أصبح الجميع يدرك أن العالم يعيش أزمة تواصلية بين عالم يعطي لنفسه الحق في الهيمنة والسيطرة ويدعي التقدم والرقي، ويعتبر غيره في مرتبة دونية يفرض عليه القرار والتلمذة والخنوع& وعالم سلب حقه في الاختيار والتوجه وحق الاختلاف لتقرير وجهته وتخطيط تنميته وبناء شخصيته الفردية والجماعية.

من هذا العالم من يرضى بهذا الوضع المأزوم، ومنه من يرفضه فيدخل في أشكال متنوعة من الصراع ويبرر رفضه للهيمنة بالتقوقع على الذات ويرفض الآخر.

حالة مرضية يجب تطبيبها بانفتاح ورفق وتؤدة دون الدخول في الفعل المهيمن وردود الفعل المنغلقة. حاجتنا إلى الانفتاح على الآخر وتفاهم معه في علاقة سليمة لا تلغي الاختلاف ولكن تحترمه.

فالتواصل الإنساني هوالذي يحترم الإنسان في كونه مخلوقا مكرما عزيزا، بينما التواصل الحضاري هوالذي يحترم الحضارات وأنماط العمران المتنوعة التي تصبح رصيدا لكل الناس، تخرجهم من ضيق الانتماء إلى العشيرة والقرية والبقعة الأرضية إلى أفق التفاعل الإنساني الذي هورصيد وحق لكل الناس.

لكن في أفق الإنسانية في عصرنا هذا، تتأرجح الأفكار بين صراع الحضارات وحوارها.

فمنهم من يعتمد الصدام ضروريا للبقاء للأفضل معتمدين المبادئ الأربعة التالية:

– الديانة هي المعيار للتمييز بين الحضارات.

– حتمية صدام الحضارات.

– الإسلام العدوالأول.

– الخصوصيات ومختلف الحيثيات.

ومنهم من يعتبر الحوار أساسيا للتعايش والتفاهم واحترام الخصوصيات ومختلف حيثيات الوجود والاختيار. وكلا الاتجاهين يعتمد أسلوبا يظن أنه الكفيل بتحقيق إنسانية الإنسان وخصوصيات الحضارة وبناء الرسالة التي تضمن الرقي والكرامة. إذا ما تحقق هناك حوار، فإن ظروفه غير متكافئة. فشروط الإصغاء منعدمة وظروف التفاهم غير متوفرة. الأزمة متجذرة في التاريخ والحاضر والمستقبل. والأفق يفرض علينا وضع القضية في إطارها الصحيح الذي يفتح آفاقه مفهوم “التدافع” الذي يضمن صلاح العالم والإنسان.

“التدافع” مفهوم قرآني يلغي الإيحاءات الفلسفية الجاهزة على الأرض لكل مبادرة يختلف طيفها عن المنظار الممنوح، واتهام الآخر بالعنف والتطرف والإرهاب.

” التدافع” لا يعني العنف، ولا يعني الهجوم والتحامل والإقصاء والرفض الأعمى.

“التدافع” قاعدة قرآنية ومفهوم رباني يضمن إعلاء القيم الإنسانية وإلغاء الرذائل البشرية التي تهبط بالإنسان إلى درك الحيوان. قال الله تعالى:” ولولا دفاع الله الناس بعضهم لبعض لفسدت الأرض” [البقرة: 249].

بعد الإشارة إلى الصراع والحوار بين الناس في المجتمعات بدوافع مختلفة أفرزت جوا من التوتر والتنافر بين الأمم والأفراد، نبدأ أولا بإبراز الحاجة إلى التواصل ونصنف أنماطه لنضع لبنات أفكارنا على أسس علمية من أجل المساهمة في بناء المشروع المجتمعي المتكامل.

إذا كانت الظاهرة التواصلية تدخل في صميم الحياة البشرية منذ أن وجد الإنسان فوق الأرض ثم شرع في تنظيم حياته الاجتماعية داخل “الجماعة”، فإن دراسة هذا الموضوع لم تطرح على بساط البحث إلا بعد الحرب العالمية الثانية. لكنها عرفت تطورا سريعا بدفع من علوم إنسانية عديدة كعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم الأجناس& كما أن هذا التطور تزامن أيضا مع الثورة التكنولوجية التي أوجدت ” أسواق الاتصال التكنولوجي” تعج بـ”منتوجات اتصالية” كثيرة الأشكال ومتعددة الوظائف أسرت الإنسان وسحرته ببريقها وحاصرت ملكاته وقدراته الإبداعية في شيئيتها.

ويمكن حصر المعطيات الرئيسية التي شرع فيها الاهتمام بالظاهرة التواصلية في سنوات الأربعين، حيث بدأ علماء النفس الاجتماعيون يشعرون بأهميتها كظاهرة اجتماعية ملحة بإمكانها معالجة قضايا الفرد والمجتمع، فالإنسان دائم البحث عن علاقات اجتماعية لدرء الأخطار وتسهيل اقتحام العقبات، وهذه الحاجة أوالرغبة دفعت الإنسان منذ القدم إلى بناء المجتمعات وسد الحاجات. أما اليوم، نسج هذه العلاقات الاجتماعية والرغبة في تحقيق العلاقات الإنسانية تعترضها صعوبات بسبب ظروف الحياة المعاصرة التي طغى فيها حوار الصم وحب الأنا&

لكن التجارب والأبحاث لم تكن متوفرة قبل ظهور دراسات “الشانون” سنة1949. كما نشير إلى أن القسم الأكبر من الأبحاث الهامة جاء من خارج مدارس العلوم الإنسانية، وبالأخص من جهــود المهندسين والرياضيين أمثال” وينز” و”شانون”. وبعد الخمسينات ظهرت تعابير ومصطلحات جديدة مثل: الترميز- الأنباء  جهاز الإرسال- الاستقبال- شبكات الاتصال&

ومن جملة الأبحاث في هذا الموضوع كذلك، نذكر أبحاث”مورينو” التي ركزت على أهمية التواصل والتفاعل الإنساني ضمن الجماعة. ثم أبحاث “لوين” وهوعالم أمريكي، جاء بنظرية الحقل النفساني الذي يضم الشخص وبيئته السيكولوجية المرتبطة بدوافعه والحاجات الراهنة. إضافة إلى ذلك اهتم “لوين” بدراسة جوالجماعة(العصبة) وتأثير ذلك على السلوك.

وفي الستينات حاول علماء النفس دراسة مسألة التنافر والتماسك داخل الجماعة وتوصلوا إلى أن الشخص حيال التنافر المتزايد يبحث عن الانباءات المتناغمة لفحص التوتر وإزالة التنافر. ومن أهم رواد هذه الدراسات”تشاشتر” و”فستنر” اللذان خلصا إلى أن التنافر الحاصل بين أفراد العصبة ما هوإلا ظاهرة طبيعية وخاصة إذا أدى في النهاية إلى الاتفاق وحل المشكلة.

بعد أن أفرزت العولمة المعاصرة القطب الأوحد الذي يواجه “محور الشر” لدوافع سياسية واقتصادية، وأسست خريطة العالم الحداثي الذي يوظف المجتمع المدني لدوافع اجتماعية وثقافية، كشفت أبحاث حديثة عن الحاجة إلى التواصل لتجاوز الأزمة وتأسيس مجتمعات سليمة، خاصة بعد انفضاح أزمة العراق وتوزيع الأدوار لاحتواء قضية فلسطين، ومحاولة تشويه صورة الإسلام&

فأهمية التواصل لا تنحصر فقط في كونها حاجة نفسية بل في كونها ضرورة لتحقيـــق التوازن في الشخصية. ذلك أن اضطرابات السلوك قد ترجع إلى الاضطراب الحاصل في عملية التواصل بحد ذاتها وما تحمله من بيانات لا تساعد على تحقيق التوازن في الشخصية.

ومن الملاحظ دائما أن الأمراض النفسية تتكاثر في المجتمعات الحديثة وترتفع نسبتها، وهذا قد يعود إلى اضطراب العملية التواصلية وإلى كابوس العزلة والانفصال.

يقول “دانس”: “إنه سبق ولاحظت لدى بعض المرضى انهيار أجهزة الاتصال لديهم من جراء هذا العبء الزائد ” والعبء الذي يتحدث عنه “دانس” هوعبء وسائل الإعلام أوالاتصال الحديثة .

هذا لا ينفي مع ذلك كون التواصل يشبع حاجات نفسية كثيرة من خلال الأحاديث مثلا، أوأن يتخذ شكل التسلية أوالرغبة في التأثير أوالتباهي. وقد يكون الشخص بحاجة إلى إظهار القوة الكلامية أوبحاجة إلى التشجيع من الآخرين. كما يساعد أكثر على التفاهم ويوفر السرور والتعبير عن الذات (في المحادثة) كما يؤدي إلى تفريغ التوترات ويلعب “دورا تطهيريا”.