لعل “”””””””الدينامية”””””””” التي بدأت تعرفها الكتابة حول العمل الجمعوي في السنوات الأخيرة، نابعة بالأساس من إفراز مبدئي يتميز به الحقل الثقافي، واتفاق جماعي على أنه يمر بمرحلة حرجة من تاريخه، وهو ما اصطلح على تسميته بـ””””””””أزمة العمل الجمعوي”.

لقد عرف العمل الجمعوي تراجعا خطيرا على مستوى المردودية والتنظيم، في الوقت الذي عرفت فيه الجمعيات انتشارا كبيرا، الشيء الذي ساهم في تكريس المفهوم الذي تسعى الإطارات الرسمية لترسيخه حول اعتبار الجمعية مكانا لتزجية وقت الفراغ وفضاء لملء الوقت الثالث لا غير.

وإن تأسيس فعل جمعوي جاد على مستوى المردودية والتنظيم يستدعي بدءا وجود تصور عام للعمل المتفق عليه بشكل كلي يحدد الهدف الأسمى للعمل الجمعوي، أو بشكل أدق، الإجابة على سؤال: ماذا نريد؟

حين يتم الاتفاق على هذا التصور، يجب التفكير في إمكانيات الجمعية الذاتية والموضوعية، على أن الممارسة الجمعوية باعتبارها عملا مباشرا مع الواقع هي الكفيلة بتطوير هذا التصور الجمعوي بالأرضية الثقافية التي تبقى آخر المطاف محددا يسعى إلى بوصلة العمل داخل الجمعية.

إذن لإنجاح هذا الفعل الجمعوي، لا بد لهذا التنظيم أو هذه المؤسسة الجمعوية من مواصفات تكون بمثابة قواعد وركائز تعتمد عليها الجمعية لتكون في مستوى المسؤولية من حيث العطاء.

ومن بين هذه المواصفات نذكر على سبيل المثال:

1- دراية بالأمور القانونية:

فالحديث عن العمل الجمعوي، أو عن تأسيس جمعية تربوية، ثقافية، فنية& يحتم علينا مسبقا أن نكون على دراية بالأمور القانونية، وبالخصوص قانون تأسيس الجمعيات أي الظهير رقم 376-58 الصادر في 3 جمادى الأولى 1378 الموافق ل 15 نونبر 1958 الذي يضبط بموجبه الطرق القانونية لتأسيس الجمعيات كحق من حقوق الأفراد. وكذا الاطلاع على تعديل هذا القانون الذي يحمل رقم 283.73.1 بتاريخ 6 ربيع الأول 1393 موافق 10 أبريل 1973، وكذا التعديل الأخير الذي يحمل رقم 75.00 بتاريخ 12 جمادى الأولى 1423 الموافق لـ 23 يونيو 2001.

فمعرفة هذه القوانين ومقارنتها والإطلاع على محتوياتها، يحدد لنا معرفة:

*الطرق القانونية لتأسيس الجمعيات.

*شروط العمل في الحقل الجمعوي.

*أنواع الجمعيات المعترف لها بصيغة المصلحة العمومية.

*الفرق بين الجمعيات (الجمعيات الاتحادية  الجامعات  الأحزاب السياسية-الجمعيات ذات الصبغة السياسية….).

بالإضافة إلى ذلك، يجب كذلك معرفة علاقات الجمعيات مع باقي التركيبات الوطنية. أي معرفة:

*العلاقة مع وزارة الشبيبة والرياضة (الوزارة الوصية):

*التعامل مع الجمعيات على قدم المساواة.

*طلب المنحة.

*الحق في المخيمات الصيفية والتداريب التكوينية.

*علاقة الجمعيات مع الجماعة الحضرية (الاطلاع على ظهير سنة 1976)

*علاقة الجمعيات مع إدارة دار الشباب.

*حق مزاولة الأنشطة والحق في الاجتماعيات الدورية.

*الحق في حضور اجتماعات مجلس دور الشباب.

– علاقة الجمعيات مع وزارة التربية الوطنية: عقد شركات واتفاقات.

– علاقة الجمعيات فيما بينها: تنسيق  توأمة….

ثم بعد ذلك، لا بد من مواكبة المستجدات والتعديلات التي قد تحصل في القوانين المتعامل بها والمتعارف عليها الخاصة بالحقل الجمعوي.

2- تدبير إداري ومالي جيد:

لوصف جمعية ما بأنها ناجحة، لا بد أن تكون محكمة التنظيم داخليا، أي أن تكون منظمة على مستوى ما تتطلب منها المرحلة الدقيقة سواء لإنجاز مسؤولياتها الجادة أو لتحقيق وجودها الفعلي انطلاقا من القولة: “إما أن تكون أو لا تكون”.

أ- الجانب الإداري:

من الأمور التي تساعد الجمعية لإنجاح عملها ومن تحقيق هدفها الذي رسمته هو ترتيب البيت/لإدارة.

لا بد من مسألة التوثيق لكي لا تبقى ممارستها رهينة بالمنطق الشفوي. فالتوثيق له صلة قصوى بالأزمة الذاتية للعمل الجمعوي إذ هو مظهر من مظاهر هذه الأزمة، لعله في غياب التوثيق يحضر النقاش الشفوي الذي-وإن كان جادا- لا يسمح بأن يكون مادة للنقد والنقاش والتحاور.

لماذا التوثيق إذن؟

*لنقل عملنا الجمعوي من ذاكرته الشفوية إلى الذاكرة المكتوبة.

*لتطوير تجربة الجمعية وأشكال عملها إذ أن أي تقييم لا يمكن أن يجد مشروعيته إلا على أساس توثيق العمل: فكرة وتخطيطا وإنجازا.

*رفع مستوى الأطر والمرشدين، وذلك بإتاحة الفرصة لهم بالرجوع إلى ما يوثق لمعرفة مختلفة نشاطات ومنجزات الجمعية وجعلهم أمام مسؤولية النقد والتطوير.

*تكوين أرشيف الجمعية يكون خير شاهد على غنى التجربة أو فقرها.

*توثيق المراسلات في سجلات خاصة لذلك (صادرات- واردات).

*ضبط التقارير المالية والأدبية عند الإنهاء من كل نشاط.

*الحفاظ على ممتلكات الجمعية والحرص على عدم استعمالها في الأمور الخاصة أو الشخصية.

*تسجيل وتسمية ممتلكات الجمعية في ملف خاص لذلك.

ب-الجانب المالي:

تحسين أداء الجمعية رهين بتحسين ماليتها والعمل إلى تطوير مواردها وجعلها قارة، إذ لا يمكن إنجاز المشاريع وتوفير الحد الأدنى من التجهيزات الضرورية لعملها الإداري وصياغة برامجها الإشعاعية والإعلامية بدون رصيد مالي كاف.

وحرصا من الجمعية على استقلاليتها المادية كثابت من ثوابتها المبدئية، ولكي تتجاوز الطريقة التقليدية في تدبير ماليتها وتتغلب على حالة الاحتياج الذي قد تتخبط فيها، لا بد من الوقوف عند أهم المعوقات التي قد تعرفها الجمعية، منها:

– ضعف الموارد: إن المورد الأساسي للجمعيات ظل إلى اليوم يعتمد على المبالغ المالية من بطاقات الانخراط، مما يحد من تنويع هذه الموارد ولن يكون له وزن في مالية الجمعية.

– غياب استراتيجية لتنويع المداخيل: وذلك أن الجمعيات تقتصر في أنشطتها في هذا المضمار على مبادرات محدودة لا يكتب لها النجاح لأنها لا تندرج في خطة مدروسة يتجند لها الجميع ويساهم فيها بفعالية. لذلك أصبح لزاما على الجمعيات تسطير برامج معقلنة مضبوطة وتنويع المداخيل. ينتج عنها توازنا ماليا قارا يسمح بتطوير الفعل الجمعوي والارتقاء به.

3- تقوية القدرات التواصلية:

إن كل مؤسسة تعمل في الميدان الاجتماعي أو التربوي، لهي في أشد الحاجة إلى التواصل سواء داخل هياكلها التنظيمية أو خارجها، أي في علاقاتها مع الآخرين من أفراد وجماعات، هي في حاجة إلى ما يمكننا تسميته بالتواصل الأفقي العمودي.

وفي غياب هذا المفهوم، أي التواصل مع الآخرين، لا يمكننا أن نطور مفاهيمنا وأفكارنا ونوحد وجهة نظرنا في موضوع ما. كما أنه لا يمكننا أن نخبر الآخرين داخل المجتمع، الذي نوجد فيه ونعمل من أجل رقيه، عن أعمالنا ومشاريعنا ومقترحاتنا.

إن الفرد بطبيعته الإنسانية ذو غريزة تحفزه وتدفع به إلى طلب المعرفة والعلم كضرورة ملحة ومستمرة. هذه الغريزة أصبحت اليوم حقا معترفا به بين الشعوب، وذلك من أجل التواصل والتحاور مع الآخرين الذين يشكلون المجموعة البشرية. تلك المجموعة التي تجمعها وتربطها علاقات وخصوصيات وربما مشاريع مستقبلية. من المبادئ التوجيهية في تقوية القدرات التواصلية:

*الانفتاح على الفكر التربوي والثقافي لدى الآخر، والتجارب الإنسانية في العمل التربوي والثقافي من خلال تفعيل التكوين الذاتي.

*الدعوة إلى موائد مستديرة ومناظرات كلما سنحت الفرصة لذلك.

*التفكير في تطوير آلية التواصل وتنمية شبكة العلاقات بدءا بآباء وأولياء الأطفال وانتهاءا بالعلاقات الدولية التي ينبغي استثمارها في نقل التجارب والخبرات.

*القيام بمبادرات أوسع لضمان حضور مستمر في الفضاء الجمعوي.

*ربط علاقات تواصلية مع جمعيات ومنظمات حكومية وغير حكومية.

*استضافة بعض الوجوه في الحقل الجمعوي.

*إنشاء مؤسسات للإعلام (مجلات حائطية-نشرات إتصال داخلية للأطر-نشرات خاصة بالتكوين-كتابة مقالات  مراسلة الجرائد….).

4- توسيع دائرة النشيطين في الجمعية:

هنا يأخذنا الحديث إلى وضع تصور عام بشكل يوزع المهام الملقاة على الجمعية كمجال تربوي/ثقافي مساهم في التطوير والإبداع باعتبار لمرجعية الأهداف، واعتبارا للمسؤولية الملقاة على عاتق أعضاءها. من أجل توسيع دائرة النشيطين الجمعويين، على الجمعية أن تراكم لفعلها الجمعوي عبر الوسائل التالية:

*تشجيع الانخراطات.

*العمل على استقطاب الفعاليات النشيطة.

*تشجيع الانخراطات الشرفية.

*تحديد هدف سنوي للرفع من عدد المنخرطين.

5- أنشطة متجددة:

كي تساهم الجمعية في البناء السليم لابد من تربية جادة تساهم في تكوين شخص سليم أخلاقيا، متزن نفسيا، مستقر اجتماعيا.

هذه المهمة تقتضي منا البحث النظري واعتباره سلاحا لمواجهة التجارب النظرية الفاسدة. فإذا غلب الارتجال في الممارسة الميدانية فشل العمل وأفرز فعلا مضطربا.

6-الجانب الهيكلي:

لا تستطيع الجمعية الناجحة أن تؤدي مهماتها التي وجدت من أجلها إلا إذا توفرت لها وسائل عمل تنسق الجهود، وتبلغ إلى أعماق الشعب، وتكون حاضرة فعالة في حياته اليومية.

ومن أهم هذه الوسائل الحرص على وجود طاقم مسير يكون بمثابة القلب النابض الذي يقود الجمعية إلى مبتغاها. لا بد من وجود قيادة يكون لها حق المبادرة والبحث عن الوسائل الناجحة لتطوير العمل الجمعوي الجاد والهادف والعمل على توسيع رقعة عمل الجمعية من خلال الحرص والعمل على تأسيس فروع للجمعية بمختلف مدن وقرى البلاد.

نحتاج لجمعية تواجه عقبات الحاضر، لتشق طريقها إلى تربية جيل ناشئ، تهيئ به المستقبل، مستقبل تحمل مسؤولية قيادة العمل الجمعوي الراشد.