لله الحمد، وله الشكر على ما أعطى وتنعم، وتفضل وتكرم. فهذه جماعة العدل والإحسان يعلو صوتها يوما بعد آخر، رغم كيد الكائدين، وحقد الحاقدين.

أذكر ويذكر العديد من الإخوة والأخوات في جماعة العدل والإحسان، أننا في الأمس القريب، في عقد الثمانينيات، كنا ناذرا ما نجد حديثا عن الجماعة في الإعلام، الوطني أو العربي أو الدولي، المكتوب أو المسموع أو المرئي. وإذا ما وجدنا ذلك كنا نبتهج أيما ابتهاج، ونفرح أيما فرح. كيف لا والجماعة مستضعفة مضطهدة..؟

الحمد لله الذي جعل أمر المؤمنين كله خير، وجعل في طيات كل نقمة نعمة، بل نعم. فجعل في نقمة اعتقال مجلس الإرشاد، سنة 1990، نعمة حضور الجماعة دعويا وسياسيا وإعلاميا..

كانت قصاصات الأخبار حول الاعتقال، وحول حضور أعضاء الجماعة للمحاكمات، وأشكال القمع التي يتعرضون لها … بداية تساؤل العديد من الناس: ماذا يعني مجلس الإرشاد؟ ومن هو الأستاذ عبد السلام ياسين؟ وما هي جماعة العدل والإحسان؟ … أسئلة وغيرها قادت العديد من الصادقين إلى الأحضان الإيمانية للجماعة، بعد أن شاهدوا السمت الحسن، والثبات على المواقف.

ومن لم يشكر الناس، لم يشكر الله، فالشكر، جزيل الشكر، لتلك المنابر الإعلامية، المحلية والدولية، التي تحدثت وتتحدث عن الجماعة.

بعد أن اشتد العود التربوي والتنظيمي والفكري للجماعة، حاولت من جديد إيجاد منابر إعلامية لها، وذلك بعد الوأد المبكر لمنابرها السابقة؛ مجلة الجماعة وجريدتا الصبح والخطاب. وكانت المنابر الجديدة: جريدتا “العدل والإحسان” و”رسالة الفتوة”، لكن سرعان ما سيتعرض هذان المنبران الجديدان، هما الآخران، لتسلط المتسلطين.

تسلط الغباء

“حين يحكم الغباء” كان هذا عنوان افتتاحية أحد أعداد جريدة العدل والإحسان، التي لم تعمر إلا بضعة شهور، ليس بسبب تقصير أصحابها أو عجزهم، ولكن بسبب تسلط الغباء. أما “رسالة الفتوة” فتاريخها القصير، حافل بأشكال المنع والقمع الممارس ضدها. لم يكتف الحاكمون بتعليمات المنع؛ منع المطبعات من طبع الجريدة، وشركات التوزيع من توزيعها، رغم احترام رسالة الفتوة لمختلف القوانين المعمول بها، ورغم عدم ارتكابها لأية مخالفة قانونية أو سياسية … لم يكتفوا بذلك ولكن تعدوه إلى السطو على إحدى المطبعات التي أرادت تحدي التعليمات.

توقفت رسالة الفتوة عند عددها الثالث والثلاثين، وانتقلت إلى مرحلة الطبع بـ”الأوفسيت” قبل أن تتوقف من جديد؛ بسبب السطو المتكرر.

وأثبت المنع المبكر للجريدتين فعلا “حكم الغباء” بهذا البلد. أليس من الغباء محاولة منع صوت جماعة صامدة بمرشدها ورجالها ونسائها، متوكلة على الله، مصممة على تبليغ دعوته، مهما كان الثمن، ومهما بلغ الأذى؟ أليس من الغباء محاولة تكميم الأفواه في عصر ثورة الاتصالات، التي حطمت فيه الأقمار الصناعية والمقعرات والأنترنيت كل الحدود والقيود؟

توقفت جريدة العدل والإحسان ورسالة الفتوة لكن لم يتوقف الحضور الإعلامي للجماعة، إذ لا يمر أسبوع إلا ويكون ذكرها في الإعلام، الوطني أو الدولي، المرئي أو المكتوب. وحتى لا يبقى الكلام على عواهنه أسوق مثالا  مجرد مثال- على ذلك؛ رصد لأخبار الجماعة في بعض الجرائد الأسبوعية المستقلة الصادرة في الآونة الأخيرة. رصد سريع مع شيء من التعليق للتوضيح.

الرؤى والخلافة وقضايا أخرى

تحدثت أسبوعية “الأيام”، كعادتها، في عددها الأخير عن الجماعة، ففي صفحتها الثالثة أوردت خبرا حول التهنئة التي وزعها أعضاء الجماعة على الناس، بمناسبة عيد الأضحى، وللتذكير فهذه ليست المرة الأولى التي تقوم فيها الجماعة بهذا العمل، ثم إنه ليس العمل الوحيد الذي تقوم به في مثل هذه المناسبات. إلا أن ما يثير الاستغراب في الخبر هو ذلك الربط بين العيد والشواطئ، فمما جاء في عنوان الخبر: “”كارط بوسطالات” بدل حرب الشواطئ”. بكل صدق لم أجد تفسيرا لهذا الربط، وأعتقد أنه لو كانت أضحية المسلمين في العيد سمكة وليست كبشا لكان الربط بين الأمرين ممكنا.

وفي صفحة “أصداء الأيام” رصدت الأسبوعية مقالين حول الملف، الذي سبق نشره حول جماعة العدل والإحسان والرؤى؛ مقال حول رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومقال يتساءل صاحبه في عنوانه: هل يصح بناء الأحكام والاستراتيجيات على الرؤى؟ ولا يسمح المقام لمناقشة المقالين، ولكن أسوق ملاحظتين أساسيتين يمكن لكل قارئ بسيط أن يسجلهما:

أولا: دافع صاحب المقال الأول عن رأيه، وحجته في ذلك رأي أحد علماء المسلمين؛ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى، مع العلم أن هذه القضية الهامة تحدث فيها علماء آخرون، لهم رأي آخر، كالإمام السيوطي رحمه الله وغيره.

ثانيا: في المقال الثاني وإن لم تذكر جماعة العدل والإحسان بالإسم فإن سياق الموضوع يفيد وكأن الجماعة تبني أحكامها واستراتيجيتها على الرؤى. ولعل كاتب المقال التبس عليه الأمر، بسبب تلفيق الملفقين، وكذب الكاذبين، فالمقولة التي يحفظها كل أعضاء الجماعة هي أن “الرؤيا تسر ولا تغر”، والمنهاج النبوي يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن الرؤى لا تبنى عليها أحكام أو استراتيجيات أو شئ من هذا القبيل.

والذي ينبغي لفت الانتباه إليه هو أن الحديث الإعلامي عن الرؤى من خلال صفحات “الأيام” انتقل من اعتبار الرؤيا خرافة إلى تأكيد أهميتها ومكانتها في ديننا. فبعد أن كان النقاش حول حقيقة الرؤى أصبح  كما هو الحال في المقالين المذكورين- حول تفسيرها وأثارها، وهذا في حد ذاته أمر هام لا نملك إلا أن نشكر أسبوعية الأيام  التي أثارت الموضوع- عليه.

وفي العدد الأخير لأسبوعية الصحيفة كان الحديث عن الجماعة في سياق الحديث عن التمويل الأجنبي للأحزاب وللحركة الإسلامية، إلا أن الحديث هذه المرة لم يكن تاما، ربما لأسباب تقنية محضة، ونلتمس العذر لطاقم الصحيفة الذي عودنا الجرأة في التحليل والنقاش.

وسياق الحديث يفيد أنه لا علاقة للجماعة بالتمويل الأجنبي، ولعل هذا ما توضحه هذه الفقرة المبتورة: “وبغض النظر عن إصرار تلك الحركات على نفي تلك التهمة وحرصها على تأكيد استقلاليتها اتجاه الخارج، فإن الوقائع التي تؤكد وجود مثل هذه العلاقة المالية تكاد تكون منعدمة.

وهذا ما يفسر كيف أن أحد الباحثين عندما حاول البحث في مصادر تمويل أقوى هذه الحركات (العدل والإحسان)”.

أما أسبوعية البيضاوي فقد نشرت في عددها الأخير مقالا بعنوان: “في رسالة له: الشيخ ياسين يكشف عن معالم دولة الخلافة”؛ وهو عبارة عن تلخيص لموضوع سبق أن كتبه الأستاذ عبد السلام ياسين في المنهاج النبوي بعنوان “القيام في حدود الله”، ومعلوم أن المنهاج النبوي كتب في بداية عقد الثمانينات الأمر الذي يفند ما ذهبت إليه الجريدة، بأن الموضوع رسالة وله علاقة بالحديث عن تحولات 2007 التي يتحدث عنها أعضاء الجماعة حسب زعم “البيضاوي”! ومع ذلك لا يملك المرء إلا أن يشكر الجريدة عن تلخيصها لذلك الموضوع الهام، الذي لا شك سيفيد كل من قرأه بيقظة وانتباه.

ونشرت أسبوعية المستقل استجوابا قصيرا مع الأستاذ فتح الله أرسلان، الناطق الرسمي باسم الجماعة، تحدث فيه عن الأزمة السياسية، وعن الحكم بالمغرب (انظر تصريحات واستجوابات).

هذا بعض وليس كل ما ورد عن الجماعة في الصحافة المكتوبة خلال هذا الأسبوع، فشكرا للإعلام المستقل، رغم بعض “خرجاته” المجانبة للصواب أحيانا. شكرا لـ: “الأيام، و”الصحيفة”، و”البيضاوي”، و”المستقل”، وتبا لـ”حكم الغباء” الذي حرم الجماعة من حقها الإعلامي ظلما وزورا.

الحضور الإعلامي لا ينفي مظلومية الجماعة

هذا الحضور الإعلامي للجماعة، رغم حصارها والتضييق عليها، يؤكد أهميتها، ويشهد على قوتها الفكرية والتنظيمية والدعوية. والظلم، أبشع الظلم، أن تمنع الجماعة من حقها الإعلامي، ومن منابرها الخاصة.

جماعة العدل والإحسان من المجتمع وإليه، وهي دعوة إلى الله عز وجل، أس أساس منهاجها التغييري الرفق والرحمة بالمسلمين والناس أجمعين. وهي تريد أن يكون لها الحق في الكلمة المباشرة حتى تنفذ إلى القلوب والعقول، كلمة صادقة صافية لا شائبة فيها. وبون شاسع بين أن تقول الجماعة وبين أن يقال عنها.

وإلى الله المشتكى، وإليه العقبى.