هل يعرف المغرب أزمة سياسية؟ وما هي تجليات هذه الأزمة؟؟

بسم الله الرحمن الرحيم. صحيح أن المغرب لا يعرف أزمة سياسية بذلك المعنى الذي نشاهده في بعض الدول الديمقراطية، والتي تتعلق في الغالب بأمر يخص الحكومة، أو البرلمان، أو الانتخابات كما حدث مؤخرا في أوكرانيا، والتي سرعان ما يتم حلها وتجاوزها ببعض التوافقات. ولكن المغرب يعرف أزمة سياسية أشمل من ذلك، وأخطر من ذلك. إنها أزمة تتمثل في الاستبداد السياسي والأحادية السياسية المفرطة، رغم التعدد الشكلي للقوانين والمؤسسات. أزمة ليست وليدة اليوم ولكن أزمة لها جذور تاريخية، تتمثل في أسس النظام الحاكم ومنطلقاته، ويمكن تلخيصها في أنها النقيض التام لمعاني الشورى والعدل. وحين ندرك بأن هذه الأزمة ترتبط بأسس النظام ومنطلقاته، آنذاك لا نتفاءل كثيرا بتغيير شخص في النظام، مهما كان مستواه الهرمي، ولا نتفاءل حين تحدث مؤسسة ما، أو يصرح بعبارة معينة.

ولهذه الأزمة السياسية العامة تجليات أعتقد أن أهمها:

1. الجمود وغياب المبادرة، وهذا بشهادة الجميع، فالفاعلون السياسيون العاملون في الحقل السياسي الرسمي يكتفون بمباركة ما يعلنه الملك والتصفيق له، وإن كان في بعض الأحيان لا يوافق اختياراتهم السياسية، ولا تكون أية مبادرة سياسية أو مدنية إلا بعد إشارة من فوق، وتكون في الغالب مبادرة شكلية لا تكرس إلا أهداف النظام.

أما الأطراف الموجودة خارج اللعبة السياسية، وهي فعلا لعبة سياسية بكل معنى الكلمة، فإن واقع الاستبداد وحرمانها من الحرية يمنعها من كل مبادرة، ومع ذلك فإن بعض الأطراف تبادر، وبدل أن تناقش مبادرتها بجدية، يحاصرها النظام، ويصنفها المصفقون لإعلانات الملك أنها خارج التاريخ وخارج الديمقراطية وأخص بالذكر هنا “مذكرة إلى من يهمه الأمر” التي كتبها الأستاذ عبد السلام ياسين والتي تقترح حلولا عملية وليس شعارات وإشارات في الهواء، وقد وقف بعض الناس اليوم على حقيقة ما ورد في المذكرة، لكنهم لا يجرؤون على تأكيد ذلك علنا.

2. غياب رؤية مجتمعية، بتعبير آخر غياب مشروع مجتمعي، يشعر كل مغربي ومغربية أنه منه وإليه، فيتحفز وتتحفز للعمل والمشاركة والعطاء.

من حين لآخر تطرح بعض الكلمات على أنها مشروع مجتمعي للمغاربة، ولكنها كلمات فارغة ولا يعرف معناها إلا النخبة الضيقة التي تتشدق بها، وفي صفوف هذه النخبة نفسها تصدر أعمال وسلوكات لا تمت بصلة لتلك الكلمات المرددة من قبيل الديمقراطية والحداثة …

إن الديمقراطية والحداثة بما هما آليات لتدبير الاختلاف وتطور علمي وتقني يواكب العصر لا خلاف حولهما، لكن الخلاف، كل الخلاف، حول فلسفتها العلمانية التي تناقض إسلام المغاربة الذين أثبت التاريخ أنه لا يحركهم إلا إسلامهم، ولا يستجيبون إلا للدعاة المخلصين، والعاملين الصادقين، الذين لهم غيرة حقيقية على الدين والوطن.

كثر الحديث في الآونة الأخيرة حول سؤال من يحكم المغرب، ما هو جواب جماعة العدل والإحسان على هذا السؤال؟

بالنسبة لنا في جماعة العدل والإحسان هذا السؤال ليس طارئا وإنما طرحناه منذ نشأة الجماعة ولاقينا من أجله أنواعا من القمع من السجن إلى تكميم إعلامنا كي لا يروج حديثنا حول هذا الموضوع، وبالمناسبة نحيي ونرحب بازدياد الأصوات المنادية بمعالجة هذه المسألة. ومبرر كثرة الأصوات مؤخرا هو أن الكثيرين كانوا قد صدقوا دعاية العهد الجديد لكن لما اتضح أن نفس آليات ومظاهر العهد السابق مستمرة بل أغرقت في التشدد في كثير من الجوانب، لذلك بدأت تعلو النداءات حول طبيعة الحكم في المغرب. وبغض النظر عن الزاوية التي ينظر منها كل واحد للموضوع فيبقى الجوهر واحدا، وهذا الجوهر هو ما ننظر له نحن في جماعة العدل والإحسان وهو طبيعة وعمق السياسة الممارسة بغض النظر عن الشخص أو الهيأة أو الهيآت. والحكم المتبع في المغرب منذ عقود إلى الآن جوهره الاستبداد والاحتكار السياسيين والظلم والهيمنة الاقتصاديين، وتعميق الفوارق الاجتماعية، وقمع الحريات. إذن هذا الذي يحكم المغرب ويشترك في مسؤوليته كل من يحتل منصبا للحكم بلا استثناء وكلما ارتفع المنصب كلما زادت درجة المسؤولية.

وإذا كان هذا هو واقع الحكم فما فائدة وجدوى حضور أو غياب شخص أو أشخاص من أركان النظام عن الساحة إلا إذا أخذت المسألة من زاوية عدم المسؤولية فتضاف بالتالي إلى مظاهر الفساد السياسي الأصيل والعميق في المغرب.

ما هي الآليات المؤثرة والمتحكمة في اتخاذ القرار السياسي بالمغرب؟

إن القرار السياسي بالمغرب لا تتحكم فيه مصلحة هذا الشعب ولا استحقاقات المرحلة ولا تحديات المستقبل.

إن المتحكم هو مصالح أشخاص وفئات بعينها، كما أن المؤثر في هذه القرارات هي ضغوطات اللوبيات النافذة في دوائر الحكم، وضغوطات قوى الاستكبار العالمي ومؤسساتها المالية.