لم يحصل لأحد من البشر ما حصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم من توفر صفات الكمال وبلوغ الحد الأعلى والغاية القصوى التي يمكن أن يبلغها إنسان، فكان عليه الصلاة والسلام مضرب المثل في الكمال الإنساني والسمو الخلقي قبل البعثة وبعدها، وقد خصه الله بخصائص وميزات امتاز بها على البشر في الدنيا والآخرة فجعله أفضل المرسلين الذين هم خير البشر وجعله خاتمهم وسيدهم وإمامهم وأولهم خروجا من القبر وأولهم تقدما للشفاعة وأولهم مشفعا وقال صلى الله عليه وسلم متحدثا بنعمة الله عليه ومبينا للأمة منزلته عند الله ليعتقدوا ذلك ولينزلوه المنزلة اللائقة به صلى الله عليه وسلم من الإجلال والتعظيم والمحبة والمتابعة قال: “أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع” 1 .

ومع هذه الخصائص والميزات التي سما بها إلى منزلة لا يساويه فيها غيره من أولي العزم من الرسل، فضلا عمن سواهم، كان صلى الله عليه وسلم أشد الناس تواضعا وأقربهم إلى الضعيف والمسكين وأبعدهم من الكبر والترفع.

ولما بين صلى الله عليه وسلم لأمته بعض ما خصه الله به بقوله: “أنا سيد ولد آدم..” أضاف إلى ذلك ما يبرئ ساحته من الفخر -وحاشاه من كل نقص- فقال: “ولا فخر” 2 .

وإنما أخبر صلى الله عليه مسلم بمنزلته عند الله لأنه لا سبيل للأمة إلى معرفة ذلك إلا بواسطته والتلقي عنه -صلى الله عليه وسلم- إذ لا نبي بعده يخبر عن عظم منزلته عند الله كما أخبر هو أمته بفضائل الأنبياء قبله صلوات الله وسلامه وبركاته عليهم أجمعين.

ولما خير صلى الله وسلم بين أن يكون عبدا رسولا أو نبيا ملكا اختار مقام العبودية والرسالة على مقام النبوة والملك، أخرجه الإمام أحمد في المسند، وروى البيهقي عن أنس قال: “دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وذقنه إلى راحلته متخشعا”، وروى ابن إسحاق في السيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضع رأسه تواضعا حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح حتى أن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل). قال ابن كثير: وهذا التواضع في هذا الموطن عند دخوله صلى الله عليه وسلم مكة في مثل هذا الجيش العرمرم بخلاف ما اعتمده سفهاء بني إسرائيل حين أمروا أن يدخلوا باب بيت المقدس وهم سجود ـ أي ركع ـ يقولون حطة فدخلوا يزحفون على أستاههم وهم يقولون حنطة في شعرة).

وروى البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال: “كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت”، وروى مسلم في صحيحه عن أنس “أن امرأة كان في عقلها شيء فقالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة، فقال: “يا أم فلان انظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها””، وفي صحيح البخاري عن الأسود قال: سألت عائشة ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في أهله؟ قالت: “كان في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة”.

وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لو دعيت إلى ذراع أو كراع لقبلت”، وكان صلى الله علنه وسلم إذا مر بالصبيان سلم عليهم. روى مسلم في صحيحه عن شعبة عن سيار قال: “كنت أمشى مع ثابت البناني فمر بصبيان فسلم عليهم وحدث ثابت أنه كان يمشي مع أنس فمر بصبيان فسلم عليهم وحدث أنس أنه كان يمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمر بصبيان سلم عليهم”. وكان صلى الله عليه وسلم يخالط أصحابه ويداعب الصبي الصغير يقول أنس رضي الله عنه فيما رواه عنه البخاري في الصحيح: “إن كان النبي صلى الله عليه وسلم ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: يا أبا عمير ما فعل النغير؟”، وفي رواية عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا وكان لي أخ يقال له أبو عمير، قال: أحسبه فطيما. وكان إذا جاء قال: “يا أبا عمير ما فعل النغير، نغير كان يلعب به”.

وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال: “خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي: أف ولا لم صنعت؟ ولا ألا صنعت؟”.

وكان صلى الله عليه وسلم يركب الدواب ويردف بعض أصحابه وراءه عليها، وكان صلى الله عليه وسلم يرشد أمته إلى التحلي بصفة التواضع ويرغبهم في التخلق بها، ومما قاله صلى الله عليه وسلم في ذلك: “ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله” 3 ، وهو صلى الله عليه وسلم سيد المتواضعين وأسوتهم وقد رفعه الله إلى أعلى الدرجات، رفع قدره وأعلى منزلته وخلد ذكره.

ومع هذا التواضع والخلق العظيم الذي تفضل الله به على عبده ورسوله وخليله محمد صلى الله عليه وسلم كان أصحابه رضي الله عنهم لا يملؤون أعينهم بالنظر إليه صلى الله عليه وسلم إجلالا واحتراما له صلى الله عليه وسلم.

يقول عمرو بن العاص رضي الله عنه في حديث له أخرجه مسلم في صحيحه: “وما كان أحد أحب إليّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أجل في عيني منه وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه”.


[1] رواه مسلم وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه.\
[2] أخرجه الترمذي وابن ماجة والإمام أحمد من حديث أبي سعيد رضي الله عنه. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\
[3] رواه مسلم.\