هذيان العالم وطاحونة الحياة وتسارع الأحداث وتعاقبها، وغير ذلك من ضجيج الدنيا وزخرفها، وفتن الحياة وملذاتها لا تترك للإنسان لحظة يجلس فيها إلى نفسه يقلب أوراقه، ويسترجع ما مضى من حركاته، ويراجع حساباته حتى يكون غده أفضل من يومه، وحتى لا يكون من الذين قال الله تعالى فيهم “قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا” (الكهف 103-104). وحتى يطمئن إلى أنه لم ينحرف عن القصد السوي، ولم يحد عن الغاية التي خلق من أجلها، ووضحها الله تعالى حين قال: “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون” (الذاريات 56).

فكيف يتغلب الإنسان على نوازع الدنيا، وكيف يبقى في اتصال مع الآخرة حتى لا ينطبق عليه قول الله تعالى “بل توثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى” (الأعلى 16-17) وحتى لا يكون من المعنيين بقوله تعالى “قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى” (النساء 77).

ليس من حل أمام المسلم المتشبث بدينه، والخائف على آخرته، والحريص على لقاء ربه وهو عنه راض إلا دوام تذكر عاقبته، واستحضار نهايته، والاعتبار بمن سبقه، والاستقواء بمن يذكره بذلك مصداقا لقوله تعالى “يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين” (التوبة 119)؛ ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “أكثروا من ذكر هادم اللذات، ومفرق الجماعات، فإنه ما ذكر في كثير إلا قلله، وما ذكر في قليل إلا كثره”.

وليس عبثا أن يكون آخر ما أنزل من القرآن الكريم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى “واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون” (البقرة 281) وقد ذكر من قال ذلك عن ابن عباس قال: “آخر آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم: “واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله” وقد قال ابن جريج: يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم مكث بعدها تسع ليال، وبدأ يوم السبت، ومات يوم الإثنين. وعن سعيد بن المسيب أنه بلغه أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين.

ولذلك فالموت وحده الذي يذكر الإنسان بضعفه، ويضعه أمام حقيقته، ويصارحه بما لا يحبه، وينصحه بأنه مهما عاش، ومهما طال بقاؤه في الدنيا، ومهما استمتع بشهواتها واستلذ لذاتها فمصيره واحد ونهايته الموت، وتلك قاعدة لا استثناء معها كرر الله تعالى ذكرها في غير ما آية حتى يتعظ من ذلك الإنسان “إنك ميت وإنهم ميتون” (الزمر 39)، “كل نفس ذائقة الموت” (آل عمران 185)، “قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم” (الجمعة 62)، ولن ينجي الإنسان من ذلك مال ولا جاه ولا برج “أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة” (النساء 78).

الموت هو آخر أيام الدنيا وأول أيام الآخرة، وهو اليوم الذي يتحسر فيه كل إنسان على ما فات مهما بلغ اجتهاده في الدنيا في الطاعة “حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت” (المومنون 99-100)، وهو اليوم الذي لا أب يرافق الميت فيه، ولا أم تقيم معه، ولا خليل يؤنس وحشته “ونرثه ما يقول وياتينا فردا” (مريم 80)، “وكلهم آتيه يوم القيامة فردا” (مريم 95) ولذلك روي عن الحسن رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان رأسه ذات يوم في حجر عائشة، فنعس فتذكرت الآخرة فسالت دموعها على خد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستيقظ بدموعها ورفع رأسه وقال ما يبكيك؟ قالت: يا رسول الله ذكرت الآخرة، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ قال صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده في ثلاثة مواطن فإن أحدا لا يذكر إلا نفسه: إذا وضعت الموازين حتى ينظر ابن آدم أيخف ميزانه أم يثقل، وعند الصحف حتى ينظر أبيمينه يأخذ أم بشماله، وعند الصراط حتى ينظر أيعز أم يكردس في جهنم”. وهذا مصداقا لقوله تعالى: “واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا” (البقرة 48).

هكذا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم خطورة ما ينتظر العبد، وأن الأمر لو كان ينتهي عند الموت لكان أهون، ولكنه مع شدته أهون مما يليه، والقبر مع ظلمته أهون مما بعده، وكل ذلك هين إذا قورن بالوقوف بين يدي الله عز وجل، يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار” في ذلك اليوم تعنو الوجوه “وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما” (طه 111)، “يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم” (الشعراء 18-19) “يوم يفر المرء من أخيه وصاحبته وبنيه” (عبس 35-36)، في ذلك اليوم تشخص الأبصار “ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار” (إبراهيم 42).

في ذلك اليوم “تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم” (غافر 17)، “فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون” (الأعراف 9).

قد يبسط البعض هذا الأمر، وقد يستخف بعضهم الحديث فيه، وقد يستهين آخرون بخطورته، وقد يبدل بعضهم الحديث إلى موضوع آخر، وكل ذلك غفلة عن الأمر الجلل، والحقيقة المنسية، وكل ذلك استدراج وانشغال بالفانية عن الباقية، وصدق الله تعالى إذ قال “آرأيت إن متعناهم سنين، ثم جاءهم ما كانوا يوعدون، ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون” (الشعراء 205-207).

فليت الكل يتذكر أن الموت هو الحائل بين الإنسان وبين كل ما يشتهي، ويحرص على دوام تذكر ذلك، فآنذاك يكون عمله في كل مجال خادما لآخرته فلا يقع في الإفراط أو التفريط.

قال معاذ بن جبل رضي الله عنه في وصيته “إنه لابد لك من نصيبك في الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج، فابدأ بنصيبك من الآخرة فخذه فإنك ستمر على نصيبك من الدنيا فتنظمه”.

وأخيرا:

قد يفهم البعض هذا الكلام دعوة إلى القعود، وقد يستنتج منه آخر تشجيع على ترك العمل وانتظار الموت، لست أقصد من هذا أو ذاك مثقال ذرة، ولكنني عندما أقرأ سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأتصفح أحوال صحابته الكرام رضوان الله عليهم، وأقترب من سر صالحي هذه الأمة أجدهم كانوا دائمي الذكر للموت وما يليه وما عطل ذلك حركتهم ولا أقعدهم عن عملهم، فهذا ابن عمر كان إذا قرأ قول الله “وحيل بينهم وبين ما يشتهون” بكى وأبكى ودعا للأموات وقال: اللهم لا تحل بيني وبين ما أشتهي، قالوا: وما تشتهي؟ قال: أن أقول لا إله إلا الله. وروي أن عمر بن عبد العزيز قال: “أرقت البارحة فلم أنم حتى طلع الفجر، قالوا: وما أسهرك؟ قال: لما أويت إلى فراشي ووضعت علي لحافي تذكرت القبر، وتذكرت الميت بعد ليالي تمر عليه حينما تركه أهله وأحبته وخلانه، تغير ريحه وتمزق كفنه وسرى الدود على خدوده فليتك ترى تلك الرائحة المنتنة، وتلك الأكفان الممزقة، إذا لرأيت أمرا مهولا، ثم انفجر يبكي ويقول لا إله إلا الله. وهذا عمرو بن العاص مر بالمقبرة وهو يبكي ثم رجع فتوضأ وصلى ركعتين، فقال له أصحابه لم فعلت هذا؟، قال: تذكرت قوله تعالى: “وحيل بينهم وبين ما يشتهون” وأنا أشتهي الصلاة قبل أن يحال بيني وبينها. وهذا عمر رضي الله عنه بكى لما حضرته الوفاة فقال له ابنه يا أبتاه صف لنا الموت. قال يا بني: الموت أعظم من أن يوصف، لكأن على كتفي جبل رضوى، وكأن في جوفي شوكة عوسج، وكأن روحي تخرج من ثقب إبرة، وكأن السماء أطبقت على الأرض وأنا بينهما.

عمر يقول هذا وهو من المبشرين بالجنة، فماذا أفعل أنا المذنب المقصر؟!.

يقول بن عوف رضي الله عنه: خرجت مع عمر رضي الله عنه إلى المقبرة، فلما وقفنا عليها، ارتعد واختلس يده من يدي، ثم وضع نفسه على الأرض وبكى بكاء طويلا. فقلت: مالك يا أمير المؤمنين؟ قال: يا ابن عوف ثكلتك أمك أنسيت هذه الحفرة؟.

ثكلتني، وثكلتك، وثكلتكم، وثكلتكن. أنسيتم تلك الحفرة؟؟

هل كان كل هؤلاء قاعدون؟ هل كانوا مترهبنين؟ اقرأ في سيرهم، وتصفح فتوحاتهم، وعد مناقبهم، وانظر إلى نفسك وقارنها بهم، سترى أنك دون الدون. والسبب ابحث عنه تجده في طول الأمل وقسوة القلب. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: “أكثروا من ذكر هادم اللذات” والله تعالى أعلم حين جعل آخر ما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم “واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله”.