أقصد بقواعد الإسلام المرتكزات الأرضية الجغرافية السياسية، والمقومات الاقتصادية، والحجم البشري الذي عليه بعد الله عز وجل يمكن أن تتكِئ القوة الإسلامية الاقتحامية في سبيلها إلى التمكن في الأرض والاستواء في الحكم. وما التمكين إلا من الله عز وجل، لكننا ننظـر في الأسبـاب والإمكانيات الظاهرة وهي من وضعه تعالى وخلقه وتسخيره.

يَعتَمد واضعو السياسات على التخطيط المحسوب المدقق للحاصل والفائت من إعداد المستقبل. والحاصل للحركة الإسلامية الصاحية هو أولا الثقة التامة بالمولى القوي العزيز وبوعدِه الكريم على لسان نبيه الأمين صلى الله عليه وسلم بأنها ستكون خلافة على منهاج النبوة بعد العض والجبر.

الفائت هو حال الأمة من التشتت والتمزق، حتى إنك إن ذهبت تحصي المسلمين ومقومات المسلمين لا تُسمِّي أمة واحدة، وإنما تسمي مُزَعاً من جسم مُمزق في دويلات مستقِلٍّ بعضُها عن بعضٍ، تابِعٍ كلُّها للقوى العالمية المهيمنة، وتُسمِّي اقتصاديات هزيلة تنتمي بلا استثناء للعالم المتخلف، بل يُضرَب المثلُ ببعضها للفقر المدقع.

هذا رغم وفر الإمكانيات، رغم الفائض المالي في دويلات النفط، رغم الفائض في الإمكانات الفلاحيـة في بلدان لاَ تعرف أن تستغل الأرض ولا تقدِر. رغم وجود طاقات مادية وبشرية لا تُستثمَر.

تُسَمِّي إن استعرضتَ المسلمين مليارا من الخلـق ويزيد، تُسَمِّي كَمّاً ديموغرافيا تَزَاحُمُ الأجيال فيه على مائدة الحياة يشكل عِبْئاً ثقيلا ومشكلا لا يجدُ حلا.

تُسمِّي إن ذكرتَ المسلمين الجوعَ يُجاوِر التخمة، والهزيمة والغُرْبة على وجه الأرض، والهُوية الضائعة إلا من انتسابٍ إلى الإسلامٍ دفينٍ يُذَكِّرُ الزنجيَّ المسلم متى وجَد من هموم معاشه الشحيح فُسحةً للتفكير أنه أخ في الدين لذلك العربي الثري الذي تحدثوا عنه في وسائل الإعلام أنه خَسر على مائدة القِمار في مونتي كارلو أربعمائة ألف دولار في جَلسة واحدة. يذكِّرُهُ انتسابُه للإسلام تلك الأخوة المبدئية التي تلْعن هذه الأثَرَةَ الجاهلية التي مكّنَتْ للظلم الشنيع، ومكن له النظامُ العاض والجبري، ومكن لها التنكر لدين الإسلام دينِ العدل والإنصاف.

أمة متعددة متنوعة منتشرة شعوبا في القوقاز والعرب والإيرانيين والأوربيين. ما بين أسودَ وأسمر وأبيض. أتراك وهنود ومغول وزنوج وماليزيون. متنوعو السِّحْنات واللغات واللهجات. قبلتهم في الصلاة واحدة، حجهم إلى بيت الله الحرام الواحد، عقيدتُهم أن لا إله إلا الله محمد رسول الله على كثير من الجهل بالدين في عوامهم، وعلى كثير من البِدعِ والخُرافات الراسبة من القرون والطارئة الناشئة من الاختلاط الثقافي.

المسلمون المليار ويزيد سُنةٌ وشيعة، أكثرُ من تسعين في المائة من أهل السنة والجماعة انتماءً، لكن الأقلية العددية من الشيعة في إيران هم الذين فَجّروا على عتَبةِ القرن الخامس عشَرَ ثورة نبهت العالم إلى أن الإسلام قوة كامنة لا تنتظر إلا القيادة الحكيمة لتشكيل قوةً تحررية لها الاعتبار.

المسلمون يشكلون على خريطة العالم حزاماً يمتد من أندونسيا إلى شواطئ الأطلسي بالمغرب، من جاكرطا إلى طنجة. وبلاد العرب المسلمين هي بُؤرة هذه الرقعة. للعرب المائةُ والخمسون مليونا، بل المائتا مليونٍ عن قريب، المِيزةُ المنكرَةُ بأنهم أكثر شعوب الأرض تفاوتا في قِسمة الأرزاق وسوء توزيعها. النفط كان يكون ركيزةً لتنمية توفر الرخاء للعرب وللمسلمين أجمعين لولا أنَّ فهم بعض العَرَب للإسلام وتحريفهم له حوَّل دين العدل مُبرِّراً ليبقى هذا أميرا يرتع وذاك صعلوكا لا يشبع.

المسلمون دويلات خلَّفها التقسيم الاستعماري، وقسَّمها التوزيع العضِّيُّ الجبري من قبله، ما منها واحدةٌ تُذْكَرُ إن تحدث العالمُ عن الصناعة والعلوم والاكتفاء الذاتي واليدِ النافذة في سياسة العالم واقتصاده ودبلوماسيته وتقرير مصيره. بل ما منها واحدة تقرر مصيرَ نفسها بحرية دون أن تستأذن الحاميَ القوي أو الحليف الاستراتيجي أو الممول المُوَجِّهَ للسياسة الاقتصادية الاجتماعية التي لا ينبغي أن تَدور عجلتُها إلا وَفْقَ ما يُصْلِحُ الدواليبَ الرأسمالية طاحنةَ المستضعفين في العالم.

المسلمون أقليات مقهورة في آسيا وأفريقيا، وجاليات مشتتة في أرجاء المعمورة. في الاتحاد السوفييتي بالأمس كان المسلمون يمثلون أقلية هي بعد الأقلية المسلمة بالهند أكثر المغلوبين على أمرهم عددا. وهم اليوم، بعد تفتت الاتحاد السوفييتي، جمهوريات تُنازِع القوميةُ فيها الهويةَ الإسلامية التصدُّرَ والبروز.

هناك أقليات في سنغافورة الصغيرة وفي الصين الكبيرة. أقليات في فتنام والفلبين، في سيلان وبرمانيا، في يوغوسلافيا وبلغاريا وبولونيا وهنغاريا وسائر الفتات من الإمبراطورية العثمانية رحمها الله. هنالك في أوربا أقليات باليونان وقبرص، وأغلبية، بل عامة، في ألبانيا عجل الله سراحها من قبضة الماركسيين الخبثاء. هنالك جاليات في فرنسا إسلامية يقدمها حجمها ليكون الإسلام ثاني دين في البلد،وجاليات في إنجلترا وسويسرا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا وبلجيكا. وفي الأمريكتين جاليات مهمة تزاحم هنا وهناك، بحجمها العددي لا غيرُ، الجاليات اليهودية المتمكنة في البلاد ثروة وتنظيما ونفوذا.

الأقليات المسلمة تعاني من القِلَّةِ والذِّلَّة والاضطهاد مثل ما تعاني الدويلات الإسلامية التابعة المحكومة بغير ما أنزل الله. وتتكون الجاليات المسلمة في أغلبيتها الساحقة من مستضعفين نزحوا من ديارهم طلبا للقوت. فهم عُمال هامشيون تستغلهم البلاد المضيفة وتأكل أعمارهم. معهم قِلة من الطلبة والخريجين. والكل مهدَّد بسطوة البحر الكافر المحيط، يحتاجون أن تمد الدعوة الإسلامية لهم يد العون لكيلا يذوبوا وتذوب ذريتهم في مجتمع الغربة. وإن مصير أبناء الجاليات المسلمة وبناتهم من الجيل الثاني والثالث لمأساة تُدمِي القلوب.

هل يكون هذا الشتات من البشر مُرتكزا يُرجَى نفعه يوما مع ما وصفنا وما لم نصف مِن الضَّعف والضياع؟

نعم والله إن سرت في الأمة روح جديدة. وإنَّ في أفغانستان الجهاد، أفغانستان الكرامات، أفغانستان التي دحرت أكبر قوة عسكرية في العالم لخيرَ آية يتدبرها المومن ليرى مواقِعَ نصر الله.

وإن في انبعاث الإسلام في أرض روسيا بعد سبعين سنة من القمع الوحشي لآية أخرى على أن الله عز وجل ناصر دينه ولو بعد حين. إلى الجمهوريات المسلمة بالقوقاز وآسيا الوسطى وسائر تلك الربوع سرت الروح الجهادية من أفغانستان الجهاد فأيقظت، بل زادت يقظة، محاضن الإيمان التي حافظ عليها الدعاة عشرات السنين تحت السياط والسفك والتكفير المبرمج. وهكذا التقى الصوفية أهل الحديث فكونوا ما يسميه الروسيون الحاكمون بـ”الإسلام الموازي” المناهض للكفر. وإنه لدرس نتلقاه من هناك. بل درسان: لقاء أهل الحديث بالصوفية وهم في بلاد العرب خاصة يسَعِّر بعضُهم الحرب على بعض.ثم درس تمييز العدو بأنه كافر بينما نحن ألِفنا أن نصفه بالمستعمر الظالم، وكأن صفة الكفر حال ثانوي لا قيمة له.

إذا حلَّت الأرانب رَبْعا فسيحا خِصبا فلن تكون لذلك الربع حُرمَةٌ لأن سكانه أرانِبُ. فلو سكنته الأسود لأصبح عرينا عزيزَ الحِمَى له المَنَعة والسطوة. هكذا ديار المسلمين، وخيرات المسلمين، وطاقات المسلمين، والكمُّ العدديُّ الهائل للمسلمين. كل ذلك لا وزن له سياسيا ولا أخلاقيا ما دام المسلون على حالة البعد عن دينهم.

من هذا البعد عن الدين تخطُبُهم الداهية، داهية الخوف والجوع والظلم والتفاهة. أرانب طيِّعة لكل صائد.

والذي يريده الإسلاميون، وهم الرحمة الإحيائيـة التي بها يجدد الله الكبير المتعال الإيمان، هو أن تنبعث الأمة من رقاد، وتتجمع من شتات، وتَحْيَى من موات، لتقوى على حمل الرسالة للعالمين.