أيكون قدرا على المغلوب أن يبرر ضعفه وانكماشه بدعاوى الانفتاح والتسامح ؟ أيكون إحساسنا بالدون والنقص إزاء الغير مدخلا للارتماء في أحضانه تحت مسميات مزيفة وبعيدة عن واقع الحال ؟

“نحلة الغالب” هكذا عبر عنها ابن خلدون في مقدمته، وهذا هو واقعنا بالتأكيد.. ما دمتَ مغلوبا وضعيفا فليس لك إلا أن تتبع سََنَن الغير وتقتفي أثر الغالب، ومن كان في يده سلاح التفوق فلا يعقل أن يتخلى عنه لمن هو دونه ولا أن يخضع له أ وينحني أمامه..

لا يختلف اثنان في أن ما عند غيرنا هي تلك العلوم التي فتح الله بها على من أخذ بأسبابها وطلبها بجد وبذل بسخاء في سبيل التحكم في مفرداتها وآلياتها.. ونظر وعلم وخطط وبنى ونمى وبحث وعبأ واستثمر وغالب الأنانيات والأهواء التي تعطل ركب التحديث والتقدم، وتقعد عن الاجتهاد والتعلم، لتتلف الوقت والمال في خرف وتلف العجزة من الحكام أ ونزق وفسق الصبية منهم.

غيرنا أيضا فيهم ومنهم الحمقى والطرْش.. لكن سوط الإعلام والصحافة الحرة عندهم، ومقصلة الرأي العام والقضاء المستقل بالمرصاد لكل من تجرأ على تعطيل آلة التقدم والرقي.

الكلمة الحرة والرأي الصادق الصادع بالحق هما أولى لبنات البناء السوي وهما الأساس والهيكل اللذان تقوم عليهما كل أسباب المنعة والقوة في حياة الأمم..

هدوء وحكمة

حظر الرئيس الإيراني الإصلاحي محمد خاتمي حفلا طلابيا في إحدى الجامعات بإيران، واستمع في هدوء وحكمة إلى تدخلات وتساؤلات وانتقادات واحتجاجات جموع الطلبة إناثا وذكورا، وخاصة ذوي التوجه الإصلاحي..وعابوا عليه خضوعه لإملاءات المحافظين وعدم وفاءه بعهوده الإصلاحية.. إلى غير ذلك مما آخذوه عليه، فماذا كان رده ؟ وهل تم إلغاء الحفل أ وطرد الطلبة لأنهم تطاولوا على رئيس البلاد في ظروف حرجة يتربص فيها العد والأمريكي بأمنها واستقلالها ؟ هل تشنج الرئيس وغضب هل أزبد وأرعد ؟ هدوء وحكمة هكذا كان رد فعل السيد الرئيس..!

وقال وهو يحاور الطلبة ما معناه : “.. حسبي من مساعي الإصلاح والتغيير أنني اليوم جالس بينكم استمع إليكم وإلى انتقاداتكم واستنكاركم وأرحب بسعة صدر بكل رأي مخالف.. “

درس بليغ في تقبل رأي الأمة في حاكمها وفي من اختارته وحملته مسؤولية رعاية مصالحها والحفاظ على أمنها وتحقيق الكرامة والرفاهية لأهلها.. وهي رسالة أيضا إلى الغرب وإلى حكامنا فيا ليتهم يعتبرون..يا ليت حكامنا يدركون أن ذلك من صميم ديننا.. مظهر من مظاهر الحكم الشوري.. مظهر.

زمان العمران

متى تقدمت عندنا العلوم وعرفت نشأتها وانتشارها وبلغت بالمسلمين آفاق الدنيا، اكتشفوا واخترعوا ووطنوا المعرفة.. وأخذوا عن غيرهم من الأمم وأضافوا وطوروا وأبدعوا وابتكروا ؟ متى عرفت حياتنا الثقافية العمرانية ذلك الازدهار المشهود المفقود اليوم ؟ متى كانت عواصمنا قبلة للعلوميين باحثين عن نظرية في الفلك والرياضيات والطب والكيمياء عند العلماء المسلمين أمثال البيروني والخوارزمي وبن سيناء..؟ كان هذا كله في زمان اشتغل فيه الجميع من أجل عمران الأرض بالخير وإشاعة رسالة الإسلام وتبليغ كلمة الله في كل لون من ألوان العلوم وفي كل صنعة وحرفة.. كان شغل الناس هو خدمة هذا الدين بكل ما أوتوا.. كانت تعبئة شاملة ويقظة عامة.. تعبئة بما هي بذل وتوجيه للإنفاق في سبيل البحث العلمي وترجمة مصنفات العلوم والمعارف وتعريبها.. وهذه حسنة تحسب لأصحابها من الأمراء والملوك آنذاك لا يعيبها إلا أصل ومصدر تلك الأموال الطائلة التي صرفت فيها.. من أين جمعت وكيف وعلى حساب من وماذا..؟

ويقظة بما هي اهتمام وتهمم بمصلحة الأمة من طرف علمائها ورجالها، وإدراك لقيمة العلوم في التنمية والتقدم والرخاء وفي السبق الحضاري والأخذ بأسباب ومقاليد السيادة والريادة.

كان عهدا مباركا رغم كل ما قد نوجهه إليه من انتقادات وملاحظات، كان عهدا مشحونا زاخرا بالإنتاج الفكري والعلمي في شتى المجالات.. كان عهدا منورا يقابله في الضفة الشمالية عهد ظالم مظلم غارق في الخلافات والحروب والتطاحنات والكروب..

لكن ألا يجدر بنا التساؤل عن سبب انقطاع ذلك العهد وانحراف سكته ووجهته ؟ هل نكتفي بسرد تلك المنجزات ونلهي ونعزي أنفسنا بالقول أننا كنا وفعلنا وصنعنا.. أليس من العيب أن نلتفت إلى الخلف نتغنى بما أثل أجدادنا ومواقع أقدامنا تهتز وتتزلزل من صخب وصراخ ما يصنعه اليوم غيرنا ؟ أليس من العجز أن ننتظر أن يفعل لنا وبنا ولا نفعل ؟

ما الذي كنا نملكه وضاع منا ؟ ما سر ذلك السمو وتلك العزة على الغير ؟ ألم تشهد تلك العهود أصناف من ظلم الحكام وجبروتهم مثلما يشهده عهدنا ؟ ألم تكن السجون غاصة بسجناء كلمة الحق كما هي مملوءة اليوم عندنا بمعتقلي الرأي ؟ ألم يطلق حكام ذلك الزمان حراسهم وشرطهم وعساكرهم للبطش بالقائمين لله الداعين إلى تحكيم كتابه والعدل في عباده كما يفعل بنا حكامنا ؟ فما وجه الاختلاف إذن ؟ وأين مكمن الداء فيما نحن فيه ؟

ظلم للعباد ووحدة البلاد..! عنف على المسلمين وشدة على الكافرين..! إسكات لكلمة الحق في الداخل ونشر لدعوة الإسلام في العالم..! مفسدة إزاء مصلحة.. شر يقابله خير.. هذا هو الفرق بين الأمس واليوم..لأجل هذا أفتى القاضي الماوردي بجواز بيعة الغالب بالسيف..ولأجل هذا سكت شيخ الإسلام بن تيمية عن عربدة بعض من جاهر بالمنكر في بلاد المسلمين.. لأجل هذا صبر من صبر وتغاضى بعض من تغاضى عن فساد الأمر وانتقاض عروة الحكم، أولى عرى الإسلام انتقاضا كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أملا ورجاء في أن يتشبث الناس بالتي تليها..كان هناك إسلام، كانت هناك وحدة وانجماع وشوكة للمسلمين واندفاع..

في الأمس كان للإسلام حضور وظهور.. كانت له صولة وجولة في كل مناحي حياة الأمة، لم يكن صلوات ودعوات تقام وتتلى في المساجد وكفى، لم يكن الإسلام دعوة إلى الخلاص الفردي في معزل عن هم الناس.. هم المسلمين الذي يأثم بل يكاد يبعد من لم يتهمم به ويهتم.. هذا في الأمس !

رأس الأمر

واليوم.. ما خبرنا ؟ ماذا من أمرنا ؟

أمرنا ورأس أمرنا الإسلام.. وإنه والله مهما بلغ غيرنا من رقي وتقدم في هذه الحياة الدنيا، ومهما علوا في الأرض ومهما بنوا وشيدوا، ومهما اخترعوا وطورا، ومهما ومهما.. فوالله ما لهم في الآخرة من خلاق ومالهم عند الله من حظ ولا عناق..ما لهم من نظرة ولا سرور..ما لهم من فرحة ولا حبور بل هو الويل والثبور والعار والشنار إن لم يتوبوا إلى الله ويدخلوا في دين الإسلام كافة.

وما خبرنا نحن أهل الإيمان..؟ فإنه والله مهما صلينا وصمنا، ومهما زكينا وزرنا، ومهما سبحنا وحمدنا، ومهما هللنا وحوقلنا..فإنه لا مكان لنا ولا موطئ تحت الشمس بين أمم الدنيا إن نحن تنحينا وانزوينا نطلب العافية وظلال الراحة..لا موقع لنا ولا إشراف إن نحن آثرنا أن نرتع في السهول وقعدنا عن بلوغ المرتفعات.. لا ذكر لنا في كتب الناس وسيرهم إن نحن تركنا غيرنا يصنع التاريخ ويخطه بمداد الجد و” العلم ” والعمل.. لا خبر لنا هنالك ولا أثر..!

رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد.

فأي إسلام إسلامنا ؟ وأي صلاة نقيم ؟ وأي جهاد نقود ؟

أمرنا موصول أوله بآخره، ولا يصلح آخر وخلف هذه الأمة إلا بما صلح به أولها وسلفها.

ورث الخلف.. ورثنا، واقعا تكرس فيه الظلم والعنف وتكميم الأفواه وإسكات كلمة الحق والفساد في الأرض.. وقد كانت هذه المظاهر جزء من الماضي أيضا، لكن تعمقت في حاضرنا ونشأت عنها أسباب الفرقة بين المسلمين والتشتت والتشرذم حتى أصبحت دولتهم أقطارا ود ويلات وأمصارا وإمارات، يتسابق حكامها ويهرولون إلى موالاة الكافرين والركون والسكن إليهم.. فأصبح همهم البقاء وحرصهم على البقاء وتدبيرهم وتخطيطهم من أجل البقاء، صاروا يطلبون الفناء لغيرهم كي يبقوا على أنفسهم وعلى مكتسباتهم وحظواتهم..

فهل سيقوم قائم لطلب العلم وأسباب التقدم والتحديث؟ هل سيلتفت الناس عن واقع الظلم والجبر ويطلبون العزة والكرامة للأمة ؟ لا يمكن للمظلوم المكلوم أن ينهض ويستنهض إلا طلبا لبقائه.. لا يمكن للمشتت غير المضموم أن يتعلم ويعلم إلا جريا وراء لقمة عيش تضمن حياته وتحفظ ماء وجهه من ذل السؤال ومهانة العطالة، لا يمكن للمبتور مكسور الجناح أن يعبئ ويبدع وينمي خدمة للأمة، والناس كلهم من حوله يسألون في خويصة أنفسهم السلامة لحالهم الخاص والعافية لمآلهم بين الناس، بعيدا عن الناس ليس معهم ولا في صفهم ولا في زمرتهم.

عقبة ومطلب

صار مطلب الأمة هو البقاء، وحرصها على البقاء، وتدبير أبنائها وتخطيطهم من أجل البقاء..!

مطلب ليس في مواجهة العد والخارجي الذي يتربص بالأمة ولما يستنفذ بعد ويقنع بكل ما غنمه ويغنمه من خيراتها ومواردها المادية والبشرية.. يا ليت الأمة لم يبقى أمامها سوى العد والكافر المتمثل في أمريكا وأذنابها في الشرق والغرب، يا ليتها كُفيت جبهتها الداخلية وتفرغت لمعالجة أسباب ووسائل التخلص من قبضة الاستكبار ” الصهيوأمريكيوروبي”.

البأس بين أبناء الأمة، فكيف لها أن تتخلص من هذا العائق الوباء ؟ كيف لها أن تقتحم هذه العقبة الكأداء ؟ كيف لها أن تنهي وتستأصل هذا العدو الداء ؟

هذا هو المطلب الذي ينبغي أن يشتغل به أبناء أمة لا إله إلا الله، هذا هو إسلامنا الذي بُعثنا به، وهذه هي نفحات وبصمات صلاتنا، وهذه هي دروب وجولات جهادنا..أُفني زهرة عمري وأمرغ وجهي في تراب الكد والبناء والعمل الجاد المتواصل المتصل الموِصل إلى درجات العزة والكرامة لهذا الشعب الأبي، أسعى إلى التأليف والتوحيد والجمع والانْجِماع على هم الله خالقنا ورازقنا، وهم الدنيا التي فيها معاشنا وهم الآخرة التي إليها معادنا.. أغدو وأروح، وأعلن وأضمر، وأصدع وأسر بالحق لأهل الحق، أمد إليه يدي أسعفه وأعينه وأرعاه وأجيره.. ولأهل الباطل، أضرب على يديه أنهاه وأمنعه وأنهره وأنصره..

لا ينهض إلى هذا المطلب من كان نكرة عديم الثقة، إمعة فاتر الهمة، لا يغد وإلى هذا المسعى من كان متكبرا حلس أنانيته، متطرفا حبيس مذهبيته، لا يغري بالاتباع والاقتداء من كان حاله ميوعة ودعة، ومقاله بضاعة مزجاة وجعجعة..

جماعة العدل والإحسان بادرت وما زالت تبادر، وحاولت وما زالت تحاول، ولن يثنيها كيد الحاكم الظالم ولا حصار الغاشم المستكبر، ولن يقعدها قعود القاعدين، ستواصل وستستمر، وستطلب وتطالب وتسعى وتدعو، وتجمع وتدافع حتى يجعل الله أمرا كان مفعولا.

نعم جماعة العدل والإحسان تريد هذا وتفعله وتخطط له وتعبئ، جماعة العدل والإحسان تدعو وتنادي إلى ما يعيد للشعب كرامته وحريته، وللأمة عزها وسؤددها، تفعل هذا في هدوء وحكمة، وهي ماضية إلى الأمر ورأسه الإسلام، وإلى العمران في الأرض ولحمته المحبة والأخوة في الله، فاللحاق اللحاق، السباق السباق إلى مرضات الله وجنة عرضها السموات والأرض فلا ينفك في عرف وتصور ويقين الجماعة مطلب العزة في الدنيا عن مطلب جنة المأوى “ومن يتوكل على الله فهو حسبه” ولا حول ولا قوة إلا بالله.