التواضع خلق الأنبياء ومفخرتهم، وأصل ترشحهم للنبوة وهداية البشر، وهو خُلُقٍ كريم وخلّة جذابة، تستهوي القلوب وتستثير الإعجاب والتقدير، ولهذا نرى أن الله تعالى أمر نبيه المختار صلى الله عليه وسلم بالتواضع فقال تعالى: “واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين”.

والمؤمن كما عبّر عنه سيدنا علي كرم الله وجهه “نفسه أصلب من الصلد، وهو أذل من العبد”.

وكفى بهذه الفضيلة شرفاً أن أول معصية عصي بها المولى تعالى هي ما يقابلها من الرذيلة وهو “التكبر”، عندما أطل إبليس رافضاً السجود لادم تكبراً واستعلاءً فكانت النتيجة أن حل عليه غضب الله عز وجل: “قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها”.

وجزاء التكبر عند الله هو عذاب النار، “أليس في جهنم مثوى للمتكبرين”.

وفي هذا رادعٌ للإنسان عن الافتخار والتكبر الذي يقود إلى الهلاك.

وفي خطبة لسيدنا علي كرم الله وجهه ? يقول: “فاعتبروا بما كان من فعل الله بإبليس إذ أحبط عمله الطويل وجهده الجهيد، واستعيذوا بالله من لواقح الكِبْر كما تستعيذون من طوارق الدهر، فلو رخَّص الله في الكِبْر لأحد من عباده لرخَّص فيه لخاصة أنبيائه ورسله، ولكنه سبحانه كرَّه إليهم التكابر ورضي لهم التواضع”.

و نظرنا إلى إبليس الذي خرج من رحمة الله ليس لأنَّه رفض السجود لله بل لأنَّه استكبر ولم يقبل طاعة الله في آدم، يتضح أن باب الدخول إلى طاعة الله تعالى هو التواضع.

إن الانسحاق الإنساني أمام عظمة الحق تعالى يجعل الإنسان في مورد الطاعة الدائمة كالملائكة: “ولا يعصون الله ما أمرهم وهم بأمره يعملون”.

وبذلك تتحقق العبادة التي هي غاية التذلل والخضوع، وإذا غفل المؤمن عن عبادة ربه تلاشت في نفسه شِيَم الإيمان فينظر حينها إلى نفسه فيتكبر ويستعلي كما فعل فرعون الذي قال: “أنا ربكم الأعلى”.

وكما فعل النمرود الذي تجبر وتمرد حين قال: “أنا أحيي وأميت”.

ومن هنا نفهم أن التواضع لله والالتزام بعبادته تحفظ الإنسان ضمن هدف وجوده وتحدد له حجمه ودوره.

تواضع المؤمن مع نفسه:

إن التواضع خاصية راسخة في نفس الإنسان تصبغ حركة المؤمن وتسمها بسماتها، وهو يظهر في شمائل الرجل وإطراق رأسه، وجلوسه متربعاً أو متكئاً، وفي أقواله حتى في صوته، ويظهر في مشيه وقيامه وجلوسه، وحركاته وسكناته، وفي تعاطيه، وفي سائر تقلباته: “أوسع شيء صدراً وأذلّ شيء نفساً… نفسه أصلب من الصلد وهو أذل من العبد”.

فالمؤمن ذليل في نفسه متواضع مع ذاته لذلك نراه: ميالاً الى الإرض يتخذها مجلساً وفراشاً، يلبس ما حَسُنَ وتواضع من الثياب لأن المتقين. “ملبسهم الاقتصاد”. يُسَرُ بحمل متاع أهله وبيته لأنَّه “لا ينقص الرجل من كماله ما حمل من شيء إلى عياله” وبالجملة فإن تواضع الإنسان مع نفسه مقدمة لتواضعه مع غيره من أصناف الناس الذين يتعامل معهم في المجتمع.

التواضع للوالدين:

هذا التواضع يعتبر من حق الوالدين على الولد، ومن أشكال البر بهما حيث يقول تعالى: “واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا”.

ويفيد الإنسان أن يتذكر أنَّهما أصل وجوده وسبب بقائه بما تعاهداه من حمل أمه له وتربيتها، وتعب والده لحمايته وصونه، ونستدل على ذلك من خلال الآية المباركة: “كما ربياني صغيراً”.

وهذا يوجب لهما حق التواضع والخضوع، واستشعار الذل أمامهما.

ومن مظاهر الأدب والتواضع للوالدين:

أن يقف الابن عند دخول الأب عليه.

ويسكت عند حديثه ولا يقاطعه.

ويخفض صوته في حضرته لأن رفع الصوت علامة التمرد والتهاون بمقام الوالد

التواضع للناس:

إن القلوب لا تتخلق بالأخلاق المحمودة إلا بالعلم والعمل جميعاً، ولا يتم التواضع بعد المعرفة والعلم إلا بالعمل ومعاشرة الناس بالحسنى، بحيث يتواضع الإنسان في معاملاته لسائر الخلق الصغير منهم والكبير، ويبين القرآن جوانب أساسية من التواضع في معاشرة الناس، فيأتي في سورة لقمان: “ولا تصعر خدك للناس”.

وعدم الميل بالوجه عنهم إهمالاً واستعلاءً، فمن التواضع الإقبال على الخلق، واستماع حديثهم والاهتمام بهم ولو صغر موقعهم في المجتمع، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل على من يحدثه ولا يرفع يده من يد صاحبه حتى يكون هو الذي يرفعها.

“ولا تمش في الأرض مرحا”، مِمَّا يدلّ على زهو وخيلاء في النفس.

والتصرف الصحيح هو ما جاء في سورة الفرقان: “وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً”، أي بهدوء واستكانة.

“واغضض من صوتك”.

التواضع المذموم:

رغم شدة اهتمام الإسلام بالتواضع، ونهي المؤمنين عن الترفع على غيرهم من الناس إلا أن الله تعالى قد وضع حداً للتواضع بشكلٍ لا يقود إلى الذلة والضعف المهين للإنسان والدين.

فعلى المؤمن أن يبقى عزيزاً في مواجهة الفاسقين والعصاة وأهل الكفر.

“أعزة على الكافرين”.

إن خفض الجناح أمام أهل العصيان يعتبر ذلاً ومهانةً لنفس الإنسان وتوهيناً للدين من ناحية أخرى.

وفي إطار وَصفِ أبي سعيد الخدري لرسول الله صلى الله عليه وسلم قول: “متواضعاً في غير مذلة”.

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول “طوبى لمن تواضع في غير مسكنة”.

إن الوسطية تقضي بالاعتدال في الخصال والصفات والإفراط بالتواضع في غير محله عاقبته الذل والهوان، كما أن التفريط به يؤدي إلى التكبر.