مقدمة:

تعالج الكاتبة سندرين لوفرانك، في هذا الكتاب، سياسات العفو التي تنهجها الدولة في مرحلة الانتقال من العهد الاستبدادي إلى العهد الديموقراطي. صدر هذا البحث عن أطروحة لنيل درجة دكتوراه في العلوم السياسية، وتولى طبعه سنة 2002 المعهد الوطني للبحث العلمي الفرنسي، في إطار سلسلة “أسس السياسة”( Ed. Presses Universitaires (

تم تناول الموضوع من خلال مقارنات بعض التجارب التي عرفها عقد الثمانينات والتسعينات في أمريكا اللاتينية، وإفريقيا الجنوبية، وذلك بعد تقهقر منهجية التغييرالثوري اليساري القائم على الانقلابات والثورات الدموية.

عالجت الكاتبة مرحلة المخاض هذه بأدوات تحليل تخصص جديد في علم السياسة: “فقه المرحلة الانتقالية” (transitologie).

أثناء هذه الفترة الدقيقة، تطفو رواسب الفتن الاجتماعية، والتجاوزات الأمنية، وما يتمخض عنها من مآسي لضحايا العنف والعنف المضاد، لتترجم في شكل مطالبة شعبية عارمة للانتقام والقصاص، تهدد بناة العهد الجديد بانفجار الأوضاع. لذا يسارع النظام الجديد إلى إرساء آليات مختلفة لتدبير شؤون المرحلة، بصيغ متفاوتة في القسوة والصرامة أو الاعتدال والتجاوز، حسب الظروف التي تمليها الواقعية السياسية. من ضمن هذه التدابير التي ترمي إلى طي صفحة الماضي :

 آليات العفو العام التي يصدرها الجهاز التشريعي؛

 آليات العفو الخاص الرئاسي؛

 مراسيم أو قرارات التعويضات المادية والمعنوية للضحايا؛

 آليات مرتبطة بالجهاز القضائي.

ويتم ذلك من خلال مؤسسات الدولة القديمة، أو مؤسسات مؤقتة تحدثها الدولة الجديدة، تختلف مكوناتها وطبيعتها ووظيفتها باختلاف التجارب وحسب موازين القوى الموجودة في الساحة، بين فاعلي النظام السابق وأصحاب النظام الجديد، وكذلك مراكز صنع الرأي العام وكتل الضغط في المجتمع المدني. وتكون تلك الآليات في الغالب وليدة المفاوضات التي تنظم بين الأطراف المعنية.

المسائل المتناولة

التجارب التي تمت معالجة الموضوع من خلالها، تطورت في أمريكا الجنوبية، خلال العقد الثامن للقرن الماضي الميلادي، في الشيلي والأرجنتين والأوروكواي، وفي أفريقيا الجنوبية. حاولت الكاتبة من خلالها إلقاء الضوء على عدة إشكاليات، كالتالية :

 كيف يتم للديموقراطية إدماج فئة من المجتمع كانت متورطة بشكل من الأشكال مع النظام الديكتاتوري؟

 كيف تتم المصالحة، ليتوحد الشعب على أسس جديدة، ولكي تصرف الهموم إلى مشاكل ما بعد الفترة الانتقالية؟

 ما هي الآليات التي ينبغي ضبطها لكي يتم تمرير السلطات والمهام بشكل سليم يمنع تسرب الذهنية الاستبدادية القديمة ويحول ضد كل انفلات أمني؟

 كيف يمكن إرساء أسس المشروعية للنظام الجديد؟

 إلى أي حد يمكن قبول الشروط التي تقتضي حصانة العنصر القمعي القديم ضد كل متابعة، بالنظر لبقايا نفوذه في ميادين استعمال القوة العمومية وتحكمه في مراكز النفوذ الاقتصادي؟

 ما هي التنازلات القضائية المتاحة في فترة الجو المشحون بالمطالبة الشعبية العارمة في الانتقام من سفاكي العهد القديم؟

 كيف يمكن التعامل مع الحجج التي يرفعها مسئولو النظام القديم لإلصاق كل التهم بالمؤسسات والأوامر والتعليمات التي يتلقونها من أعلى هرم السلطة؟

 هل يمكن قبول رفضهم لطلب العفو الذي يعتبرونه اعترافا ضمنيا بالمسؤولية في مآسي وتجاوزات الماضي؟

تلك هي بعض النماذج من قضايا وملابسات العدالة الانتقالية التي تتناولها الكاتبة من خلال ما يتيحه ” فقه المرحلة الانتقالية” من أدوات التحليل والتنظير، في محاولة لبناء نظرية فلسفية وسوسيولوجية، وذلك باعتمادها على مختبر التجارب التاريخية والميدانية.

نماذج تجارب تاريخية للانتقال الديموقراطي:

الانتقال الديموقراطي كما تعرفه الكاتبة هو ذلك التغيير التدريجي الذي يحافظ على مؤسسات الدولة القديمة ويقتضي ضرورة استمراريتها. وهو غير الانتقال الثوري الذي يعني القطيعة مع الدولة القديمة ويكسر آلياتها ومؤسساتها وتشريعاتها. فهو إذن انتقال سلمي، لكن من أهم مطالبه التعامل بالصرامة المتاحة مع التجاوزات والخروقات التي طبعت النظام الاستبدادي.

في البداية تقارن الكاتبة بين الحالات الانتقالية وسياسات العفو السياسي في كل من الأرجنتين، والأوروكواي، والتشيلي، وإفريقيا الجنوبية، محاولة اكتشاف نقط الشبه والاختلاف بين أسس ومرجعيات السياسات القمعية التي تؤصل للاستعمال البشع والمبالغ فيه للقوة العمومية. فهي أحيانا مسوغات المحافظة على الأمن واقتلاع جذور التآمر على الدولة بالاعتماد على مرجعيات فقهية معينة، منها:

 نظريات التهدئة الاستعمارية الفرنسية؛

 القوانين المؤسسة للميز العنصري، والفرز بين مكونات المجتمع؛

 مقتضيات النظام المسيحي.

وهي أحيانا مجرد نزوع شخصي للشر و”سادية” مريضة تفرز جرائم ضد الإنسانية، أو دواعي خسيسة للحصول على نفع مادي شخصي، أو اجتهادات متطرفة لجلب محمدة المؤسسة، في كثير من الأحيان، لا علاقة لها مع الامتثال الصارم للأوامر العليا أو الهاجس الأمني للدولة.

تجربة الأرجنتين :

بعد انهزامها في حرب “الملوين”، بادرت المؤسسة العسكرية إلى إعداد مرحلة الانتقال الديموقراطي في إطار ما يسمى ب ” الوثيقة النهائية حول الحرب ضد التجاوزات الأمنية والإرهاب “

حاول العسكر طي صفحة الماضي، بعد الاعتراف الجماعي للمؤسسة بالخروقات التي حصلت. بعدها تم في إطار قانون يسمى “التهدئة الوطنية” منح العفو العام للمتورطين في العنف السياسي من كلا الطرفين، باستثناء لائحة ضيقة من المتورطين في الجرائم السياسية: تسعة من الطغمة العسكرية وسبعة من اليسار الثوري، وذلك في إطار مقاربة أطلق عليها “نظرية الشيطانين”.

موازاة مع المحاكمات التي لم ترق إلى متطلعات أولياء الضحايا (جمعية أمهات المختطفين)، وعلى الصعيد الحقوقي، قرر الرئيس ألفونسين إحداث “اللجنة الوطنية للتحقيق في الاختطافات”

وقد سجلت حصيلة إدارة المرحلة الانتقالية بعض الإيجابيات في كثير من المجالات:

 على صعيد العدالة: صدرت أحكام على بعض كبراء الطغمة العسكرية.

 على الصعيد الحقوقي الإنساني: تم الكشف عن الحقيقة التاريخية المتعلقة بجرائم العهد الديكتاتوري وكذلك عن تجاوزات العنف المضاد اليساري.

لكن الرئيس لم يفلح في إقناع العسكر بإجراء التحقيقات الشخصية في صفوفه في إطار محاسبة داخلية، وعندما تضايقت المؤسسة العسكرية بعمل الجهاز القضائي، أرغمت الرئيس على التعجيل بطي صفحة الماضي وإسقاط كل المتابعات. هذا الأخير اضطر إلى الاستعانة بالجهاز التشريعي الذي أصدر ما أطلق عليه “قانون النقطة النهائية” والذي حدد مدة شهرين فقط لتلقي تظلمات الضحايا وأوليائهم، قبل إبطال كل المتابعات الجنائية بذريعة التقادم.

ورغم قصر هذه المدة تمكنت المنظمات الإنسانية والحقوقية، وكذلك الجهاز القضائي من توريط بعض الرؤوس في الطغمة العسكرية و متابعة أحد الجنرالات. ولقد كان ذلك بمثابة تجاوز للخطوط الحمراء، أفضى إلى تمرد عسكري يطالب بحل سياسي للمعضلة. لنزع فتيل الانفجار، بادر الرئيس إلى إصدار قانون تقادم القضايا وتبرئة المتابعين العسكريين بحجة خضوعهم للأوامر التي تصدر من أعلى المؤسسة أو من خارجها…

نفس المهمة أتمها الرئيس كارلوس، الذي دشن فترته الرئاسية بإصدار مرسوم العفو الرئاسي في حق عسكريين ومدنيين أدينوا في عهد الرئيس السابق، كما أنه لجأ إلى المجلس الأعلى للبث في التعويضات المادية لأولياء ضحايا الاختطاف والتصفية الجسدية والتعذيب.

في المجمل برزت التجربة الأرجنتينية كمدرسة في عدة مجالات :

1- تمكنت من متابعة مسؤولين في أعلى هرم المؤسسة العسكرية.

2- كانت لها قدم السبق في تأسيس لجنة تقصي الحقائق والاستماع للضحايا.

3- التحديد الدقيق للمسؤوليات من أجل كبت جماح الجهاز القضائي.

تجربة الأوركواي:

تمت هندسة المرحلة الانتقالية بصفة مشتركة بين العسكر الذين يهيئون رحيلهم وتسليمهم السلطات للنظام الديموقراطي المدني، وبين أطراف المعارضة.

تمخض عن اللقاءات المارطونية بين الفاعلين ما أطلق عليه اسم “اتفاقية النادي البحري”. تضمنت هذه الاتفاقية بعض البنود السرية التي تقتضي الإفراج عن المعتقلين السياسيين مقابل التخلي عن المتابعة الجنائية للعسكر. ترجمت هذه “الصفقة ” فيما بعد في أشكال تشريعية صادق عليها البرلمان:

 قانون التهدئة الوطنية الذي نفذ في أشغال لجنة عودة المنفيين.

 قانون إبطال حق الدولة في العقاب الذي أتاح العفو العام على عدد كبير من قادة العسكر والبوليس ما عدا الذين أدينوا بجرائم لا علاقة لها بالأوامر العسكرية ( الإجرام السادي أو الإجرام الخسيس من أجل غرض نفعي شخصي)

إلا أن قانون بطلان المتابعات هذا واجهته معارضة قوية في شكل “عمل مجموعة أولياء الضحايا” الذي طالب باستفتاء شعبي لإلغائه. تمت فعلا ممارسة هذا اللجوء الدستوري لكنه لم ينل الأغلبية في عملية الاستفتاء. ومن أجل إرضاء أولياء الضحايا بصيغة أخرى، تم تشكيل لجنة برلمانية من أجل تقصي الحقيقة التاريخية. إلا أن تقرير هذه اللجنة ظل سرا من أسرار الدولة. وتبعا لذلك لم يتخذ أي قرار لتعويض الضحايا تعويضا يرضيهم.

تجربة الشيلي:

اختصر مهندس المرحلة الانتقالية الرئيس الجنرال “بينوشى” المراحل في إصداره لقانون /مرسوم العفو العام للمتورطين في العنف والعنف المضاد من جميع الأطراف المتناحرة. هذا المرسوم الرئاسي ظل ساري المفعول رغم محاولات فاشلة لإلغائه، صدرت من عدة مؤسسات، من الجهاز القضائي ومن الجهات الحقوقية وممثلي الضحايا. ذلك لأن البرلمان تم تركيبه من الصنائع لكي يفشل أي إجراء قضائي أو تنفيذي أو حقوقي يهدف إلى إلغاء قانون مرسوم العفو العام.

كما أن عملية تقصي الحقيقة التاريخية لم تتح إلا بعد فترة رئاسة بينوشي، بعد ما صدر مرسوم لإحداث “اللجنة الوطنية لتقصي الحقيقة والمصالحة”. حددت مهمة هذه اللجنة بدقة مكبلة وصلاحيتها كانت قصيرة : 9 أشهر فقط. ولزيادة تنغيصها، قوبلت بمعارضة الأحزاب اليمينية وعرقلة الجهاز الإداري والمؤسسة العسكرية. لكن المعارضين لها اضطروا إلى قبول نتائج عملها، بعد كشفها عن حقائق مرعبة لا يمكن المرور عليها بسهولة: اكتشاف مقابر جماعية، أكثر من ألفي اغتيال بدون محاكمة، منها 1068 تصفية بعد الاختطاف…

مكن عمل هذه اللجنة تعويض ذوي حقوق الضحايا، لكن بالنسبة للمتابعات الجنائية، لم تفلح اللجنة، ولا المنظمات الحقوقية ولا مجموعات أولياء الضحايا من تجاوز الحماية الدستورية الصارمة التي يتيحها للجناة قانون العفو العام الذي مرره الجنرال بينوشي.

تجربة أفريقيا الجنوبية:

كانت البداية الإفراج عن مانديلا، وإلغاء قانون الميز العنصري. بعدها انطلقت سلسلة من المفاوضات بين الأطراف المتشاكسة لتهيئة الفترة الانتقالية. بعد الاعتراف المتبادل والتعارف المعمق بينهم، تمت مناقشة وجهات نظر كل المنخرطين في إطار حوار وطني مفتوح:

 النظام القديم يدافع على نظرية النظام المجتمعي المزدوج، الذي يعني التعايش دون التمازج بين الطائفة الملونة والطائفة البيضاء.

 دعاة النظام الجديد يريدون دستورا جديدا تضعه جمعية تأسيسية منتخبة.

تم الإتفاق في تلك المفاوضات على التشارك في الحكم خلال 5 سنوات، وكذلك على تأسيس مجلس تنفيذي لتحضير انتخاب الجمعية التأسيسية للدستور.

عند تحرير الدستور، حرص النظام العنصري تضمينه بندا محددا لمقتضيات الوحدة الوطنية والمصالحة والعفو العام عن مسئولي عنف الدولة وكذلك عنف التشكيلات التحررية السوداء.

بذلك، تكون المرحلة الانتقالية قد هيأت الانتقال السلمي عن طريق الدستور الذي سيفرض مقتضياته على الأجهزة التشريعية والقضائية والتنفيذية، متيحا بذلك تجاوز كل الظروف الصعبة.

وإلى جانب هذه الحماية الدستورية، لم يتخل الرئيس دوكليرك عن حقه في إصدار مراسيم العفو الشخصي الذي تم من خلالها تحصين لائحة تضم حوالي أربعة آلاف متورط في العنف السياسي.

إلى جانب الإجراءات الحمائية، أسس منديلا ” لجنة الحقيقة والمصالحة” “ل ح م”، صادق البرلمان على قانون يضبط أهدافها وطريقة عملها: وهو” قانون تثبيت الوحدة الوطنية والمصالحة”. من أهداف هذا القانون :

 كتابة الحقيقة التاريخية حول العنف السياسي؛

 منح العفو؛

 إتاحة فضاءات للاستماع لشكاوى المتضررين وكذلك فضاءات لمن يريد التكفير عن ذنوب الماضي؛

 النظر في التعويض المادي والمعنوي للضحايا؛

 اقتراح توصيات للوقاية من خروقات وانتهاكات حقوق الإنسان.

حددت مدة تفويض هذه اللجنة في سنتين. وإلى جانب “ل ح م” أحدثت “لجنة العفو ” التي أسندت لها مهمة استقبال والنظر في طلبات المتضررين.

بعد الإعلان عن تقرير “ل ح م” الذي حدد المسئولية الفردية والجماعية عن الخروقات الماضية، رفضته كل الأحزاب المرتبطة بنظام الميز العنصري الذين كانوا قد رفضوا الامتثال لحضور جلسات “ل ح م” بحجة براءتهم الشخصية مع الاعتراف بالمسؤولية الجماعية والمؤسساتية. أما “لجنة العفو” فهي أيضا قوبلت بمعارضة الضحايا وأوليائهم. ولكن مع كل ذلك استطاعت “ل ح م” :

 كتابة الحقيقة التاريخية رغم ضخامتها وبشاعة حقائقها، وذلك بالاستماع لأكثر من 20 ألف متضرر، بمساعدة الكنيسة.

 تسهيل التقارب بين النخب السوداء في أعلى هرم السلطات مع النخب البيضاء الذين يسيطرون على دواليب الاقتصاد…

لكنها عجزت عن تعويض أولياء الضحايا وتضميد جراحات الماضي، إلا في حدود تعويض مادي هزيل…

* للكاتبة سندرين لوفرانك( Par Sandrine Lefranc)