أولا: الدلالة والسياق

بداية ينبغي التنبيه إلى أن استعمال مفهوم الحضارة هنا فيه تجاوز، وذلك لما يعرفه من عدم الدقة في التحديد مثله مثل مفهوم الثقافة، على الرغم من أنهما مفهومان شائعا الاستعمال، وكثرة استعمالهما زادت من غموضهما من حيث الدلالة.

ومفهوم الحوار يعتبر أداة محورية في عملية التواصل الإنساني، لكن غزارة الأحداث والمفاهيم استطاعت أن تشوش على دلالات مفهوم “الحوار الحضاري” -الذي نعطيه بداية معنى التواصل بين الأمم والشعوب في بعده الفردي والجماعي- حتى صار هذا المفهوم نفسه أداة مبتسرة في الخطاب السياسي والإعلامي اليوم، بل أداة للتمويه والمغالطة في كثير من الأحيان.

ولذلك أصبح من الضروري البحث في تحديد دلالاته عسى تستقيم العملية التواصلية الإنسانية، ومن ثم ينعم الإنسان، عموما، بنسبة من الاستقرار والاطمئنان على قاعدة حد أدنى من التفاهم.

إن عملية التواصل الإنساني ممتدة في عمق التاريخ البشري. وبالتبعية، فإن أداة الحوار هي كذلك حاضرة على مر الأزمنة والعصور وإن اختلفت الوسائل الفرعية بحسب المرحلة التاريخية التي تعيشها الإنسانية، وكذا بحسب المكان في كثير من الأحيان.

فوسائل التواصل الفرعية قبل آلاف السنين ليست هي قبل مئات السنين وليست هي في زماننا مثلا. كما أن كثيرا من الوسائل المتاحة في نفس الزمن في مكان ما ليست هي في مكان آخر. ثم إن الزمن الذي تستغرقه العملية التواصلية في مرحلة ما لاستكمال أطوارها الطبيعية ليس هو الذي تستغرقه في مرحلة لاحقة.

وبين هذا كله يبقى الثابت هو الإنسان بما هو موضوع العملية التواصلية الحوارية ومحورها في جميع المراحل والأمكنة والأزمنة.

والإنسان هنا أفرادا وجماعات وأمما. أي هو صاحب قضية، ومن ليست له قضية كبرى ليست له حضارة، لأن الحضارات لا تتميز بعضها من بعض بالطقوس والعادات والأعراف وغيرها، بل بنوع القضية التي هي أساسها وجوهر وجودها وحقيقة قيمها وقيامها، وما الطقوس والعادات والأعراف والسلوكات الفردية والجماعية إلا تمظهرات لتلك القضية في صفائها الكامل أو على أي مستوى من الغموض والتحريف. وتكون تلك القضية هي رسالة الأمة للإنسانية. وعليه، فالحوار الحضاري هو حوار الأصول، أي حوار أصول الحضارات؛ فهو حوار القضايا الكبرى التي تملأ كيانها، ذلك أن حوار الأصول والقضايا يفتح الباب بكل ثقة أمام التغيير الإيجابي والهادئ، حيث تكون حركة القضية في الواقع البشري سعيا لصناعة التاريخ؛ تغييرا للواقع وبناء للمستقبل، لأن حركة القضية ساعتها ناتجة عن عناصر الحرية الذاتية وليست ناتجة عن إرادة بشرية قزمية قد تكون مليئة بالعدوانية. وهكذا تتجاوز العملية التحاورية الأشخاص وضيق نظرهم إلى احتضان اللحظة التاريخية بنظرة مستقبلية، فيحصل بذلك التمييز بين لحظة الحوار التواصلي الكلية ولحظة التفاهم أو التفاوض أو حتى لحظة الصدام. واللحظة الكلية هذه جزء من صيرورة القيم التواصلية وسيرورتها. ويجب أن تكون على أعلى مستوى من التكريم والحرية.

إننا نسمع اليوم عن حوار شمال جنوب، وعن حوار غرب شرق، وحتى عن صدام الحضارات أو صدام الأصوليات، وما إلى ذلك مما جادت به هيمنة الحضارة الغربية ومفاهيمها بغية تفكيك هذا الواقع المر الذي تكتوي الإنسانية بناره في المعنى والحس. والحقيقة أن ذلك ليس بحوار إذ هو مجرد بحث عن فعل ما ضمن صراع المصالح والمواقع والوجود.

لكن أي فعل ممكن بين غالب ومغلوب، بين تابع ومتبوع، بين سالب ومسلوب؟

فإذا تحدثنا عن حوار شمال جنوب فما هي قضية الشمال وما هي قضية الجنوب؟

وإذا تحدثنا عن حوار شرق غرب فما هي قضية الغرب وما هي قضية الشرق؟

وهل يمكن أن نتحدث اليوم عن حوار حضاري بين المسلمين وبين حضارة الغرب القائمة؟ وهل هناك حضارات قائمة غير حضارة الغرب لنتحدث عن تعدد وعن أطراف مختلفة تغني الحوار الحضاري التواصلي في زمن الثورة الإعلامية التي جعلت من العالم قرية صغيرة؟

إن الحوار الحضاري التواصلي لا يحدث على قاعدة نموذج واقعي مهيمن وآخر في الماضي، خاصة إذا كان هذا الماضي من النوع المنقرض إذ لم يتوفر على عناصر التجديد والتجدد، بل يحدث ويحصل على قاعدة نموذجين أو أكثر قائمين على أرض الواقع. وبذلك تتحدد شروط التحاور التواصلي.

ثانيا: شروط الحوار

إن الدلالة أعلاه التي يحملها مفهوم الحوار توحي بثلاثة شروط أساسية لتكون العملية التحاورية التواصلية بنائية.

الشرط الأول: سمو القضية. لأن الأمم إذا جعلت من قضية وجودها قضية سخيفة لا شك أن وسيلة التحاور التواصلي ستكون على مستوى كبير من السلبية. وقد تكون هي العنـــــف الشامــل على

الإنسان، عنفا ماديا وعنفا رمزيا.لكن خلاف ذلك إذا ماكانت القضية نبيلة وسامية، حيث تكتشف من الوسائل ما يجعل من موضوع العملية التواصلية، الذي هو الإنسان، مكرما، إذ تخاطب فيه العمق وتجعل من إرادته في الاختيار عنصرا بارزا في العملية برمتها.

لقد كانت هذه حقيقة حركة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، كان خاتمهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. ولذلك نجد هذه الحركة هي العمود الفقري لحركة التاريخ البشري، لأن إعمار الأرض المبني على دعوتهم هو أرقى الحضارات في تعاملها مع الإنسان والإنسانية عموما.

ألم يبعث الله تعالى النبي موسى، عليه السلام، إلى فرعون في لحظة ذروة الحضارة الفرعونية، ذلك أن البناء الحضاري الفرعوني كان في حاجة إلى قضية نبيلة تملأه لتعم فائدته البشرية وتمتد عبر التاريخ ويصبح ذلك الإعمار وسيلة تأخذ قيمتها الحقيقية من طبيعة الرسالة التي تعمرها، وليس أنبل وأسمى من قضية الأنبياء والرسل التي هي رسالة الحرية الكاملة بتحقيق العبودية للخالق لا لغيره سبحانه؟ فكان إعراض الحضارة الفرعونية عن رسالة الدعوة وإصرارها بوضوح على محاربتها عنصر نهايتها. فأصبحت مجرد حدث يشكل الآن تراثا تاريخيا وكفى، يزوره الأمراء في السر والعلن ليتعلموا قيم الفرعونية ! وكذلك علمنا التاريخ أن أية حضارة تجعل من عنصر فعلها في الواقع البشري محاربتهـا للدعوات النبوية تكون قد اختارت أن تدخل في العد العكسي لزوالها. ونأخذ نموذجين بارزين في تاريخنا المعاصر:

نموذج المنظومة الشيوعية في شرق أوربا بقيادة الاتحاد السوفياتي، وهي مشروع حضاري قائم على منطق العنف بين طبقات المجتمع وعلى محـاربة الدين أي دين.

وقد كانت جميع الديانات مستهدفة من طرف الأنظمة الشيوعية. فبنت المنظومة الشيوعية نموذجها الواقعي على روح العنف الشامل، وقد كان العامل الأساس في انهيارها السريع. لكن خلاف ذلك نجده في النموذج الليبرالي، وحتى الاشتراكي الذي أصبح اليوم جزءا من المنظــومة اللبيرالية السائدة، حيث أفلحت طليعة هذا النموذج في قيادة الغرب وفي صناعة قوة مهيمنة عالمية متعـددة الأبعاد. والسر في ذلك أنها لم تبن حقيقتها الوجودية على محاربة الديـن جملة وتفصيلا بل حددت له هامشا يضمن له حرية الاتصال لكنه نفسيا وتربويا وتصوريا لا يضمن الهيمنة، وعوضت هذا الإقصاء برسالة الديموقراطية وحقوق الإنسان حمّلتها أبعادا إنسانية لا ترقى إلى أصل الاعتبار الديني، لكنها تضمن خطابا متماسكا تجاه القضايا الإنسانية وإن أخفى من ورائه العنف الشامل، خاصة اليوم تجاه الإسلام والمسلمين.

الشرط الثاني: إن سمو القضية لا يكفي في العملية التحاورية التواصلية بل لا بد من وضوحها، ذلك أن وضوح القضية التي تشكل مضمون الفعل الحواري الحضاري يخول لدى أصحابها قدرة كبيرة على العرض والمخاطبة واكتشاف الوسائل المناسبة لذلك، كما يخول لدى المخاطب إمكانية إدراك طبيعة القضية وحقيقتها، مما يدفعه إلى تحديد الموقف المناسب والمنصف، لأن المواقف غير المنصفة سرعان ما تتجاوزها حركة القضية في عمقها التاريخي المستقبلي لتنسج علاقة التبني مع أصحاب الإرادة الحرة. (نموذج انتشار الإسلام في بلاد الغرب على الرغم من فعل القيادات السياسية وغيرها لأجل تشويه الإسلام وعرضه من خلال صورة متعارضة تماما مع حقيقته) وقد كانت هذه وسيلة دعوات الأنبياء في التواصل مع الغير، أيا كان هذا الغير، يعرض من يعرض ويؤمن من يؤمن أفرادا أو جماعات.

ولذلك نجد الرسائل النبيلة هي التي تجد القبول التلقائي لدى الإنسان بخلاف الرسائل السلبية التي تعتمد الإكراه والإرغام لتُفرض على الناس وتبني على قمعهم واقع القوة العنيفة التي توهم أنها حضارة إنسانية وما هي إلا بناء فرضته على الغير إرادة أشخاص أو جماعة مصالح عرقية أو اقتصادية أو غيرها، لأن جوهر الرسائل النبيلة يتعارض كليا مع منطق العنف على الإنسان والكون. وهنا تبرز مسؤولية أصحاب القضايا النبيلة في التصدي للواقع الحضاري العنيف على الإنسان والكون عموما.

وهذا هو جوهر التعارض بين ما سمي بالحضارة الغربية والحضارة الإسلامية.

الشرط الثالث: وجود كيان بشري يحمل على وضوح تام تلك القضية وكل مقتضايتها، وله القدرة على توفير كل الوسائل الضرورية لتحصل العملية التحاورية التواصلية على كامل صورها وأطوارها، ذلك أن أي غموض على مستوى فهم جوهر القضية يترتب عليه خلل في طرائق عرضها مما يفضي إلى انحراف مع مرور الزمن في استقامة حركتها في الواقع التواصلي العام، ومن ثم سوء فهم لدى الأطراف المعنية بالعملية التحاورية التواصلية.

وبناء على ذلك فالعملية التحاورية تتم على محورين مرتبطين ارتباط الشرط بالمشروط:

1- محور بناء الذات وجمعها.

يملك الغرب اليوم قوة تصورية وقوة عسكرية وقوة بشرية مع وضوح قضيته على الأقل لدى الفاعلين الأساسيين ضمن مجاله. ومجاله هنا لم يعد ذا بعد جغرافي باعتبار الواقع الإعلامي واحتكاره لمصادر المعلومة وحتى المعرفة، مما خوله الكفاءة في اختراق الكيانات الحضارية الأخرى بعد أن اعتمد حقيقته التوسعية والاستعمارية في سحق أمم. وهذا الاختراق، على الرغم من مقاومة بعض الثقافات (اليابان والصين وإفريقيا وغيرها) صاغ العالم على صورة نموذج كلي تلعب فيه مفاهيم مركزية أفرزتها التجربة الغربية دور الأداة التربوية والتعليمية بفاعلية استراتجية، بالإضافة إلى العوامل العسكرية والاقتصادية، مما جعل بعض الثقافات مجرد عادات وأعراف غير فاعلة في صناعة الإنسان والمجتمع والدولة على السواء. وهكذا صار الغرب مستويات متعددة من الكيانات غير متناقضة ولكنها تختلف في أبعادها الثقافية والاقتصادية لا الحضارية، أي أن فعل الغرب في الواقع البشري صار وليد قضية واحدة هي قضية الديموقراطية وحقوق الإنسان كما أنتجتها التجربة الغربية التي تشكل الوجه الإنساني للحضارة الغربية الذي يخفي حقيقتها التوسعية والاستعمارية المبنية على العنف والتي تجد جذورها في حضارة الرومان المستفيدة من حضارة الإغريق والمتزاوجة زمن قسطنطين الرابع مع المسيحية المنحرفة اضطرارا لا اختيارا.

ومن ثم يمكن اليوم أن نتحدث عن حضارتين فقط: عن حضارة الغرب القائمة وعن الإسلام المتحرك المتجدد الذي أقام حضارة كانت من العوامل الأساسية، نظرا لعمقها الإنساني، في نهوض الغرب وخروجه من ظلمات قرون من الزمن تحت هيمنة الكنسية. (وقد كان لوسيلة الترجمة التي قام بها كثير من ملوك وزعماء أوربا الدور البالغ في نقل العلوم الإسلامية والاستفادة منها خاصة في الأندلس).

فإذا كان الغرب، وانسجاما مع حقيقته الوجودية، مزدوجا في تعامله مع الإنسان والكون حيث يضمر جوهر العنف وراء خطابه “الإنساني” ويجعل من الإسلام نده الحضاري، فإن حركة الإسلام في محاورتها للواقع الإنساني الخاضع لهيمنة الغرب يطلب شرط إعادة بناء الذات وجمعها لتخرج نموذج ربعي بن عامر الذي دخل على رستم الروم مخاطبا إياه بوضوح رسالته وحقيقة أهدافه ومقاصده: “جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة”. إنه تعبير عن قوة الانتماء لأمة متماسكة قائمة على أرض الواقع، وشعور بقوة ووضوح التصور والإرادة، وبسمو الأهداف والمقاصد بسمو القضية الرسالة.

إن الذات الإسلامية اليوم غير مؤهلة لتخوض معركة الحوار الحضاري التواصلي لتجيب عن أسئلة الإنسانية المعذبة بهيمنة معاني الحضارة الغربية، لكنه من الممكن إعادة بنائها وجمعها، ذلك أن الرسالة القضية تملك العناصر الذاتية للتجدد. ولن يتحقق ذلك إلا بسيادة معاني الحوار بين أجزاء هذه الذات المتعددة. وهو حوار يطلب شرط العدل والحرية والمساواة. وتلك مطالب حركة الدعوة في المجال الإسلامي جغرافيا، لأنها هي المؤهلة لتحمل على عاتقها قضية الإسلام بما هو رسالة إلى العالمين.

وهكذا، فالحوار داخل المجال الإسلامي يحصل بالاشتغال على خطين متوازيين:

أ-خط الحركة الإسلامية لتعمل على صناعة واقع وحدة القوة وقوة الوحدة، وذلك باكتشاف الأشكال الهيكلية والتنظيمية المبنية على التقارب في التصورات والأفهام والإرادات.

ب-خط النخبة الفكرية والسياسية والاقتصادية التي أخذت عن الغرب في تكوينها الفكري والنفسي، خاصة وأنها أصبحت تملك المواقع ومؤسسات الاقتصاد والإعلام وغيرها، وذلك بمناقشة طروحاتها لإظهار جدوى العرض الإسلامي في بناء الإنسان والمجتمع والدولة. مع العمل على تقويض الطروحات النازعة إلى التفرقة وتمزيق الأمة والحفاظ على واقع التبعية والاستبداد من خلال إبراز خطورتها على مستقبل الأمة.

وهكذا نجد فعل القضية محليا من خلال حوار تواصلي أصيل وسيلة في صناعة التحاور الحضاري

من خلال مخاطبة العالمين بما يقدم خدمة عظمية للإنسانية في زمن عولمي يريده الغرب بزعامة أمريكا أن يخضع بقوة الإكراه للنموذج الوحيد.

إنها عملية تاريخية ومصيرية لن تحدث بجرة قلم ولا بطلقة رصاص مهما كان حجم العجاج الذي تخلفه، أمام يقين أن الحضارات المبنية على العنف على الإنسان والكون ستنهار بالتلقائية أمام البناء المستمر لقوة الحضارة المبنية على تكريم الإنسان بما هو عبد مخلوق لله مسؤول عن عمله في نفسه وفي من حوله من الناس والكائنات. وقد علمنا التاريخ أن التمكن يحصل للحضارات الجاهلـــة بحقيقة الإنسان حينما تغيب قوة الحضارات المبنية على حقيقة تكريمه. وغيابها إنما تكون العوامل الذاتية هي الفاعلة فيه. وأم

العوامل أن يحصل ضمور القضية في قلوب رجالها وفي تصوراتهم فيختل استعمال الوسائل الفرعية مما يترتب عليه اختلال في حركة الدولة والأمة على السواء.

فهل تستطيع النخبة المغربة أن تدرك أن المستقبل ليس بيد الأشخاص في جوهره، بل هو ثمرة تفاعل القضايا المصيرية، بحيث يكتب التمكين لامحالة بمعيار سمو القضية ونظافة الوسائل؟ وما يمكن الإشارة إليه هنا أن النخبة المحلية السياسية المغربة تشكل عائقا حقيقيا أمام ذلك التفاعل بين القضايا المصيرية، تماما، كما تشكل القيادة السياسية في الغرب العائق الحقيقي دون اكتمال صورة الحوار الحضاري. لكن اليقين أن هذه النخبة ستصبح شيئا خارج التاريخ، وأن تلك القيادة ستصبح رمزا للقيم الفرعونية في هذا الزمن الذي سيأتي عليه البحر الزاخر من تحولات الإنسان وسؤالاته عن حقيقة وجوده وعن مصيره.

2- محور مخاطبة العالمين.

مخاطبة العالمين تطلب شرطين أساسيين:

أ- شرط النموذج الواقعي المتكامل الذي يجسد حركة القضية في واقع الناس انطلاقا من الفرد ومرورا بالمجتمع ومؤسساته إلى الدولة ومؤسساتها.

ب- قوة الإرادة المتحققة بقوة التصور وسمو القضية.

ومن ثم يحصل الفعل المتكامل للعملية التحاورية التواصلية في مخاطبة الواقع الحضاري في كل أبعاده التربوية النفسية والتــعليمية والثقافيــة والسياسية الاجتماعية والاقتصادية التنموية والعسكرية. لكن، وكما سلفت الإشارة إلى ذلك، فإن الغرب المهيمن اليوم صار مستويات متعددة ومختلفة وفي كثير من الأحيان متعارضة المصالح. والعملية الحوارية التواصلية التاريخية التي تقودها حركة قضية الإسلام في الواقع العام لا تنبني على منطق توسعي استعماري بخلاف الغرب الشاهد على نفسه بما يفعله الآن في العالم، وخاصة العالم الإسلامي (فلسطين، أفغانستان، العراق وفي كل بلا الملسمين باعتماد وسائل متعددة ومختلفة)، بل تنبني على حـــرية الإرادة وعلى روح التناظر والإقناع، أي أن الوسائل يجب أن تتنوع بحسب المخاطب. فإعمال وسيلة ما يخضع لتقدير المرحلة التي تعيشها حركة الإسلام. فمثلا موقف حركة الإسلام من خلال دولة كاملة الوجود ليس هو موقفها في مرحلة ما قبل بناء الدولة (موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من هدم أصنام مكة قبل الفتح وبعده). كما يجب التمييز بين مجالات العملية التحاورية. فمنطق الحوار التفصيلي في اكتشاف الوسائل في مخاطبة الواقع الغربي في مجاله الجغرافي (أوربا وأمركيا وغيرهما..) ليس هو في مخاطبة امتدادات الغرب في المجال الجغرافي الإسلامي.

ومن ثم، فإن العملية التحاورية تخضع تواصلها لعملية تصنيف دقيقة للمخاطبين بما يسمح بنجاعتها ونجاحها.

فلا يمكن أن نتحدث اليوم على أن الوسيلة الأساس في مخاطبة الغرب هي صناعة منطق التصادم، ذلـك أن التصادم الحضاري ليس هو الأصل في التواصل بين الحضارات، وإنما هي مرحلة حاصلة حينما تدرك القوى الجامدة أو القائمة على حقيقة المصالح والامتيازات أن لحظة زوالها أصبحت مسألة وقت فيشتد عنفها في مقاومة العملية التحاورية التواصلية الكلية، وفي هذه اللحظة بالضبط تضع خطوتها الأولى خارج التاريخ. وهنا ينبغي التمييز بين المقاومة من أجل الحرية والمقاومة من أجل الحفاظ على المصالح والامتيازات الخاصة بهـذا الزعيم أو هذه العائلة أوهذه القبيلة أو هذه الفئة أو هذا التكتل البشري. إن ما فعله الغرب ويفعله اليوم تجاه المسلمين وخيراتهم ماهو إلا حملات تشكل ردة فعل طبيعي على اختراق القضية الإسلامية للمجتمع الغربي على كل الواجهات. إنه الشعور ب”الخطر الإسلامي” الذي بدا منتشرا في كل المناطق بكل تلقائية وحرية.

فمنطق صمويل هنتكتون في كتابه “صدام الحضارات”لا يتحدث فعلا عن واقع حضاري بالمعنى السليم للمفهوم، بقدر ما يتحدث من داخل منطق الدولة اللبرالية الغربية، وبالتحديد منطق الدبلوماسية الأمريكية في صراعها من أجل الحفاظ علـى واقعها الهيمني والتحكم في مصادر الثروة الإنسانية الكبرى، وذلـــك بصناعة خط تفكيري يبرر السلوكات السياسية والعسكرية تجاه مناطق متعددة في العالم ويصنع رأيا عاما يقبل الهجوم على الإسلام والمسلمين وكل مستضعفي العالم.

لكن إبعاد منطق التصادم لا يعني غياب قوة الخطاب لفضح المنطق الاستكباري الاستعلائي المسيطر على حضارة الغرب الذي جسد مظالم على أرض الواقع في حق الإنسانية، خاصة منها المسلمين، مع التركيز على مخاطبة “الضمير الإنساني” الذي يشكل القاعدة البشرية العريضة في المجال الغربي.

إن ما يحجب هذا الضمير عن جوهر الخطاب الحواري التواصلي الذي تقوده حركة الإسلام في الواقع العام اليوم إنما هؤلاء السياسيون العسكريون، في جبة الديموقراطي، المدافعون عن الروح الاستعمارية التوسعية الصهيونية المتزاوجة مع اليهودية والنصرانية، والعاملون لها وبها. لكن سيصبح هؤلاء قلة متجاوزة أمام تطور العملية الحوارية الحضارية بين أمة الإسلام وأمة الغرب الذي ملأ الدنيا بسؤالاته الوجودية والمصيرية ولم يجب عنها أولئك إلا بملأ الدنيا بسياسات خارجية تبحث عن موضوع خارجي يشغلون به الرأي العام الداخلي في انتظار حملة انتخابية قادمة.

كما أن الحكمة التواصلية تقتضي التمييز بين الدول والشعوب في المجال الغربي، حيث يجب أن تتوجه بالأولوية طاقات العملية الحوارية التواصلية إلى الشعوب أفرادا ومؤسسات أولا.

هذا من حيث الاعتبار العالمي، أما من حيث الاعتبار المحلي فالحوار هو مع المستقبل بكل تفاصيله، انطلاقا من قاعدة القضية لا من خناق الأزمة، وليس مع من أصبح خارج التاريخ لا يعلم قبيله من دبيره.

ثالثا: منطق الحوار الحضاري

الحوار الحضاري عملية متكاملة، ولذلك يتكون من عنصرين أساسيين:

1-عنصر التحليل: تحليل الواقع الحضاري القائم تحليلا كليا وشاملا.

2-عنصر إعادة التركيب: فبناء على نتيجة التحليل تتم عملية إعادة تركيب الواقع الحضاري بإعمال العناصر الإيجابية فيه وإدخال العناصر الجديدة التي تمكن من مرحلة حضارية جديدة قاطعة مع كل الجوانب السلبية السالفـة بحيث تصبح أصول حركة الناس والمجتمعات على قاعدة الأصول الجديدة من خلال عملية اقتناع إرادية قد تستغرق وقتا طويلا. وبهذا نجد أن الحوار الحضاري عملية نقد وعرض. نقد الواقع وعرض وسائل البناء الجديدة ومضامينها.

ولذلك فالحوار الحضاري ليس في أصله صداما، بل تدافعا بين العناصر السلبية والعناصر الإيجابية في الحركة الإنسانية بما يمنعها من الفساد الكلي الذي يعتبر تدميرا للحياة الإنسانية والكونية، لأن التدافع عمل مبني على إرادة الإنسان في الحياة الكريمة.

فبماذا “كرمت” حضارة الغرب الإنسان وبماذا كرمه الإسلام؟ ذلك هو جواب العملية الحوارية التواصلية الحضارية في زماننا، بل وفي مستقبل الإنسانية عموما.