التوبة /20 “والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا” الأنفال 73/.

وذكرت الهجرة في أحاديث كثيرة منها “لا هجرة بعد ثلاث” يقصد به الهجر ضد الوصل، يعني فيما يكون من المسلمين من عتب وموجدة أو تقصير يقع في حقوق العشرة والصحبة دون ما كان في ذلك من الدين.

وفي حديث آخر “ومن الناس من لا يذكر الله إلا مهاجرا” يريد هجران القلب وترك الإخلاص في الذكر، فكأن قلبه مهاجر للسانه غير مواصل له، ومنه حديث أبي الدرداء رضي الله عنه “لا يسمعون القرآن إلا هجرا” يريد الترك له والإعراض عنه. كما أن الهجرة مستمرة إلى قيام الساعة “لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة” وتأخذ الهجرة معنى الجهاد في الحديث التالي : “لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية”.

3- الدعوة وسنة الابتلاء :

لما نزل قوله تعالى : “فاصدع بما تومر” قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدع بالدعوة إلى الله تعالى، فاشتد أذى المشركين له ولمن استجاب لدعوته، وهذا الابتلاء سنة الله في الدعوات يقول الله عز وجل : “أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما ياتكم مثل الذين خلوا من قبلكم، مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله، ألا إن نصر الله قريب” .

فمن آمن امتحنه الله عز وجل وابتلاه، ليتبين الصادق من الكاذب فمن صدق وصبر كانت له العاقبة في الدنيا والآخرة، فلا يحصل التمكين إلا بعد الابتلاء، سئل الشافعي رحمة الله أيها أفضل للرجل : أن يمكن أم يبتلى ؟ قال : لا يمكن حتى يبتلى .

أ- الابتلاء بالحرب النفسية :

لقد عرف صلى الله عليه وسلم في أوساط الجاهلية بمحمد الأمين، وكانوا يحكمونه في خلافاتهم ويأتمنونه على ودائعهم، ولما أخبرهم أنه رسول من عند الله كذبوه واتهموه ونعتوه بأقبح النعوت وقالوا عنه ساحر كذاب “وقال الكافرون هذا ساحر كذاب” سورة “ص” آية 4، وقالوا مجنون وقالوا كاهن، كانوا يستهزؤون بأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ويلمزونهم ويطلقون عليهم أصنافا من الإشاعات.

بـ- الابتلاء بالاضطهاد والتعذيب:

بينما النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في الحجر بالكعبة إذ أقبل بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه فحذفه حذفا شديدا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفعه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : “أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله” رواه البخاري.

إن المشركين عدوا على من أسلم واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش برمضاء مكة إذا اشتد الحر، يفتنونهم عن دينهم، فمنهم من يفتن من شدة البلاء ومنهم من يصلب لهم ويعصمه الله منهم.”

ج ـ المقاطعة الاقتصادية والاجتماعية :

لما أخذ أمر الإسلام يفشو ويتعاظم في القبائل، اجتمعت قريش وائتمروا بينهم أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب على أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم ولا يبيعوهم شيئا ولا يبتاعوا منهم، فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة، ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدا على أنفسهم” .

د- الابتلاء بالإغراء والمساومة : ونجد هذا في النص الآتي :

“إنا قد بعثنا إليك لنكلمك، و إنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين وشتمت الآلهة، وسفهت الأحلام، وفرقت الجماعة، فما بقي أمر قبيح إلى قد جئته فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به الشرف فينا فنحن نسودك علينا، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه قد غلب إليك فربما كان ذلك، بذلنا لك أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه أو نعذر فيك. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما بي ما تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب مالا في أموالكم، ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا وأنزل علي كتابا وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا” وهذا الأمر قد تكرر مرات متعددة في صور مختلفة.

هـ- الابتلاء بالقتل والاغتيال :

قال الله عز وجل : “وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين” الأنفال 30.

لما رأى المشركون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد هاجروا إلى المدينة وتحصنوا بها خافوا من تعاظم أمر هذه الدعوة، فاجتمع الملأ من قريش وتشاوروا في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم واتفقوا على اغتياله وتفريق دمه بين القبائل من خلال أخذ من كل قبيلة فتى شابا جلدا ثم يعطى كل منهم سيفا صارما ثم يعمد إليه فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه كي لا يقدر بني عبد مناف على ضربهم جميعا” .

ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى غار ثور فدخلاه وضرب العنكبوت على بابه، ثم تابعا سيرهما إلى المدينة بعد أن قضيا به ثلاثة ليال حتى يئس المشركون من الظفر بهما، ففكروا في جعل دية لمن جاء بهما وسمع قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يكثر الالتفات وقال أبو بكر : هذا سراقة بن مالك قد رهقنا، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فساقت يدا فرسه في الأرض، فقال : قد علمت أن الذي أصابني بدمائكما فادعوا لي ولكما علي أن أرد الناس عنكما فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلق.

ولما وصلا المدينة وجدا النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار والمهاجرين ينتظرونه في شوق واستقبلوه بالتكبير والتهليل وزغاريد النسوة” .

كان أول عمل قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم، بناء مسجد قباء والمؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين.

4- خلاصة :

بهجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم تكون الدعوة الإسلامية انتقلت من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة التمكين وبناء الدولة الإسلامية على أكتاف الذين آمنوا من المهاجرين والأنصار.

هؤلاء المهاجرون قد تحملوا مختلف أصناف الأذى والابتلاء، بدءا بالتعذيب النفسي والجسدي والحصار الاقتصادي والاجتماعي، وانتهاء بترك الديار والأموال والأهل والأبناء في سبيل نصرة الدعوة والتمكين لها والإيمان بهذا الدين وتبليغه للناس.

وهذا لن يتأتى إلا بهجرة الوسط المفتون الذي ربى ذهنية رعوية يفعل بها ولا تفعل، وأنانية مستعلية وعادة موروثة تابعة.

إن للهجرة معاني متجددة، بدأ الإسلام غريبا وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه سيعود غريبا كما بدأ، وكما انتشر وانتصر في غربته الأولى فسينتشر وينتصر في غربته الثانية، بالمهاجرين والأنصار. فكل من آمن بدين الله ودعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وابتلي وأوذي في الله كما أوذي وابتلي السابقون من المهاجرين، وبذل ما بذلوا، نال شرف الهجرة ومقاماتها مهما كان زمانه ومكانه وسمي مهاجرا لقوله عز وجل : “والذين اتبعوهم بإحسان” فكل متبع لهم بإحسان فهو لاحق بهم ومنهم.

الهوامش:

1 فقه السيرة، محمد سعيد رمضان البوطي، ص 146-147.

2 طبقات ابن سعد ج1/ ص 211 تاريخ الطبري ج 1/ ص367.

3 فقه السيرة محمد سعيد رمضان البوطي ص 146-147.

4 لسان العرب، ابن منظور، ج 5 ص 250-251.

5 معجم مفردات القرآن الكريم، الراغب الأصفهاني

6 زاد المعاد، ابن القيم الجوزية. ج 3 ص 13.

7 المرجع نفسه ج I ص 317.

8 التابع من الجن.

9 سيرة ابن هشام ج 1 ص 301-302.

10 فقه السيرة، رمضان البوطي، ص 177-178.

11طبقات ابن سعد ج 1 ص 253.