إنما الصلاة خضوع مطلق لله عز وجل وتسبيح عميق له ، وهذا التسبيح يزداد توهجا وشدة عند تأمل الكون والنظر في اللوحات الجمالية فيه لاسيما قبل طلوع الشمس أو قبل الغروب ، أما المؤمن اليقظ فإن يعتبر التغير بين زمن وزمن كزمن الظهر مع العصر مثلا انقلابا كونيا وتغييرا مذهلا للوجود يقتضي خضوعا وصلاة وتسبيحا ، فإذا دخل وقت في وقت فذاك مظهر للقوة الإلهية المتصرفة في الكون التي تدهش العارف فيسرع إلى جناب الله معترفا له بالجلال والعظمة والتصريف فيركع خاضعا ذليلا وموقنا بعجزه تجاه ذاك التغير الكوني .

أما وقت الصبح فإنه يشبه ويذكّر ببداية الربيع وأوله، وبأوان سقوط الإنسان في رحم الأم، وباليوم الأول من الأيام الستة في خلق السماوات والأرض، وببدايات السالك & فينبّه هذا الوقت الإنسان إلى ما في تلك الأوقات من الشؤون الإلهية العظيمة.

ووقت الظهر كذلك فإنه ينبه الإنسان كذلك إلى منتصف الصيف، وإلى عنفوان الشباب، وإلى فترة خلق الإنسان في عمر الدنيا، ويذكّر ما في ذلك كله من تجليات الرحمة وفيوضات النعمة.

أما وقت العصر: فهو يشبه موسم الخريف، وزمن الشيخوخة، وعصر السعادة الذي هو عصر خاتم الرسل محمد عليه الصلاة والسلام، ويذكّر ما في ذلك كله من الشؤون الإلهية والآلاء الرحمانية.

أما وقت المغرب: فإنه يذكّر بغروب أغلب المخلوقات واُفولها نهاية الخريف، ويذكّر أيضاً بوفاة الإنسان، وبدمار الدنيا عند قيام الساعة، ومع ذلك فهو يعلّم التجليات الجلالية، ويوقظ الإنسان من نوم الغفلة وينبهه.

أما وقت العشاء: فيذكّر بغشيان عالم الظلام وستره آثار عالم النهار بكفنه الأسود، ويذكّر أيضا بتغطية الكفن الأبيض للشتاء وجه الأرض الميتة، وبالوفاة المطلقة حتى لآثار الإنسان المتوفى ودخولها تحت ستار النسيان ، وبانسداد أبواب دار امتحان الدنيا نهائياً، ويعلن في ذلك كله تصرفات جلالية للقهار ذي الجلال.

أما وقت الليل: فانه يذكّر بالشتاء، وبالقبر، وبعالم البرزخ، فضلاً عن أنه يذكّر روح الإنسان بمدى حاجتها إلى رحمة الرحمن.

أما التهجد في الليل: فانه يذكّر بـضرورته ضياء لليل القبر، ولظلمات عالم البرزخ، وينبّه ويذكّر بنعم غير متناهية للمنعم الحقيقي عبر هذه الانقلابات، ويعلن أيضا عن مدى أهلية المنعم الحقيقي للحمد والثناء.

أما الصباح الثاني: فانه يذكر بغد الخلافة الراشدة الثانية ، وبصباح الحشر. نعم ، كما أن مجيء الصبح لهذا الليل ، ومجيء الربيع لهذا الشتاء معقول وضروري وحتمي، فان مجيء انفراج الظلم والأزمات وقدوم صباح الحشر وربيع البرزخ هم بالقطعية والثبوت نفسيهما&

فكل وقت إذن ـ من هذه الأوقات الخمسة ـ بداية انقلاب عظيم، بل ويذكّر بانقلابات أخرى عظيمة، وبمعجزات للقدرة الصمدانية وهدايا الرحمة الإلهية سواء منها السنوية أو العصرية أو الدهرية، بإشارات تصرفاتها اليومية العظيمة.

فالصلاة المفروضة التي هي وظيفة الفطرة وأساس العبودية والدَّين المفروض، لائقة جداً ومناسبة جداً في أن تكون في هذه الأوقات حقاً. وهناك حكمة أخرى أشار إليها صاحب الحكم رضي الله عنه وهي أن فرضية الصلاة كانت في بعض الأوقات لا كل الأوقات رحمة بالعبد وتسهيلا لدرء الملل الذي يعتري الإنسان وليكون همُّ المرء إقامة الصلاة لا الصلاة ذاتها ، لأنه ليس كل مصل مقيم ، وقد علمت أن المقيم للشيء هو القائم به على وجه الكمال من غير نقص ولا إخلال ، قال سيدي أحمد ابن عطاء الله في الحكم :” لما علم الحق منك وجودَ الملل لَوَّن لك الطاعات ، وعَلِم ما فيك من وجود الشَّره فحجَّرها عليك في بعض الأوقات ؛ ليكون همك إقامة الصلاة لا وجود الصلاة ، فما كل مصل مقيم ”

وأما ما تقتضيه هذه الأوقات من وجوه الالتجاء إلى الله:

فنقول بأن استحضار وقت الفجر دافع للإنسان لكي يستشعر ضعفه وعجزه بتكالب المنغصات عليه التي تُوَرِّثه الحزن والألم وترادف الأعداء والحاقدين عليه ، ثم هو يفكر دائما في مصائبه وثقل تكاليف الحياة ومتطلباتها مما يجعله في أحوج الاستناد إلى الله رافع الكرب ومفرج الأزمات ، ولما كان الفجر فاتحة زمن الكون وبداية جري أوقات النهار ، فَعجْز العاجِز سيجعله مرتبطا بصفحات الكون جميعها المذكرة له بالقوة الإلهية والجمال الرباني ، ومن تم فروح الإنسان في هذه الحالة (في وقت الفجر) أحوج ما تكون إلى أن تَطرق ـ بالدعاء والصلاة ـ باب القدير ذي الجلال، وباب الرحيم ذي الجمال، عارضةً حالها أمامه، سائلة التوفيق والعون منه سبحانه، وما أشد افتقار تلك الروح إلى نقطة استناد كي تتحمل ما سيأتي أمامها من أعمال، وما ستحمل على كاهلها من وظائف في عالم النهار الذي يعقبه.

(وعند وقت الظهر) ترى الإنسان مثقلا بأعمال قضاها وأخرى منتظرة له ، وقد يصل الكاد أوج الكلل والعياء في تلك اللحظات ، وكذلك الكون إذ النهار وصل ذروة كماله وميلانه إلى الزوال ، مما يقتضي راحة نسبية للجسد ، بخلاف القلب والروح التي هي في حاجة لزاد وقوت يخفف عنها كلكل الهموم الدنيوية وأوهاقها وأثقال التكاليف الدنيوية ، وإذا لم يدرك المرء العلاقة القائمة بين قلبه وجسده فإنه سيُحطَّم ويهوي نحو العجز والاضطراب ، وذلك أن الزاد الروحي خير عون للإنسان لتخفيف الهموم ومرارة الأثقال ، فالذي اهتم بزاد قلبه ذكرا وتصفية بدت له الهموم سرابا فلا يكترث بها أبدا ، أما الذي كان ضامرا في قوت قلبه ، زاهدا في امتلاك عافية نفسه فإنه منكسر عند أول هم مصادفه أو مصيبة علقت به ، كذلك الجمل الذي أُهْمِل قوتُه، وطُلِب منه حمل الأثقال المرهقة فلن يحرك شيئا بل سيقصم ظهره ، ومن تم فإذا أهمل القلب وأزيحت مطالب الروح من الحسبان أصيب الإنسان بالعجز واستحكم فيه الإحساس بالشقاء.

فخلاصُ روح الإنسان من تلك المضايقات، وانسلالها من تلك الغفلة والحيرة، وخروجها من تلك الأمور التافهة الزائلة، لا يكون إلاّ بالالتجاء إلى باب القيوم الباقي ـ وهو المنعم الحقيقي ـ بالتضرع والتوسل أمامه مكتوف اليدين شاكراً حامداً لمحصّلة نِعَمه المتجمعة، مستعيناً به وحده، مع إظهار العجز أمام جلاله وعظمته بالركوع، وإعلان الذل والخضوع ـ بإعجاب وتعظيم وهيام بالسجود أمام كماله الذي لا يزول، وأمام جماله الذي لا يحول.. وهذا هو أداء صلاة الظهر، فما أجملها، وما ألذَّها، وما أجدرها، وما أعظم ضرورتها!.

(وعند وقت العصر) : عند رؤية اكتمال الأعمال يلحظ المسلم بعينيه نعم الله المتعاظمة المسبغة عليه ، ولكنه يتذكر كذلك الزوال والفراق والخريف والشيخوخة الذابلة وآخر الزمان عندما يتأمل ميلان الشمس الضخمة إلى الأفول ، والروح التي تنشد الأبد والخلود ولم تخلق إلا لتكون باقية أبد الآبدين ودهر الداهرين تدفع المرء للنهوض نحو الحضرة الإلهية ليسبغ الوضوء لأداء صلاة العصر مستشعرا ذهابه من الأرض ومفارقا لها ، فيتضرع أمام باب الحضرة الصمدانية للقديم الباقي وللقيوم السرمدي ، ويلتجئ إلى فضل رحمته الواسعة، ويقدم الشكر والحمد على نعمه التي لا تحصى، فيركع بكل ذلٍّ وخضوع أمام عزة ربوبيته سبحانه ويهوي إلى السجود بكل تواضع وفناء أمام سرمدية ألوهيته، ويجد السلوان الحقيقي والراحة التامة لروحه بوقوفه بعبودية تامة وباستعداد كامل أمام عظمة كبريائه جل وعلا.

(وعند وقت المغرب) المذكر بغروب كائنات الربيع والصيف في خزائن الشتاء والمُلَمِّح لوقت دخول الإنسان إلى قبره عند وفاته وفراقه الأليم لأحبته ، والمنبه لموت الدنيا وانفراط عقد كونها بزلازل وصواعق مرسلة البشر لعوالم أخرى ، كل ذلك يجعل المرء خائفا مرتعدا من وقت الإيقاظ الشديد هذا والإنذار القوي لاسيما إذا تعلق الإنسان بمحابَّ لم يَدُرْ بخلده أنه سيفارقها يوما من الأيام ، في مثل هذا الوقت يولّي المحب وجهَه إلى عرش عظمة مَنْ هو قديم لم يزل، ومن هو باقٍ لا يزال، ومَن هو مدبرُ أمرَ هذه العوالم الجسيمة ومبدّلُها، فيدّوي بصوته قائلاً: (الله اكبر) فوق رؤوس هذه المخلوقات الفانية، مُطلقاً يده منها، مكتوفاً في خدمة مولاه الحق ، منتصباً قائماً عند مَن هو دائمٌ باقٍ جل وعلا ، ومظهرا فقره وخضوعه في صلاته كلها أمام كبريائه سبحانه التي لا منتهى لها، وأمام قدرته التي لا حدّ لها، وأمام عزته التي لا عجز فيها، مسبحاً ربّه العظيم ساجدا أمام جمال ذاته الذي لا يزول، وأمام صفاته المقدسة التي لا تتغير، وأمام كمال سرمديته الذي لا يتبدل، مُعلناً بذلك حبَّه وعبوديته في إعجاب وفناء وذلٍ، تاركاً ما سواه سبحانه ، بعبادته ربا واجداً جميلاً باقياً ورحيماً سرمدياً بدلاً من كل فانٍ. ومقدسا ربَّه الأعلى المنزَّه عن الزوال المبرأ من النقص والأفول ، ومجدداً بيعتَه مع رسوله الأكرم صلى الله عليه وسلم سر الوجود ومخلص الإنسانية من العذاب الأبدي ، ودلاّل الربوبية ومبلّغ مرضياتها وترجمان آيات كتاب الكون الكبير سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم !

(وعند وقت العشاء) ذلك الوقت الذي يمتد فيه لسان الظلام ليغطي فيه الأفق فلا تبقى بقية من آثار النهار، ويخيّم الليلُ فيه على العالم، ويأفل فيه كل شيء ، فلا يبقى سوى مقلِّب الليل والنهار الذي أحال النهار والوضاءة ليلا حالكا سبحانه بتقليبه لهاتين الصحيفتين ، وللصحيفة الخضراء المزيِنة للصيف إلى الصحيفة البيضاء الباردة للشتاء.. ويذكّر هذا الوقت كذلك بالشؤون الإلهية لـ(خالق الموت والحياة) بانقطاع الآثار الباقية  بمرور الزمن  لأهل القبور من هذه الدنيا وانتقالها كلياً إلى عالم آخر، لينكشف عالم الآخرة الواسع الفسيح الخالد العظيم بموت الدنيا الضيقة الفانية الحقيرة ، ودمارها دماراً تاماً & إنها فترة ـ أو حالة ـ تُثبت أن المالك الحقيقي لهذا الكون بل المعبود الحقيقي والمحبوب الحقيقي فيه لا يمكن أن يكون إلاّ مَن يستطيع أن يقلّب الليل والنهار والشتاء والصيف والدنيا والآخرة بسهولة كسهولة تقليب صفحات الكتاب، فيكتب ويثبت ويمحو ويبدل ، وليس هذا إلاّ شأن القدير المطلق النافذ حكمه على الجميع جلّ جلاله.

وهكذا فروح البشر التي هي في منتهى العجز وفي غاية الفقر والحاجة، والتي هي في حيرة من ظلمات المستقبل وفي وَجَل مما تخفيه الأيام والليالي.. تدفع الإنسان عند أدائه لصلاة العشاء ، أن يلتجئ بالصلاة إلى باب مَن هو المعبود الذي لم يزل ومَن هو المحبوب الذي لا يزال، مناجياً ذلك الباقي السرمدي في هذه الدنيا الفانية، وفي هذا العالم الفاني، وفي هذه الحياة المظلمة والمستقبل المظلم ، لينشر على أرجاء دنياه النور من خلال صحبة خاطفةٍ ومناجاة موقتة، ولينّور مستقبله ويضمد جراح الزوال والفراق عما يحبّه من أشياء وموجودات ومن أشخاص وأصدقاء وأحباب ، بمشاهدة توجّه رحمةِ الرحمن الرحيم، وطلب نور هدايته ، فينسى – بدوره – تلك الدنيا التي أنسته ، والتي اختفت وراء العشاء، فيسكب عبرات قلبه، ولوعة صدره، على عتبة باب تلك الرحمة ، ليقوم بوظيفة عبوديته النهائية قبل الدخول فيما هو مجهول العاقبة، ولا يعرف ما يُفعل به بعده ، من نوم شبيه بالموت، وليختم دفتر أعماله اليومية بحسن الخاتمة. ولأجل ذلك كله يقوم بأداء الصلاة، & لذة صلاة العشاء !

فيتشرف بالمثول أمام مَن هو المعبود المحبوب الباقي بدلاً من المحبوبات الفانية ، وينتصب قائماً أمام مَن هو القدير الكريم بدلاً من جميع العجزة المتسولين، وليسمو بالمثول في حضرة مَن هو الحفيظ الرحيم لينجو من شر من كان يرتعد منهم من المخلوقات الظالمة الضارة التي يخاف منها ليستحضر ضآلته وعدمه وسفالة الكائنات مع الكامل المطلق والغني المطلق والباقي الذي لا يفنى ولا يزول فيستهلّ الصلاة بالفاتحة، أي بالمدح والثناء لرب العالمين الكريم الرحيم الذي هو الكامل المطلق والغني المطلق بدلاً من مدح مخلوقات ناقصة لا طائل وراءها وغير جديرة بالمدح متفكرا في كبريائه سبحانه وتعالى ومتأملا في أن هذه الشموس المستترة التي هي كالنباتات والحيوانات النائمة الآن وهذه النجوم المنتبهة، جنود مطيعة مسخّرة لأمره جل وعلا، وإِنْ كل واحد منها ما هو إلا مصباح في دار ضيافته هذه ، وكل واحد منها ما هو إلا خادم عامل ، بل كل ما ظهر من كائنات وعوالم ما هي إلا كجيش منظم، بل كالجندي المطيع، بأمر: (كن فيكون) ليهوي هذا الإنسان الضعيف ساجدا اقتداء بتلك المخلوقات، يهوي إلى السجود أمام ديوان الرحمن ذي الكمال والرحيم ذي الجمال قائلاً: (الله أكبر) في حبٍ غامرٍ بالإعجاب وفي فنائيةٍ مفعمة بالبقاء وفي ذلّ مكللٍ بالعز.

فكل وقت من هذه الأوقات إشارات لانقلاب زمني عظيم، وأمارات لإجراءات ربانية جسيمة، وعلامات للنعم الإلهية المسبغة ، لذا فان تخصيص صلاة الفرض – التي هي دَين الفطرة – في تلك الأوقات هو منتهى الحكمة. وعلى العموم فكل وقت له من الله حق على العباد ، ” إذ ما من وقت يَرِدْ إلا و لله فيه حق جديد وأمر أكيد ، فكيف تقضي فيه حق غيره ؟ و أنت لم تقض حق الله فيه .”

قال سيدي أبو العباس المرسي : أوقات العبد أربعة لا خامس لها ، النعمة و البلية والطاعة و المعصية ، و لله عليك في كل وقت منها سهم من العبودية يقتضيه الحق منك بحكم الربوبية . فمن كان وقته الطاعة فسبيله شهود المنة من الله عليه أن هداه لها ووفقه للقيام بها ، و من كان وقته للمعصية فمقتضى الحق منه وجود الاستغفار و الندم ، ومن كان وقته النعمة فسبيله الشكر وهو فَرح القلب بالله ، ومن كان وقته البلية فسبيله الرضا بالقضاء و الصبر . و في الحديث: ” من أعطي فشكر ، و ابتلي فصبر ، و ظلم فغفر، و ظلم فاستغفر ، أولئك لهم الأمن و هم مهتدون ” . أي لهم الأمن في الآخرة ، و هم المهتدون في الدنيا .

ومن كلامهم : الفقير ابن وقته ؛ أي يتأدب معه و يعطيه حقه كما يتأدب الولد مع أبيه .‏

ولما سئل رضي الله عنه عن قوله صلى الله عليه وسلم :” وجعلت قرة عيني في الصلاة ” هل ذلك خاص به صلى الله عليه وسلم أو لغيره منه نصيب ؟ أجاب بقوله :

( إن قرة العين بالشهود على قدر المعرفة بالمشهود ، فالرسول صلى الله عليه وسلم ليس معرفة كمعرفته فليس قرة عين كقرته ، وإنما قلنا إن قرة عينه في صلاته بشهوده جلال مشهوده لأنه قد أشار إلى ذلك بقوله:” في الصلاة ” ولم يقل ” بالصلاة ” إذ هو صلوات الله عليه وسلامه لا تَقِرُّ عينه بغير ربه ، وكيف وهو يدل على هذا المقام ويأمر به من سواه بقوله صلى الله عليه وسلم : ” اعبد الله كأنك تراه ” ومحال أن يراه ويشهد معه سواه ).

ولما كان معنى الصلاة حقيقة هو التسبيح والتعظيم والشكر لله تعالى. أي تقديسُه جل وعلا تجاه جلاله قولاً وفعلاً بقول: سبحان الله.. وتعظيمه تجاه كماله لفظاً وعملاً بقول: الله أكبر.. وشكره تجاه جماله قلباً ولساناً وجسماً بقول: الحمد لله. كان تَكرار هذه الكلمات رجوعا لعالم الطهر الذي عاشه في صلاته ومن تم أُمر العابد بقولها دبر صلاته ، لأن التسبيح والتكبير والتحميد هو بمثابة نوى الصلاة وبذورها، فوُجِدت هذه الثلاثة في جميع حركات الصلاة وأذكارها. ولهذا أيضا تُكرّر هذه الكلمات حتى بعد انقضائها . بل إن الوجود كله يكرر صداها بتسبيحات وتحميدات و تكبيرات الكائنات كلها ،” فالصلاة فهرس نوراني شامل لجميع العبادات، وخريطة سامية تشير إلى أنماط عبادات المخلوقات جميعاً.”

من أقوال بديع الزمان النورسي رحمه الله بتصرف .

2 بعض المعاني مقتبسة من مشكاة النورسي رحمه الله تعالى .

3 من الحكم لسيدي ابن عطاء الله رحمه الله تعالى رحمة واسعة .

4 أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (م 7 ص 138) بسند حسن ، كذا قال الحافظ ابن حجر في الفتح (م 10 ص 109)

5 حديث صحيح ، وانظر الأحاديث المختارة للمقدسي ( م4 ص 367) .

6 النورسي الكلمة الرابعة عشر ص 38.