إن بذل النفس في ساحة القتال، دفعة واحدة، بِحال صدق في ساعة صدق، قربة يبلغ الله بها المجاهد في سبيله درجة الشهادة، وهي درجة عظيمة عند العظيم الكريم. أعظم منها درجة الصديقية التي تقتضي بذلا للنفس في عمر طويل. بذلها بتهذيبها، وصقلها، وكفها عن محارم الله، وزجرها عن حماه، وقمعها، وردعها، وتوبيخها في جنب الله، وحملها على طاعته، وخضوعها لجلاله، وخشوعها لهيبته، وتَضَعُّفها أمام قوته، وتواضعها لقدرته، ورضاها بقضائه وقدره، وصبرها على بلائه، وخوفها من بطشه، ورجائها في عفوه، وشوقها للقائه، ورقتها لخلقه، وذلتها على المومنين، وعزتها على الكافرين، وعدائها للشياطين وإخوان الشياطين.

كل أولئك مظاهرُ لتزكيتها التزكية المحمودة المندوب إليها في قوله تعالى: (قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى).(سورة الأعلى، الآية: 14) مظاهر لكسرها وثَنْيِها من غُلُوائها وكبريائها لكيلا تكون من الذين يزكون أنفسهم بالرياء ولا من المستكبرين الذين لا يحبهم الله.

أبناء الدنيا يبذلون دينهم، مع حقارتهم، ليتزلفوا لمستكبري الأرض المزاحمين للألوهية في تفردها بالعظمة والكبرياء. أولئك مَقْصومٌ ظهرهم جميعا، سواء في ذلك المتذلل للجبارين والجبارون أنفسهم. قال الله عز وجل في الحديث القدسي: “الكبرياء ردائي والعظمة إزاري. فمن نازعني واحدا منهما قذفته في النار”. رواه أبو داود عن أبي هريرة. ولفظ مسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “العز إزاري، والكبرياء ردائي، فمن ينازعني عذبته”.

أبناء الدنيا الذين اتخذوا إلههم هواهم وعبدوا أنفسهم ونصبوها للعبادة كالأصنام، وتكبروا على خلق الله، وظلموا وأترفوا فيما أترفوا فيه هم حطب جهنم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. “لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر”. الحديث رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

أهل الجنة اللينون الذين يحبهم الله. اللينون لا عن مهانة وذلة نعوذ بالله، فإن الله عز وجل أخبرنا بأنه ضرب الذلة والمسكة على بني إسرائيل، ورسوله صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ بالله من الذلة والقلة. لكن الموطأون أكنافا الذين قال الله تعالى عنهم: (يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف ياتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المومنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم. ذلك فضل الله يوتيه من يشاء. والله واسع عليم).(سورة المائدة، الآية: 56).

لاحظ قوله تعالى: “أذلة على المومنين”. على حرف استعلاء، فالمومن حين يلين لإخوانه ويتواضع لهم يعطي من ذات نفسه عن طوع لا عن إكراه ولا عن خوف.

وإن الجمع في شخصية المومن بين طرفي الذلة على المومنين والعزة على الكافرين لمن أهم بواطن التربية وأدقها.لأن المومن الضعيف يميل به ضَعفه إلى طبع الاستكانة والسكون بينما يصول المستكبر ويَجول. رحم الله عمر بن الخطاب حين خفق بالدرة رجلا رآه منكوس الرأس مُتماوِتا، قال له: “أماتك الله! أَمَتَّ علينا ديننا!”.

أهل الجنة “كل ضعيف متضعِّف لو أقسم على الله لأبرّه” كما جاء في الحديث النبوي الذي أخرجاه في الصحيحين عن حارثه بن وهب. المُحَبُّون عند الله هم المتواضعون لله، يرفعهم الله كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من تواضع لله رفعه الله”. أخرجه الحافظ أبو نعيم في الحلية بإسناد حسن. ولا يدخل الجنة “الجوَّاظ ولا الجَعْظَرِيُّ” كما روى أبو داود عن نفس حارثة مرفوعا بإسناد صحيح. وانظر حكمة استعمال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذين اللفظين المنفرين العاتيين: الجواظ هو المَنوعُ للخير السمين المختال، والجعظري الفظ الغليظ.

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لينا على المومنين، لينا لهم برحمة من الله الرحمن الرحيم. لم يكن فظا غليظ القلب. وقد من الله عليه بهذا الخلق العظيم في قوله: (فبما رحمة من الله لنت لهم. ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك. فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر).(سورة آل عمران، الآية: 159) كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مهيبا، وكانت هيبته تنخلع لها قلوب الجاحدين وتتطامنُ لها قلوب المومنين. ذات مرة غلبت رجلا هذه الهيبة التي خلعها رب العزة والكبرياء سبحانه على عبده حُلَّة ربانية، فتلعثم الرجل، فقال الرؤوف الرحيم صلى الله عليه سلم: “إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد”. رواه الحاكم من حديث جرير وصححه. وقال عبد الله بن عباس: سمعت عمر بن الخطاب يقول على المنبر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “لا تُطروني كما أطْرَتْ النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله”. أخرجه البخاري.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى أصحابه عن إطْراء بعضِهم بعضا في وجهه ويقول: “ويحك قطعت عنق صاحبك!” ذكره مسلم وغيره. لأن الإطراء إذا ألِفَته النفس ومالت إليه تعاظم عندها شأن ذاتها. والمقصود من الشرع تزكيتها عن الغرور لا التغرير بها.

لهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: “رحم الله امرَأً أهدى إلي عيوبي”. ولهذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يَحْثون التراب فِعلاً في وجوه المداحين والمتملقين كما جاء الأمر بذلك في الحديث النبوي.

من تواضع أبي بكر الصديق رضي الله عنه وخوفه من ربه عز وجل أنه قال: “وددت أن أكون خضراء تأكلني الدواب”. ومن تواضع عمر رضي الله عنه وبذاذته أنه، وهو أمير المومنين، كان يلبس ثوبا عليه اثنتا عشرة رقعة. ومن تواضعه وسياسته لنفسه وإلجامه إيّاها أنه جمع الناس في المسجد فخطب يقول: “أيها الناس! لقد رأيتُني وأنا أرعى على خالات لي من بني مخزوم. فكنت أستعذِبُ لهن الماء، فيقبضن لي القبضة من التمر أو الزبيب”. ثم نزل فسأله عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: ما أردت إلى هذا يا أمير المومنين؟ قال: ويحك يا ابن عوف! خلوت بنفسي فقالت لي أنت أمير المومنين! وليس بينك وبين الله أحد! فمن ذا أفضل منك؟ فأردت أن أعَرِّفها قدرها. ولما قدم الشام بعد فتحها عرضت له مَخَاضَةٌ في النهر، فنزل عن بعيره، ونزع خفيه فأمسكها بيده، وخاض الماء ومعه بعيره. فقال له أبو عبيدة: لقد صنعت اليوم صنيعا عظيما عند أهل الأرض! يعني أن أهل الشام ألفوا عجرفة الروم وأُبَّهتهم، فهم لا يتوقعون من رئيس دولة أن يتصرف بهذه البساطة. فما كان من عمر إلا أن صَكَّ في صدر أبي عبيدة قائد جيش المسلمين وقال: أوه. لو غيرُك قالها يا أبا عبيدة! إنكم كنتم أذلَّ الناس وأحقر الناس وأقل الناس. فأعزكم الله بالإسلام. فمهما تطلبوا العزة بغيره يُذِلّكم الله.

كان هذا حالَ الصحابة المجاهدين رضيَ الله عنهم. أما السادة العارفون بالله من الصوفية فقد كان تواضع الكثيرين منهم مضربَ الأمثال. بعض المنتسبين للتصوف انزلقوا في الدروشة والمسكنة، وبعض النصابين باسم التصوف لبَّسوا على الناس بتواضع كاذب، هو الرياء أقبح الرياء.

قال الإمام أحمد الرفاعي عن نفسه: “المخلوق ضَعف، عجز، فقر، حاجة، عدم محض”. ومن كشف الله له حقيقة نفسه يرها معدن النقص كله والعجز والضعف. قال رحمه الله: “أي سادة! تفرقت الطوائف شِيَعا، وحُمَيْد. تصغير أحمد يعني نفسه. بقي مع أهل الذل والانكسار، والمسكنة والاضطرار”.

وقال رحمه الله: “أي سادة! أنا لست بشيخ! لستُ بمقدم على هذا الجمع! لست بواعظ! لست بمعلم! حُشِرتُ مع فرعون وهامان إن خطر لي أني شيخ على أحد من خلق الله،إلا أن يتغمدني الله برحمته فأكون كآحاد المسلمين”. وقال لرجل سأله الدعاء: “اقتد بالقرآن، اتبع آثار السلف! إيش أنا حتى أدعو لك. ما مَثلي إلا كمثَل ناموسة على الحائط لا قدر لها”. وقال: “بَذَلت نفسي، ولم أترك طريقا إلا سلكته، وعرفت صحته بصدق النية والمجاهدة، فلم أجد أقرب وأوضح وأحب من العمل بالسنة المحمدية، والتخلق بخلق أهل الذل والانكسار، والحيرة والافتقار”. ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الإشارة إلى فضل الله عليه في مثل قوله: “أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر”. الحديث رواه الترمذي عن أبي سعيد بإسناد حسن.

وكذلك قال الرفاعي: “علكيم بنا! صحبتنا ترياق مجرب، والبعد عنا سم قاتل”. وقال: “خُذ مني علم الذَّوق! خذ مني علم الشوق! أين أنت مني يا أخا الحجاب. كشف لي عن قلبك!”. وقال الشيخ عبد القادر: “إني صبرت ورأيت عاقبة الصبر محمودة. مُتُّ، ثم أحياني، ثم أماتني. وغبت ثم أوجدني من غيبتي. هلكتُ معه، ملكتُ معه. جاهدت نفسي في ترك الاختيار والإرادة حتى حصل لي ذلك، فصار القدر يقودني، والمنة تنصرني، والفعل يحركني، والغيرة تعصمني، والإرادة تطيعني، والسابقة تقدمني، والله عز وجل يرفعني”. وقال: “يا غلام! مرادي أنت لا أنا! أن تتغير أنت لا أنا! أنا عَبَرْتُ وإنما وَدَدْتُني لأجلك كي تتعلق بي حتى تَعْبُرَ بالعجلة”.

وقبل الشيخين الإمامين كتب حجة الإسلام أبو حامد الغزالي يدل على نفسه ويشير إليها في رسالة وجهها إلى شهاب الإسلام الوزير يرشده إلى معالجة القلوب وطبها. قال: “يمكن له (مريض القلب) أن يدخل في حماية طبيب يعرف علاج القلب ولا يكون مريضا. وطبيب كهذا عَزَّ وجودُه في هذا العصر. وفلان (يعني نفسه) من جملة أطباء القلب وأرباب القلوب”.

كان شيخ الإسلام ابن تيمية، في حالات هدوئه، غاية في التواضع. قال ابن القيم رحمه الله: “ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه من ذلك (أي من الخشوع والانكسار) أمرا لم أشاهده من غيره. وكان يقول: ما لي شيء! وما منّي شيء! ولا فِيَّ شيء! وكان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت:

أنــا المـكَـدِّى وابـن المُـكدي *** وهكـذا كـان أبـي وجَــــدّي (المكدي: المتسول)

قال: وكان إذا أُثْنِِي عليه في وجهه يقول: والله إنّي إلى الآن أجدّد إسلامي كل وقت. وما أسلمت بعد إسلاما جيدا! وبعث إلي في آخر عمره قاعدة في التفسير بخطه وعلى ظهرها أبيات بخطه من نظمه:

إني الـفقيـر إلـى رب البـريـات *** أنا المسكـين فـي مجمـوع حالاتي

أنا الظلـوم لنفسـي وهي ظـالمتي *** والخيـر إن ياتنــا من عنده يَاتـي

لا أستطيـع لنفسي جلب مـنفـعـة *** ولا عن النفـس لي دفـعَ المضرات

وليس لي دونه مـولىً يـدبِّـرنـي *** ولا شفيـع إذا حـاطت خطيئــاتي

إلا بإذن من الرحمـان خالقـنــا *** إلى الشفيـع كما قد جاء في الآيـات

ولسـت أملك شيئـا دونه أبـــدا *** ولا شـريـكٌ أنـا في بعـض ذرات

ولا ظهيـر له كي يستعيــن بـه *** كمـا يكـون لأربــاب الولايــات

والفقـر لي وصف ذات لازم أبـدا *** كمـا الغنى أبـدا وصـف لـه ذاتي

وهذه الحال حال الخلـق أجمعهـم *** وكلهـم عنـده عبـد لــه آتــي

فمن بغى مطلبا من غير خـالقــه *** فهو الظلوم الجهول المشـرك العاتي

والحمـد لله ملء الكون أجمـعـه *** ما كان منه ومـا من بعـدُ قد يـاتي

لعل شيخ الإسلام كتب الأبيات في السجن الذي مات فيه، فهي وصية تواضع وذلة وخضوع، أرجو أن يقرأها قراءة القلب أفاضلٌ يُكبرون مثلما نُكبر الرجل الكبير.

وأنشد التلميذُ المجيد شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله المؤرخ الصفدِيَّ من نظمه يلوم نفسه، اسم ابن القيم محمد بن أبي بكر. قال:

بنَـيُّ أبـي بكـر كـثيـر ذنوبـه *** فليس على من نـال من عِرضه إثم

بنـي أبـي بكـر جهـول بنفسـه *** جهـول بأمــر الله أنَّـى له العلم!

بنـي أبـي بكـر غـدا متصَـدِّرا *** يُعلـم علمـا وهو ليـس له علـم

بنـي أبـي بكـر غـدا متمنيــا *** وِصال المعالـي والذنوب لـه هم

بنـي أبـي بكــر يـروم ترقيـا *** إلى جنة المأوى وليـس له عـزم

بنـي أبي بكر يرى الغُنمَ في الذي *** يزول ويفنى والـذي تركـه الغُـنم

بنـي أبـي بكـر لقد خـاب سعيُه *** إذا لم يكن في الصـالحات له سهم

بنـي أبـي بكر كما قـال ربــه *** هَـلوع كنود وصفه الجهل والظلم

بنـي أبـي بكـر وأمثـاله غدوا *** بـفـتواهمُ هذي الخليـقـة تأتـم

وليس لهم في العلم بـاع ولا التقى *** ولا الزهـد والدنيا لديهم هي الهم

فوالله لو أن الصحابة شـاهــدوا *** أفاضِلَهم قالوا: هُمُ الصم والبكـم!

وقلت:

لَـكَ الصَّـوْلاتُ والجَـــوْلاتُ *** في صنـع الأباطِـيــــــل

وَتَـرتـاحُ إذا تُــمـسِـــي *** بِـرفْـقـةِ رُتَّـعٍ مِيــــــلِ

فَـهـلاَّ صِـرتَ مِنّـــا فـي *** عِـدادِ خِـــيرةِ الجيــــلِ!