مقدمة

من نعم الله الكثيرة على البشر نعمة العقل والفكر. وإن ما نشاهده اليوم من تقدم بشري في مختلف المجالات ما هو إلا نتيجة إعمال العقل والفكر. لكن من الحماقة والجهل وصف كل ما اخترعه العقل البشري ووصل إليه الفكر الإنساني بالنافع، فهناك كثير من مخترعات العقل البشري عادت على البشرية بالسلب والضرر الفادح، بل إن منها ما يقضي على كيانها ووجودها.

واليوم، كثر الحديث عن واحد من هذه المخترعات، عن السلبيات والمخاوف والمخاطر التي يتعرض لها الإنسان… إنها “العولمة”. هذه التي كثر حولها القيل والقال، بين مؤيد ومعارض، وبين متخوف ومتحمس. ولعل وقعها النفسي على الأفراد له دوره الكبير في بلورة المواقف والعواطف ومناهج التعامل، حتى إن هناك من يرفض مجرد التلفظ بها، وإنها رجس من عمل الشيطان.

وإذا كان العقل البشري أنتج العولمة بدافع اقتصادي مادي، فإننا لا يمكن بحال إنكار آثارها في مجالات عديدة من حياة الأفراد والأمم، سواء في المجال السياسي أو الاجتماعي، أو الثقافي، وغير ذلك…

ولعل منشأها الغربي، بما تحمل هذه الصفة من سمات اللائكية والإلحاد وعدم الاعتراف بالخالق عز وجل وعدم تقدير القيم الإنسانية، يجعل من العولمة شبحا قاتلا للمتدينين، في جميع الديانات السماوية التي تهدف إلى غرس القيم الرفيعة في الإنسان. وهكذا كثرت الكتابات التي تنبذ العولمة وتدعو إلى محاربتها.

لكن، هل يمكن الوقوف عند التنديد بهذا الجديد، الرهيب المرعب ؟

إن الجواب بالإيجاب عن هذا السؤال / المشكل، في نظري، إنما هو سلبية حضارية، لا سيما إن تعلق الأمر بالمسلمين الذين يملكون مقومات النهوض الحضاري أكثر من أي أمة أخرى.

ذلك أن كثيرا من توجيهات القرآن الكريم ووصايا للنبي صلى الله عليه وسلم يحتم على المسلمين النظر الدقيق في هذه العولمة وتحديد وظيفتهم الأساس باعتبارهم حملة رسالة عالمية، قال الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمين (الأنبياء:107). وقال جل من قائل:وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةََ لِلنَّاسِ بَشيِرًا وَنَذِيرًا (سبأ: 28).

ونشير هنا إلى أن الأمة الإسلامية، اليوم، أمام تحد كبير جدا يمثل أصعب امتحان لها، يتمثل في عداء الغرب الجاهلي وكراهيته للإسلام. والعولمة كلها سموم إنما توجه للعالم الإسلامي. فكيف يستطيع المسلمون أن يتجاوزوا كل هذا ويجعلوا من العولمة سلاحا يخدم الإسلام ومصالح المسلمين؟

العولمة: الدلالة والتجليات

1- ما العولمة ؟

من العبث البحث في المعاجم العربية، قديمها وحديثها، عن معنى العولمة، لأن المصطلح ولد في الغرب وترجم إلى العربية تحت هذا الاسم. بل إن المعاجم الغربية نفسها لا تحدثنا عن إضافات معرفية، أو أبعاد لهذا المصطلح، بغير ما يوحي إليه معناها اللغوي.

فالعولمة، أو Globalization كما في الإنجليزية، أو Mondialisation كما في الفرنسية، ومنهم من يستعمل Universalisation والتي يرادفها الكونية، إنما تعني إعطاء الشيء صفة العالمية، أو تداول الأمر عالميا.

لكن، لا يمكننا اعتقاد البراءة في مثل هذه التعريفات. لأنها تعني دمج العالم وفتح الحدود على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية… وفي هذا خطر على الهويات الخاصة للمجتمعات، خاصة تلك التي تتميز بمميزات حضارية خاصة. فالعولمة إنما تقصد إلى تعميم نموذج الحضارة الغربية، وخاصة الحضارة الأمريكية حيث انطلقت العولمة، على العالم، وإخضاع الجميع لمخططاتها وسياساتها.

ولم تظهر العولمة فجأة، وإنما هناك محددات ومظاهر جعلت منها معلمة رئيسة من معالم العالم المعاصر، من ذلك:

_ انهيار المعسكر الشيوعي، وسيادة نظام عالمي جديد يسعى نموذجه، لفرض سيطرته على العالم كله. إنه النظام الرأسمالي الأمريكي الذي يريد أن يتحكم في التجارة العالمية والمبادلات المختلفة.

_ ظهور الشركات المتعددة الجنسيات، والتي أخذت في الظهور بعد فترة 1960. وهي الأداة الرئيسة للعولمة… وتهتم بكل ما يحتاجه الإنسان، قل شأنه أو كثر، همها الأول والأخير هو الربح. وما عبد الطريق أمامها لتصبح قوة كبرى ذات تأثير في الاقتصاد العالمي سوى قوانين حرية التجارة العالمية التي تمكنت من تحريك أموالها في العالم بغير قيود، لتشيع بذلك ثقافة استهلاكية لدى المجتمعات والأفراد.

_ مطالبة أمريكا دول العالم بتوقيع اتفاقية التجارة العالمية، قصد سيطرة الشركات العابرة للقارات على الأسواق.

_ التقدم العلمي والتكنولوجي الذي يرجع أصله إلى الثورة الصناعية التي عرفها العالم الغربي، والتي كانت سببا في ازدهار حضارته. إلا أن اليوم، وبفضل تلاحق التجربة والمعرفة والإنتاج لدى الغرب، أصبح التقدم التقني نقطة صغيرة تجمع حولها العالم كله. ويتضح هذا بشكل جلي في التطور الهائل الذي حصل في وسائل الإعلام، من فضائيات وأنترنيت، التي اخترقت حدود الدول وسهلت التواصل والاتصال بسرعة مذهلة، حتى صار ينطبق فعلا على هذا الكون مقولة “العالم قرية صغيرة”.

2- التجليات والآثار:

إن الأسباب التي ذكرناها للعولمة لن يكون لها بالطبع جميل أثر على الحياة الإنسانية بمختلف جوانبها ومجالاتها، أفرادا وجماعات. وهذه الآثار هي التي تجعل الإنسان والمجتمعات في حالة رعب دائم منها. كيف لا وهي تهجم على الإنسان في عقر داره لتسلبه أعز ما يملك، هويته وشخصيته وقيمه، بل وحياته ؟

أ_ في المجال الاقتصادي:

رأينا قبل قليل كيف كانت المظاهر الاقتصادية محددات رئيسية للعولمة. من هنا، لا غرابة أن تعني العولمة في مجال الاقتصاد البحث عن أسواق جديدة لترويج بضائع وسلع الدولة العظمى المهيمنة. كما أن عولمة الاقتصاد تعني، وبلغة بسيطة إشاعة ثقافة الاستهلاك لدى الأفراد. ويعتبر الأطفال والنساء في مقدمة الضحايا.

ويستطيع الإنسان العادي أن يلاحظ هذا التدفق الهائل والمذهل للمنتوجات الغربية على جميع بلادنا العربية. وهذا كله يخدم مصالح الاستكبار العالمي من جهة، ويقوض الاقتصاد الوطني القومي من جهة أخرى.

ولا يخفى ما لجانب عولمة الاقتصاد من أثر لتدخل الدولة المهيمنة وصاحبة رؤوس الأموال في سياسات وتوجهات الدول الفقيرة بما تمدها به من قروض، أو ما تقيمه بها من منشآت اقتصادية تدعي بها رواجا اقتصاديا وماليا للبلاد.

ب_ في المجال السياسي:

بعد نظام القطبين ومرحلة ما يسمى بالحرب الباردة، والتي كانت تعرف توازنا بين الدولتين العظميين آنذاك (الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية) جاءت البريسترويكا على يد الزعيم ميخائيل جورباتشوف لتحدث ثقوبا في جدار النظام الشيوعي، مؤذنة بانهيار الاتحاد السوفياتي.

وهكذا أصبحت أمريكا تتحكم في الشأن العالمي، تدني إليها من يسمع لها ويمتثل لتعاليمها، وتبعد من لا يسمع لها، أو يرفض تعاليمها. تضع سياسات الدول وترسم خرائط البلدان، وتتدخل في الشؤون الداخلية تحدد للأنظمة الحاكمة طرق التعامل مع مختلف حيثيات المجتمع، لا سيما إذا كانت هناك قوات معارضة لا تخدم مصالح أمريكا.

ولم تعد الأمم المتحدة قوة قادرة على ردع أمريكا. ولم تكن أمريكا لتنضبط لقرارات المم المتحدة إن عارضت مصالحها ومقاصدها. وفي الحرب الجارية الآن ضد الشعب العراقي لم تعبأ أمريكا، ومعها بريطانيا، بالأمم المتحدة وبالدول الغربية الرافضة للحرب، فأعلنت الحرب.

ج_ في المجال الثقافي:

إن الدولة المتحكمة في السوق والسياسة العالميين قادرة على بسط لغتها للجميع. فعبر هذه اللغة تنقل عاداتها وتقاليدها ونمط عيشها للعالم، فتضرر بذلك ثقافة المجتمعات. وقد أشرنا أن المقصد الأساس من عولمة الاقتصاد إشاعة ثقافة الاستهلاك وثقافة المادة لتغلب على مقومات الثقافة الخاصة لمجتمعات.

وإن فتح الأسواق الداخلية للمجتمعات أمام التجارة والأسواق العالمية يعني انفتاح المجتمع أمام ثقافات واردة عليه مع هذه المنتجات الاقتصادية. ولا يخفى ما لهذا من آثار سيئة وخطيرة على هذه المجتمعات.

د_ في المجال الاجتماعي:

إن الفكر الغربي يعتمد المسلمة الدوابية الداروينية التي ترى أن الإنسان حيوان متطور لم يخلق من عدم. وبهذا صادم الفطرة التي فطر الله الناس عليها. وهو اليوم في أطوار أفوله.

فلا غرابة أن نجد صنوفا من الإباحية تنتقل إلى البلاد الإسلامية تطالب بالتمكين، كالزواج من مثليي الجنس. كما لا نستغرب أيضا إذا رأينا العالم ينقسم إلى فئة منتجة وفئة مستهلكة منتظرة. فالأولى هي التي تستقطب اليد العاملة والأدمغة مغرية بالربح والأجر الكبير والمجال المفتوح. والثانية هي التي تنتظر من ينادي عليها أو تحزم حقائبها متجهة نحو الشمال والغرب طلبا للأفضل، أو من يدخل عليها حتى ينقذها مما فيه.

وقد أحسن الدكتور عباس الجراري وصف حقيقة العولمة فقال: “نظام يسعى إلى فرض خططه المالية والاقتصادية التسويقية، ومن خلال ذلك فرض أفكاره ومناهجه، ثم بعد هذا فرض قيمه وأنماط سلوكه، ليصل في النهاية إلى فرض هيمنته وسيادته، وهو بهذا يمثل أعلى درجات الاستعمار ومراحله”(1).

هـ_ في المجال الإعلامي:

إن الثورة التكنولوجية والإعلامية، كما سبق، محدد رئيس للعولمة. وآثارها خطيرة جدا على حياة الأفراد والجماعات. فقد سهلت هذه الثورة عملية اختراق وغزو العقول من خلال وسائل الإعلام المتعددة، خاصة الفضائيات التي أصبحت مسلطة من غير حسيب أو رقيب، لا أحد يملك لها دفعا، تغزوه في عقر داره، حتى إنه ليمكنها توحيد العالم عبر برامجها وتخضع الجميع لثقافتها.

أما الأنترنيت فأمره أعجب وأغرب، وبالإنسان أفتك. فهو يقدم كل شيء للمتجول المبحر، ولا يبخل عنه بشيء. ولا يمكن إنكار ما في هذا من أخطار تفوق أخطار الوسائل الأخرى.

ولا يفوتني هنا أن أشير أن المجلس القومي للثقافة والإعلام في مصر كشف أن الكيان الصهيوني يضم 30 ألف موقع على شبكة الأنترنيت الدولية مقابل 13 ألف موقع فقط للدول العربية والإسلامية(2)! وهذا كاف للاستلاب والتدمير.

هذه الوسائل، بما تقدمه، كثيرا ما تعمل على هدم الأخلاق وإشاعة الإباحية وتفكيك الأسر. ذلك أن الفكر الغربي لا يوجد في منظومته شيء اسمه الأسرة، ولا يؤمن بها… ونجد الأطفال مرتعا خصبا لهذه الوسائل نظرا لصغر سنهم الذي لا يمكنهم من التمييز والإدراك، ولغياب الحصانة، فيقبلون على كل شيء، ولا يرفضون شيئا. ولنتذكر ما يبثه بعض القصص من سموم وعنف لدى الأطفال، وتحريف لفطرتهم. ويحضرني هنا أنموذج البوكيمون الذي ترتكز قصته على النظرية التطورية والعنف الذي يدور في القصة، لتغرس لدى الأطفال أن البقاء للأقوى. وأنموذج آخر للدمية باربي التي أعدمت مؤخرا بالولايات المتحدة الأمريكية بطلب من آباء الأطفال بسبب ما تنشره من رذائل بين أطفالها.

ووسائل الإعلام دائما تصور الغرب، وأمريكا بخاصة، موطن الأحلام. فهو مجتمع غني، قوي، به عيش رغيد، ليس له مشاكل، يتوفر على المقومات القوية للمجتمعات الراقية. وكل هذا يجعل المتلقي مرتبطا دائما بهذا الغرب، محبا لقيمه وحضارته، كارها لانتمائه وحضارته، غير عابئ بقيمه.

وخلاصة القول: إن العولمة غربية المولد، أمريكية بالتحديد، أنشأتها عوامل اقتصادية بالأساس، لكن لها أبعاد اجتماعية وسياسية وثقافية وإعلامية. وأخطارها بادية على هذه المستويات. ويبقى على المسلم اليوم تحديد موقعه من هذا الخضم، ووضع رؤية وتصور واضحين للدور الحضاري المطلوب.

الهوامش:

(1) عباس الجراري، هويتنا والعولمة ص 49، منشورات النادي الجراري (18) الرباط.

(2) مجلة منار الإسلام، عدد137، محرم 1424.