(1)

تتنكب رواحلنا الطريق عندما تعتقد أن قادتها سياسيون محترفون.

رواحلنا مشروعها الاقتحامي ومسيرتها التاريخية معرضان للانتكاس إن لم يقدهما المحسنون أولياء الله عز وجل لأن المؤمنين مهما على إيمانهم معرضون لنوازع الاختلاف.

إنما يقود الركب المؤيد الموفق، وأخطر ما يمكن أن تبتلى به الدعوات غياب التأييد الإلهي: الخذلان _ نعوذ بالله من الخذلان _، وإذا أقامت رواحلنا أمرها في وقت الاستضعاف على أمر معوج لم يكن لها في زمان الظهور إلا خلل في السلوك، وإنما تستقيم النهاية باستقامة البداية.

هل رواحلنا حزب سياسي أم تناوم ودروشة؟

رواحلنا جماعة بشرت بتغيير المجتمع، ليست بحمد الله ممن تفر من ميدان المقارعة إلى سلامة المهادنة، لا ترضى رواحلنا بهدف اجتماعي سياسي دون العدل على شريعة الله، ولا ترضى بغاية تتطلع إليها همم أعضائها دون الإحسان(1).

إذا أراد الله برواحلنا تسديدا ورشدا قيض الله لها من أوليائه عارفا بالله كاملا مكملا معه رأس الأمر كله، نور الكشف وروح العلم وتوفيق الله عز وجل، يشد الأواصر بالصحبة والمحبة.

الصحبة مدخل أساس لفهم صحيح وإرادة ربانية وعمل موفق غير معكوس ولا منكوس.

الصحبة خلاص من شباك الحيرة المقلقة، وانطلاقة واعية تحرر رواحلنا من الأنانية الفردية، وتنطلق بها حرة طليقة في آفاق الإقبال على الله عز وجل، والتهيئ اللازم لتجديد الخلافة الثانية على منهاج النبوة.

إن بقاء رواحلنا دون صحبة تدلها على الله عز وجل وتقربها منه استهتار لا معنى له.

بيت خراب هو بيت رواحلنا إن لم تتنبه إلى خطر غياب المحسنين أولياء الله عز وجل عن صفوفها، شجرة هي قد يبست وتناثر ورقها إن لم تمتلك المنار وهي في عالم كثير الظلام: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن للإسلام صوى ومنارا كمنار الطريق)(2)، قفص هي بلا طائر إن لم تنبت وتثبت في أرض الصحبة المباركة الموصولة بالنبع المتسلسلة بالتلمذة والمجالسة والتزاور والتحابِّ في الله عز وجل والتي أخبر عنها الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

ما الحديث عن الخلافة وعن التغيير المنشود إلا أحلام طائشة إن لم تشتد قلوب الأمة باشتداد قلوب رواحلنا.

التربية الإيمانية الإحسانية بداية السير الموفق المسدد لرواحلنا، وإلا فهي بداية الانحراف والمغامرة في بيداء الإسلام الفكري الثقافي المقفرة إلى غير وجهة.

قيادة تعتقد أنها الرأس المفكر دون أن تكون في نفس الوقت قلب الجماعة الحي قيادة كالقيادة وليست بها.

قيادة تمتلك نورانية وكرامات لكنها عاجزة عن فهم الواقع، والتخطيط للمستقبل قيادة كسيحة عرجاء.

قيادة تنطق بالإسلام والقلب فارغ من حب الله والشوق إليه واستمطار رحمته تقود الركب إلى التيه.

تنظيم رواحلنا وحركتهم بلا تربية إيمانية إحسانية تحزب سياسي أبعد ما يكون عن الإسلام.

ألا وإن الإسلام الفكري الثقافي التسطيحي الفارغ من ذكر الله والخشوع الدائم بين يديه خطر يهدد سير رواحلنا.

كيف يدعو إلى الله عز وجل من لم يعرفه؟

لا بد أن تجتمع في من يقود الركب الكفاءتين: الرحمة القلبية والحكمة العقلية(3)، الربانية والكفاءة الجهادية.

رواحل لا تتجاوز قيادتها مستوى عامة المومنين رواحل كالرواحل وليست بها(4).

قادة رواحلنا شعارهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “والله لا أزال بين ظهرانيهم ينازعونني ردائي ويصيبني من غبارهم حتى يكون الله لهم أو يريحني منهم”(5).

لا ينبغي لرواحلنا أن تتغذى بنخالة طعام الإسلام الفكري الثقافي البائت وتترك اللب والجوهر اللب: حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وصحبة العارفين، وصدق الإرادة.

(2)

قومة رواحلنا انتقال من الخمول إلى الانتصاب لأمر الله، فهي منهاج يقظة ونهوض ومع اليقظة يكون الميلاد.

قومة رواحلنا انتصاب والانتصاب شموخ وعلو واستقامة وقوة يرتفع بها طلب رواحلنا ليكون طلبا لله.

قومة رواحلنا حركة تنفيذ لمشروع التجديد، “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها”(6).

قومة رواحلنا لن تكون قومة حتى تكون قوة ولن تكون قوة حتى تكون منضبطة لمنهاج يضعه رباني حتى لا تزيغ إلى عنف أو ضعف.

قومة رواحلنا تاجها المحسنون وذرعها المؤمنون ولباسها الأمة، ألا وإن غياب القومة الإحسانية يهدد مشروع رواحلنا التغييري بالانتكاس.

“ذهب الذاكرون بخير الدنيا والآخرة”، فجهاد رواحلنا ومجموع أعمالها يتغذى ب “لا إله إلا الله”، وبذلك يكون مناط قيام وسر توفيق قومة رواحلنا قيامها على “لا إله إلا الله”.

لابد أن تعرض إرادات رواحلنا على محك التربية، وإلا تحولت إلى اندفاع وحماس وإرادات طائشة ضعيفة أو عنيفة مخربة، فالتنظيم العنيف المبني على الاغتيال السياسي لا مبرر له ولا مستقبل.

ما ثم أعقل من رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم، ورواحلنا مصابة بشعب من الجنون ما لم تدخل في صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ما ثمة قومة بدون صحبة.

العارف بالله قرة عين الوجود.

الصيغة المثلى لقومة رواحلنا مقاومة صابرة، وحركتها حركة صدق لا تهرب من الميدان، قلوبها عالية الهمة وعقولها راجحة النظر.

فعل رواحلنا في التاريخ فعل مدهش كيف لا وهي من صناع التاريخ مصيرها لا ينفك عن مصير أمتها وهم ما بعد موتها لا ينفك عن هم انتصار دين الله واستمراره.

قومة رواحلنا يقظة إيمانية إحسانية ثم يقظة إيمانية جهادية ثم يقظة أمة.

حاملة هي رواحلنا وطدت العزم على السير في مشروع قومتها مهما كان الثمن.

(3)

ألا أبشري يا رواحل الخير، هذه الربانية عازمة والمبشرات تترى، وإنها لمسيرة حتى النصر.

هذا أوان الربانية والربانيين، هذا زمنهم، أزفت ساعتهم.

غدا يهرب الأدعياء من الميدان.

رغم تجند مواقع الاستخذاء والانحراف والزيغ والبلادة والتآمر لإيقاف هذا الزحف، فقد ُقدر للمعاني السامية أن تنتصر، وللأفكار الدنيئة أن تندثر، ولما لا تنتصر وهي التي تحمل في طياتها الأمل الباسم والمستقبل الزاهر والسلوك المتصل بحبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، عوضا عن الشقاوة المتسعة بلا حدود، واليأس المستشري في أوصال الحياة الكئود، والزور المعشش في القلوب، المنتشر في الساحات السياسية والمحافل الدولية، والضياع المطلق في دهاليز المادة والجحود.

عما قريب ينكشف الزيف، ويدخل النور الجحور المظلمة مؤذنا بفجر جديد.

ها هي ذي الجحافل تزلزل الأرض من تحت أقدام الأدعياء، و تدق أبواب الخلافة الثانية بكل قوة.

فلتذكر رواحلنا كيف كانت بالأمس حفنة تخاف أن تتخطفها الأجناس، وأصبحتم اليوم قوة صعبة المنال شديدة المراس، ألا فلتعلم أن الفاعل الله ولتجعل الشكر والحمد ديدنها.

ها هو ذا ركب رواحلنا تجمع، ألا فتدارك برحمتك هذه الجموع الملبية، ها هي ذي قد أتتك من كل حدب وصوب، اللهم فاقبل توبتها وأجر حوبتها، واجعلها أهلا لتأييدك ونصرك أنت القادر أنت الناصر لا إله غيرك ولا رب سواك.

اللهم إنا نبرأ إليك من حولنا وقوتنا فأدخلنا في حولك وقوتك. آمين.

المنابع:

1. رسالة تذكير، الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين، ص:7.

2. رواه الحاكم عن أبي هريرة.

3. المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين، ص:130.

4. نفسه، ص:130

5. أورده ابن سعد في طبقاته.

6. رواه أبو داوود والبيهقي والحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة.