مدخل

ما محل الفن من الإعراب في سياق جملة الدعوة؟

هل الفن “بدعة” ما كان أغنانا عنها، كما يحلو للبعض أن يقول؟

أهو “ديكور” في واجهة البناء الدعوي لا تأثير له في قوته أو ضعفه أو قيمته؟ أم هو في أحسن الأحوال مجرد أداة ترويحية تلطف الأجواء وتريح من أعباء الدعوة؟

ما الذي ساهم في هذه النظرة؟

هل ساهم فيها كون أهل الفن فينا هم من البسطاء الذين لايُعرفون إذا حضروا ولا يُفْتَقَدُون إذا غابوا؟

ألأنهم لا يحملون على أكتافهم نياشين تُسْبِلُ عليهم وعليه من هيبتها ما يجعل لهم وله شأنا بين أهل الدعوة كبيراً؟

أم لأنهم يقفون عملهم الدعوي على هذا التخصص الذي يُعتبر في كثير من الأحيان مجرد “نشاط” بكل ما لهذه الكلمة من إيحاءات؟

هل للفن جنسية؟ أم إنه لا جنسية له ولا وطن؟

هل الفن قاسم مشترَكٌ فيه بين بني البشر، لا نسب له إلا نسب الإنسانية، ولا لسان له إلا لسان الإنسانية، فيكون من أجل ذلك فَنُّ زيدٍ أو عمرٍو من الناس صالحاً لأي إنسان ما دام إنسانا، ويكون لساناً من اللسان يفهمه ويتذوقه وينفعل ويتفاعل معه كل إنسان، وديناً من الدين يهيمن على روحية كل إنسان ويتقمصها ويوجهها؟

لقد أضحت مقولة: “الفن لا وطن له” شعاراً مظلةً يتسلل تحتها كل فن سقيم. ولا يقف الأمر عند حد تأثر المتلقي بفن وذوق الملقي الغازي، بل يتجاوزه إلى تأثره بِسَمْتِهِ وفكره وأسلوب حياته ونظرته إلى الكون والحياة والإنسان.

بهذا يكون الفن أخطر من ألف خطبة وموعظة وكتاب.

إن الفن، أيَّ فنٍّ مهما كان لونه، يحمل في طياته روحَ حياةِ حامِلِه وفكرَه وأسلوبَه ، ويبقى دائما وأبدا مُرْتَبِطا بمنبعه ارتباطَ الجنين بِرَحِمِه.

كيف يكون فننا لساناً آخر من ألسنة الحكمة، وباباً آخر من أبواب الرحمة، ناطقاً بلغته عن روحهما، مشيراً بعبارته إلى سعتهما، مستميحاً من عيون فيوضاتهما؟

أم كيف يكون سبيلاً من سُبُلِ الدلالة على الحق، ونوراً من أنوار الهداية إلى الرشد؟

أم كيف يكون يداً وضيئةً من أيادي التغيير المنشود؟

هل نطمع أن نؤسس حركة فنية تنتسب إلى الوحي وتكون جناحاً فنيا لمشروعنا التغييري؟ وَمَن هؤلاء وكيف هؤلاء الذين نطمع أن يحملوا لواء هذه الحركة الفنية المنتظرة؟ وكيف نُجَـنّـِبُها أن تنطلق من مرجعية واحدة أصيلة في النية وتسقطَ، لا قدَّر الله، في مرجعيات مُرَكَّبَةٍ هَجِينَةٍ في الفعل؟

ما هي خصائص خطابنا الفني ورسالتنا الفنية؟

ما هو، في كلمة واحدة، مشروعنا الفني؟

أسئلةٌ يُرَامُ بالجوابِ الفكري التخطيطي الميداني العملي عنها التعرضُ لنفحات الله في أيام دهرنا هذه، والتماسُ أنوار الصبح القريب القريب، حتى لا تشق قافلتُنا طريقها نحو ما لا تدري، وحتى لا تتيه في الليل البهيم عن الخطّة والدليل الْمُوَجِّه الخبير، وحتى لا يَضَعَ الفرسانُ الحبالَ على غَوَارِبِ أَفْرَاسِهِمْ قبل أن يتبـيَّنوا سبيلَهم. وعند الصباح، يَحْمَدُ القومُ السُّرَى.

مـقـدمـات

1- الفنّ والدعوة

الفنُّ سَمْتٌ حَسَنٌ في القول والفعل والحال، وذوقٌ رقيقٌ راقٍ في الاختيار والأسلوب، وتفاعل إيجابي مع الكينونة الكونية التي أبدعها البديع الجميل وأسبغ عليها من جماله سبحانه ما لا يملك الإنسان أن يقول أمامها إلا: الله&

الفن دعوةٌ للحب، ودعوة للتأمل في الآفاق وفي الأنفس بقلب متنور وعقل متدبر وإحساس مرهف وذائقة راقية.

والدعوة فنُّ الحياة والتعبير والتواصل والتأثير والتغيير.

إن الله تعالى إذ يدعونا إلى التدبر في كتابه المقروء وكتابه المنظور‎‎‎‎ تدبرا حيا، فإن من أولى أولويات الفن أن يكون سلكا موصلا لهذه المعاني وجسرا مأموناً عليه بين المنظور والمقروء من جهة وبين الناس من جهة ثانية.

إن على الفن أن يكون عنصرا أصيلا في نفس الإنسان الذي نَنْشُدُهُ وفي تفكيره وسلوكه وبِيئته، بقدر ما هو عنصر أصيل من عناصر هذا الكون الذي نحيى فيه. بهذا تتناغم حركة الإنسان مع حركة الكون لِيَعْزِفَا معاً لَحْنَ العبودية الخالد.

الفن!

هذه اللفظةُ الحالمةُ المنسابةُ من النفسِ وأغوارِها.. المتسللةُ عبر مساربها ومنعرجاتها.. السابحةُ في كونٍ غير محدود من السحر والخيال.. الحاملةُ لآلام وآمال هذا الإنسان..

والحرية!

هذه الكلمة البراقة الساحرة، التي سعى الإنسان مُذْ خَلَقَه الله تعالىَ إلى تحويل كل حرف من حروفها إلى عوالم من الانطلاق لا تعرف الحدود والقيود والسدود..

الفن والحرية!!

هذا الشعار الجميل؛ هذه التركيبة الكيميائية المزدوجة التي تُحْدِثُ باتحاد وانسجام وتفاعل عُنْصُرَيْها أعظمَ ما يُخَلِّدُ الإنسانَ، أو أخطر ما يبدد الإنسان!!

نريد أن يكون الفنُّ لساناً من ألسنة الدعوة فصيحاً، ويداً من أياديها قويةً فاعلةً بنَّاءة؛ أفلا تكون الدعوة بهذا رَمْساً لكل إبداع أصيل، وقيدا مُقَيِّداً لكل فن جميل؟!

كيف تلتقي الدعوة، وهي عنوان الالتزام والانضباط، مع الفن وهو رمز الحرية والانطلاق؟

كيف هي نظرةُ الدعوة إلى الفن؟

أهي نظرةٌ لأصلٍ أصيل فيها، ومعنىً مكين منها؟ أم هي نظرة جندي أعزل لسلاح فتاك في معركة طارئة؟!

كيف تكون علاقة الدعوة بالفن؟

أتكون علاقة توظيف لآلة تُخْرِجُهَا الضرورةُ من كهوف الحرام أو المكروه، أو اللغو أو اللهو، إلى ساحة الميدان لتؤدي، في حدود ضيقة، دوراً مؤقتاً تعود بعده إلى كهوفها في انتظار حَيْعَلَةٍ ثانية أو ثالثة أو رابعة؟!

أسئلة من هذا النوع لابد أن يساهم الجوابُ عنها في إثارة الانتباه لهذا الموضوع الخطير؛ لأن دعوةً لا يمثل الفن عنصرا أصيلا من عناصرها لا تستحق أن تستوعب أو تحتضن بين أذرعها نفائس أرواح الناس، بل لا تستطيع!

يرى البعض أنه ليس من شأن الفن ولا من مهماته أن يُحَمَّلَ رسالةَ الدعوة لأننا بهذا نَئِدُهُ أو نقيده وهو لا يترعرع ولا ينمو ولا يُثمر إلاَّ في أجواء الحرية..

هي نظرة تريد للفن أن ينحسر في فردية رهبانية انعزالية انطوائية منكمشة على ذاتها؛ ناقصةُ عقلٍ هي إذْ لا بصر لها بشؤون زمانها: “وعلى العاقل أن يكون بصيراً بشؤون زمانه…” (رواه ابن حبان في صحيحه والحاكمُ وقال صحيح الإسناد ).

2- في حرم الله.. وبين يدي رسول الله؟!

روى الترمذي عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكَّةَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ يَمْشِي وَهُوَ يَقُولُ:

خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ ** الْيَوْمَ نَضْرِبْكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ

ضَرَبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ ** وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِـهِ

فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا ابْنَ رَوَاحَةَ، بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي حَرَمِ اللهِ تَقُولُ الشِّعْرَ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “خَلِّ عَنْهُ يَا عُمَرُ، فَلَهِيَ أَسْرَعُ فِيهِمْ مِنْ نَضْحِ النَّبْلِ”.

وفي رواية أخرى للنسائي قَالَ عُمَرُ يَا ابْنَ رَوَاحَةَ: فِي حَرَمِ اللهِ وَبَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقُولُ هَذَا الشِّعْرَ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : “خَلِّ عَنْهُ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَكَلاَمُهُ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ وَقْعِ النَّبْلِ”.

“أَسْرَعُ فِيهِمْ”.. كأنها نار تسري في هشيمِ كُفْرِهِمْ.

“أَشَدُّ عَلَيْهِمْ”.. كأنها طيرٌ أبابيلُ، ترميهم بحجارة من سجيل.

خاصيتان عظيمتان من خصائص الفن تمنحنا إياه روايتان نفيستان لحديث نبوي واحد:

1 – سرعة في الانتشار..

2 – وفاعلية في التأثير..

ويقول صلى الله عليه و سلم فيما رواه الدارمي عن البراء قال: يقول صلى الله عليه و سلم: “حَسِّنُوا القرآنَ بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا”.

وهل يحتاج كلام البديع الجميل إلى من يُحَسِّنُه أو يُزَيِّنُه أو يُجَمِّلُه؟!!! خاصية أخرى من خاصيات الفن:

3- التزييـن.

وروى الدارمي عن أبي سلمة أن عمر بن الخطاب كان إذا رأى أبا موسى قال: “ذَكِّرْنَا رَبَّنَا يا أبا موسى”. فيقرأ عنده. وكأن صوت أبي موسى الجميل، الذي قال عنه الحبيب صلى الله عليه وسلم بأنه أوتي مزماراً من مزامير آل داود، هو الذي يضفي على القراءة صفة التذكير. ذلك أن الصوت الحسن يتسلل إلى أعماق القلب دونما إذن أو مفتاح لأنه هو بذاته مفتاح، وإلا لاكتفى عمر بن الخطاب بقراءته هو نفسه أو بقراءة غير أبي موسى.