إن العمل الجمعوي والعمل السياسي لا يعتمدان نفس الوسائل، ولكن يتوخيان بلوغ نفس الأهداف. فهما معا يرومان خدمة “المواطن”. لكن متى يكون العمل الجمعوي تعبيرا عن ديناميكية مجتمعية؟

إن العمل الجمعوي يستمد زخمه في حدود فضاء يتمثل في المجتمع المدني ويرتكز على أساس يتجسد في وجود حياة جمعوية. وفي غياب ذلك، يغدو العمل الجمعوي قناة لتنفيس الفاعل السياسي عن أزمته.

1- فضاء العمل الجمعوي: المجتمع المدني.

يشكل المجتمع المدني فضاء العمل الجمعوي، فما هو تعريف المجتمع المدني، وما هي شروط تحققه؟

رغم تعدد المقاربات التي سعت إلى تعريف المجتمع المدني، يمكن اختزالها في مقاربتين: الأولى “ليبرالية” والثانية “اشتراكية” وتشترك المقاربة الأولى التي يجسدها ” جون لوك” والمقاربة الثانية التي يمثلها “غرامشي” في كونهما يعتبران المفهوم من المفاهيم التي لا تتحدد بذاتها وإنما تتحدد بارتباط بمفهوم آخر، “فجون لوك” يربط مفهوم المجتمع المدني بمفهوم الحكومة المدنية، في حين يربط “غرامشي” بين مفهوم المجتمع المدني ومفهوم المجتمع السياسي، فلا وجود لمجتمع مدني بالنسبة “لجون لوك” إذا لم تكن هناك حكومة مدنية مرتكزة على مشروعية مدنية مستمدة من “العقد الاجتماعي” بتعبير آخر، فالحكومة المدنية هي سلطة المجتمع المدني، في حين يحدد “غرامشي ” موقع المجتمع المدني في مجال الهيمنة الإيديولوجية تأخذ مكونات البنية الفوقية. إن ما ينبغي تسجيله، أن المقاربتين تطرحان مفهوم المجتمع المدني في إطار تكامل مع السلطة السياسية وليس في إطار تناقض معها.

يتحقق وجود المجتمع المدني بتوفر شرطين: الأول موضوعي والثاني ذاتي. يتجسد الشرط الموضوعي في ثلاثة عناصر: العلمانية والديموقراطية والفردانية. إن كل عنصر يدفع إلى إبداء توضيح حوله. فالعلمانية في التجارب التي أفرزت مجتمعا مدنيا لا تطال مستوى “المجتمع”، وإنما تطال مستوى السلطة السياسية. بتعبير آخر. فالفصل بين الدين والسياسة لا يكون على مستوى المجتمع الذي يتأسس على احترام الاختلاف، وإنما يكون على مستوى السلطة السياسية والديموقراطية تألية لتصريف الاختلاف بتجاوز التمايزات الإيديولوجية والعقدية لتسوي بين المواطنين وفق معادلة انتخابية، كل مواطن يعادل صوتا واحدا، والفردانية تفيد في سياقي العلمانية والديموقراطية تحرير الفرد من إكراهات كل الارتباطات الجماعية سواء كانت عائلية أو دينية.

يتمثل الشرط الذاتي في وجود إطارات جمعوية تهتم بالشأن المدني شريطة أن تتسم هذه الإطارات بخاصيتين: الاستقلالية والقدرة على اتخاذ المبادرة.

إن الحديث عن وجود مجتمع مدني بالمغرب من عدمه ليس حديثا جديدا، ولكن التساؤل في جميع الأحوال لا زال مشروعا، وسنكتفي هنا بإبداء ثلاث ملاحظات.

– ترتبط الملاحظة الأولى بكون استخدام مفهوم المجتمع لمدني في الخطابين الإعلامي والسياسي عندنا يتم انطلاقا من التشديد على التعارض بينه وبين السلطة السياسية في اتجاه مناقض للمقاربتين الليبرالية والاشتراكية اللتين أشرنا إليهما آنفا، وفي هذا السياق نفهم إصرار بعض الجهات السياسية على عدم الاعتراف لبعض الإطارات الجمعوية بالانتماء إلى المجتمع المدني، إلا إذا كانت ذات مرجعية ” يسارية”.

– تكمن الملاحظة الثانية في مدى إمكانية الحديث عن توفر عناصر الشرط الموضوعي عندنا، والمتمثلة في العلمانية والديموقراطية والفردانية!

– تتعلق الملاحظة الثالثة بكون الخطاب العام عندنا يختزل المجتمع المدني في العمل الجمعوي في حين أن هذا الأخير، لا يشكل إلا الشرط الذاتي في حالة اتصافه بالاستقلالية والقدرة على اتخاذ المبادرة.

2- أساس العمل الجمعوي: الحياة الجمعوية:

لا يمكن الحديث عن عمل جمعوي في غياب وجود حياة جمعوية، والحياة الجمعوية تتأسس على مستويين: الأول تنظيمي والثاني قانوني.

يتجسد المستوى التنظيمي للحياة الجمعوية في قدرة الإطارات الجمعوية على مباشرة الشأن المدني بدون ارتهان للفاعل الساسي. بل إن التمايزات السياسية والإيديولوجية تختفي وتتلاشى، فالحياة الجمعوية هي مجال ممارسة ” المشترك ” بامتياز دون الاعتماد بلون فكري أو مظلة عقدية. أما المستوى القانوني للحياة الجمعوية، فيتحدد من خلال ثلاثة أبعاد أساسية: يرتبط البعد الأول باعتماد المشروع لنظام التصريح عوض نظام الترخيص. ويتعلق البعد الثاني بتوفير كافة الضمانات القانونية لإقرار استقلالية الإطارات الجمعوية، ويحدد البعد الثالث بوقف صلاحية حل وتوقيف الإطارات الجمعوية على السلطة القضائية.

إننا لن نتوقف كثيرا عند المستوى القانوني للحياة الجمعوية في المغرب أبعاده الثلاثة، فقانون تأسيس الجمعيات الجديد قد قلب القاعدة التي تنبني عليها ممارسة الحريات العامة حيث تكون الإباحة هي الأصل والتقييد هو الاستثناء. فاعتمد المشرع نظام الترخيص بدل نظام التصريح، وهذا البعد قد انعكس سلبا على البعدين الآخرين.

هل توجد لدينا حياة جمعوية في مستواها التنظيمي؟

إن الجواب تتبلور معالمه من خلال مقدمتين:

– تتشخص المقدمة الأولى في كون آليات الاشتغال والاستقطاب داخل الإطارات التي تهتم بالشأن المدني، لا تختلف في شيء عن تلك التي تهتم بالشأن السياسي، لذلك فقدت الحياة الجمعوية ماهيتها، إذ لم تصبح مجالا لممارسة “المشترك” بل غدت مجالا لترسيخ ” التخندقات” بناء على تباين المرجعيات وتضارب الانتماءات.

– تتلخص المقدمة الثانية في كون المجتمع السياسي (السلطة السياسية، الأحزاب السياسية…) هو الذي كان سباقا للدعوة إلى “تفعيل” المجتمع المدني. فلا ينبغي أن ننسى أن السلطة السياسية هي التي بادرت خلال الثمانينات من القرن الماضي إلى إنشاء جمعيات جهوية، ستعرف ب”جمعيات السهول والجبال والوديان”، كما أن الأحزاب السياسية خلال التسعينات بدأت تربط فعالية أعضائها ومدى ارتباطهم بالمجتمع المدني من خلال إشرافهم على بعض الإطارات الجمعوية.

تساعد هاتان المقدمتان على إيصالنا إلى استخلاص النتيجة التالية: إن كثيرا من الإطارات الجمعوية التي تتحدث باسم المجتمع المدني هي أصلا جزء من المجتمع السياسي. هذه النتيجة يمكن إيضاحها من خلال ملاحظتين:

– تتمثل الأولى في ضرورة عدم الخلط بين المجتمع المدني وإيديولوجيا المجتمع المدني، ففي المغرب، وفي غياب المجتمع المدني، نلاحظ توظيفا لإيديولوجيا المجتمع المدني من قبل الفاعلين السياسيين.

– تتجسد الثانية في ضرورة عدم الخلط بين الحياة الجمعوية واللعبة الجمعوية، ففي غياب المستويين بين التنظيمي والقانوني للحياة الجمعوية بالمغرب، وفي سياق توظيف مكثف لإيديولوجيا المجتمع المدني، فلا يمكن الحديث إلا عن وجود لعبة جمعوية تنعكس في جميع الأحوال سلبا على العمل الجمعوي.