الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، سبحانك اللهم لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، خير نبيٍ أرسله، أرسله الله إلى العالم كله بشيراً ونذيراً، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد؛ صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم ـ أيها المسلمون ـ ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى.

أما بعد، فيا عباد الله:

أحدثكم اليوم في موضوع طالما تأفف من الحديث فيه كثير من الناس، وطالما تبرم بالاستماع إليه كثير من الفئات، ألا وهو الحديث عن الموت.

ويا عجباً كيف يتأتى للمؤمن بالله ورسوله أن يتأفف من الحديث عن الموت، وأن يستوحش من ذكراه، بعد أن قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((أكثروا من ذكر هاذم اللذات، ومفرق الجماعات، فإنه ما ذكر في كثير إلا قلله، وما ذكر في قليل إلا كثّره)) أي ما ذكر في كثير من المعاصي والانحراف والأهواء إلا قللها، وما ذكر في قليل من الطاعات والقربات إلى الله إلا وزاد منها.

تذكر الموت مع معرفة حقيقته هو الذي يقلم مخالب البغي، وهو الذي يحطم أنياب الظلم والطغيان، تذكر الموت مع معرفة حقيقته هو الذي يجتث الفساد بألوانه في المجتمع، تذكر الموت مع معرفة حقيقته هو الذي يهذب الأخلاق، وليت شعري ماهو السبيل الذي تهذب به أخلاق المجتمعات؟ وكم ينشد ذلك الباحثون في أمور المجتمع؟ ما هو السبيل لِتَحَلِّي المجتمعات أفراداً وفئاتٍ بالأخلاق الإنسانية الفاضلة؛ إن هم أعرضوا عن الموت وتجاهلوه، ونسوا أنهم على موعد معه؟ من أجل هذا يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: ((أكثروا من ذكر هاذم اللذات، ومفرق الجماعات، فإنه ما ذكر في كثير إلا قلله، وما ذكر في قليل إلا كثره)).

تذكر الموت أيها الإخوة هو الكابح الذي يجعلك تستطيع أن تسير مطمئنَ البال في منزلق دون أن تخشى على نفسك من الوقوع والتحطم والهلاك، وكلنا يعلم أن الذي يسير في منزلق يبحث عن الكابح الذي يضبط سيره قبل أن يبدأ المسير.

وما أدقَّ بيان الله عز وجل إذ قدم الموت على الحياة لهذا السبب مع أننا جميعاً نعلم أن ميقات الموت من حيث الظهور المادي، ومن حيث الترتب الأجلي إنما هو بعد الحياة، ولكن يريد الله عز وجل أن نعلم أن الموت على الرغم من كونه يأتي بعد الحياة، إلا أنه الكابح الذي يضمن للإنسان سلامة المسير على الطريق، يضمن للإنسان سلامة المسير إلا الله عز وجل، ولذلك قال: {تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك: 67/1-2].

فأنا أريد أن أحدثكم عما يتأفف من ذكره كثير من الناس، أريد أن أحدثكم عن هذا الذي يستوحش هؤلاء السكارى الذين يتطوحون بين الشهوات والأهواء، ويتسابقون في لهث دائب إلى المزيد ثم المزيد من جمع حطام الدنيا، لا، لابدَّ أن نصغي إلى ما يقوله رسول الله، إلى ما يقوله هؤلاء الذين يستوحشون من الموت، الذي هم منه على ميعاد يقيني. ألم يقل الله عز وجل: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ} [الجمعة: 62/8] ألم يقل: {كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ} [آل ‌عمران: 3/185]، ألم يقل لحبيبه المصطفى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر: 39/30].

ولكن فما الموت أيها الإخوة؟ وما هو السبب الخفي الذي يجعل كثيراً من الناس يتبرمون بالحديث عنه، ويستوحشون من الإصغاء إلى ذكراه. أكثر الناس يتصورون اليوم أن الموت هو عدم، وهو بمثابة مصباح كان ينير ظلمات غرفة تعيش فيها، وإذا بهذا المصباح انطفأ وآلت الغرفة إلى ظلام دامس، فهل الموت كذلك؟ معاذ الله، هذه عدوى وصلتنا من الغرب، وما أكثر الخرافات الباطلة التي وصلت إلينا من الغرب، فاصطبغنا بها وتباهينا بهذه العدوى، الموت عندهم هو العدم، ولذلك يقولون: حكم على فلان بالإعدام كناية عن الموت، ولكن الموت ما كان يوماً ما هو العدم.

ما الموت أيها الإخوة؟ الموت هو المرحلة الثالثة من أربع مراحل جعل الله سبحانه وتعالى الإنسان على ميعاد معها، أربع مراحل أنت يا ابن آدم على موعد معها من سلسلة الحياة:

المرحلة الأولى: حياة الأجنَّة؛ إذ يكون الجنين في عالم الأرحام.

المرحلة الثانية: هي مرحلة هذه الحياة الدنيا، التي نتقلب في غمارها اليوم.

المرحلة الثالثة: هي الحياة البرزخية، التي نحن على ميعاد معها عما قريب.

المرحلة الرابعة والأخيرة: هي مرحلة الحياة الآخرة.

وكل مرحلة من هذه المراحل الأربع أقوى وأوسع من المرحلة التي قبلها، فمرحلة الحياة الدنيا أوسع بكثير من تلك المرحلة التي كنا نتقلب فيها إذ كنا في عالم الأرحام، ومرحلة الحياة البرزخية هي أوسع بكثير وأقوى من هذه الحياة التي نتقلب فيها اليوم.

وأحدثكم حديثاً علمياً عن هذه المسألة حتى تعرفوا كيف يتأفف هؤلاء المبطلون من الحديث عن الموت ويفرون منه، لأنهم يعيشون في أعشاش الخرافة، أما نحن فنفر من الخرافة إلى عن الحقائق العلمية: الإنسان ثنائي التركيب، سواء كان يحيا هذه ا لحياة الدنيا فوق الأرض، أو كان يحياها في الحياة البرزخية في باطن الأرض. في تلك الحالتين ثنائي التركيب، مركب من جسد وروح، أما في هذه الحياة الدنيا التي نعيشها، فالروح هي المحبوسة لحساب الجسد، ولذلك فإن روحك التي بين جنبيك لا تستطيع أن تتحرك إلا بمقدار ما يستطيع الجسم أن يتحرك، فإذا انتقلت إلى الحياة البرزخية انعكست الآية، يصبح الجسم هو التابع للروح، وتنعتق الروح وتتحرر من محبسها الذي كانت حبيسة في داخله طوال حياتك إذ كنت على ظهر الأرض، وتؤول الروح إلى مثل حالة هذه الشمس المشرقة في وضح النهار، إنها منفصلة عن الأرض بجوهرها، ولكنها موصولة بالأرض أينما ذهبت بأشعتها، كذلكم روح الإنسان الميت منفصلة عن الجسد بجوهرها، ولكنها تظل موصولة بالجسد أينما كان هذا الجسد، ومهما تفتت بأشعتها.

ومن هنا يتحقق معنى عذاب القبر الذي يتعرض له الإنسان، ويتحقق معنى نعم القبر الذي يتعرض له الإنسان، ومن هنا صدق بيان الله عز وجل إذ يقول عن ذلك المؤمن الذي دعا قومه إلى الإيمان في سورة يس، فقتل، ماذا يقول الله عز وجل عنه؟ {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ، بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} [يس: 36/26-27] أهذا كان في يوم القيامة؟ لا، كان هذا في الحياة البرزخية، والدليل على ذلك هذا الذي يقوله هذا المؤمن: {يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ، بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} ومن هنا صح بيان البارئ عز وجل القائل عن فرعون وآل فرعون: {النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوّاً وَعَشِيّاً} [غافر: 40/46] ثم قال: {وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ} [غافر: 40/46] الموت ليس عدماً أيها الإخوة، الموت وجود أقوى نسيجاً وأوسع انتشاراً وأعظم فاعلية من هذه الحياة التي نعيشها اليوم.

ثم هل الموت مصيبة؟

ليس الأمر كذلك، وعندما وصف الله عز وجل الموت بالمصيبة في قوله: {فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ} [المائدة: 5/106] فالمصيبة التي نعت الله عز وجل الموت بها ليست مصيبة الراحل عن حياتنا الدنيا، وإنما هي مصيبة أقرانه وأحبابه وأقاربه الذين يستوحشون للبعد عنه، فالأحياء الذين يودعون أحباباً لهم أقارب لهم يستوحشون ويتألمون ويحزنون ويجزعون، والمصيبة هي مصيبة الفراق، ولكن المصيبة تنحط على من؟ لا على الذي ارتحل، ولكن على الأحياء الذين فقدوا أحبابهم، أما الميت فالميْت هو الذي يضع في الموت معناه، إن شاء وضع في الموت معنى العرس، فهو من هذا العرس على ميعاد، وإن شاء وضع في الموت معنى المصيبة فهو من هذه المصيبة أيضاً على ميعاد، الموت بالنسبة للميْت ليس مصيبة أيها الإخوة، وإنما الحي هو الذي يرسم للموت معناه، متى يرسم للموت معناه، سواء جعل من الموت عرساً أو شاء أن يجعل من الموت مصيبة، متى يرسم للموت هذا المعنى في حياته الدنيا التي يعيشها، أنت الآن تملك الفرصة التي إن شئت جعلت خلالها، خلال هذه الفرصة من الموت عرساً تقبل إليه، وإن شئت جعلت من مصيبة وأي مصيبة، كيف؟ إن عرفت كيفية السير إلى الله، وإن عرفت كيفية السلوك الذي يجمعك غداً مع الله عز وجل، وأنت سعيد، وأنت قرير العين، وأنت مطمئن البال. إن سلكت تضبط نفسك بالنهج الذي أوصاك الله عز وجل، وبيَّنَة لك، عملت الصالحات، لم تفسد في الأرض، لم تجعل من شهواتك وأهوائك قانوناً يُسَيِّرُك، شرعة تخضع لها كيانك، بل جعلت من شرعة الله، جعلت من أوامر الله سبحانه وتعالى منهجاً لك، فاعلم أنك قد وضعت بذلك في الموت حقيقة العرس، وإذا جاء الموت غداً فلسوف تكون قرير العين، ولسوف ترجل إلى الله عز وجل وأنت تتمتع بأجمل لحظة شعرت بها في حياتك أجمع، أما إن جنحت عن هذا النهج، وأخضعت نفسك لما توحي به إليك شهواتك وأهواؤك، دواعي طغيانك، دواعي ظلمك، دواعي طمعك، دواعي انحرافك عن النهج الإنساني الذي أحبه الله لعباده، فاعلم أنك بذلك قد وضعت في الموت حقيقة المصيبة، وأي مصيبة، وصدق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ يقول: ((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)) وهذا هو معنى قوله صلى الله عليه وسلم، قالت له عائشة التي تروي هذا الحديث: أهو الموت يا رسول الله؟ فكلنا يكره الموت، قال: ((ليس ذاك، ولكن المؤمن إذا دنا أجله بشر برضوان الله وجنته، فلم يكن شيءٌ أحب إليه من الموت ولقاء الله، وإذا دنا الموت من الكافر بشر بمقت الله وسخطه، فلم يكن شيء أبغض إليه من لقاء الله سبحانه وتعالى)).

هذه هي الحقيقة أيها الإخوة، وما أجمل ما قاله سلمة بن دينار أبو حازم رضي الله عنه، يوم زاره سليمان بن عبد الملك أحد خلفاء بني أمية، جلس إليه جلسة التلميذ بين يدي أستاذه، بل المريد بين يدي شيخه، قال له فيما قال: يا أبا حازم ما لنا نكره الموت؟ قال: لأنكم عمَّرتم دنياكم، وخرَّبتم آخرتكم، فكرهتم أن تنتقلوا من دار عمار إلى دار خراب. قال له: كيف القدوم على الله؟ فقال له: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسيءُ فكالعبد الآبق – أي الفار – يُجَرُّ إلى مولاه.

أيها الإخوة! أليس من الضروري أن نتحدث في هذا الموضوع الذي يحجب كثير من الناس أنفسهم عنه، من أجل أن نسعى سعينا بكل ما أوتينا من جهد لتكون من المحسنين، ومن ثم إذا أبنا إلى ربنا غداً، تكون عودتنا إليه كعودة الغائب يعود إلى أهله؟ أليس علينا أن نتذكر الموت ونعرف حقيقته حتى لا نكون من المسيئين، وحتى لا نكون كذلك العبد الغارب يجر جراً إلى مولاه وهو ينتظر العقاب؟

ليت شعري أيها الإخوة لماذا لا يكون موقفنا، نحن نعيش حياتنا الدنيوية هذه، لماذا لا نضرب المثل الأعلى في حياة شخصين اثنين أحدهما مارس الحمق بكل أنواعه وأشكاله، فنسج له الحمق الشقاء الأبدي، وكان الآخر ذا بصيرة وذا وعي وإدراك، فنسجت له بصيرته السعادة الأبدية التي لا نهاية لها،من هو، رجل استأجر داراً وكانت مدة العقد إلى عشر سنوات، له دار خرابة على مقربة من الدار التي استأجرها، لما دخل هذه الدار وأعجب بأثاثها ورياشها، وأعجب وبما يحيط بها من جنان وحدائق وزخارف، تلهّى بها ونسي دار الخرابة التي تحتاج إلى ترميم وإصلاح، تقلب في نعيم هذه الدار المستأجرة، الدار العارية، وما هي إلا سنة إثر سنة مضت، وإذا بالسنوات العشر تنتهي، ويأتي صاحب الدار ليقول له: لقد آن لك أن تترك داري لأن العقد قد انتهى، ويتذكر في تلك اللحظة هذا الإنسان الأحمق داره الخربة، وينظر إليها وإذا هي تقول بلسان الحال: أنا آسفة لست مهيأة لك، لابدَّ أن يخرج إلى العراء، أما الآخر، الرجل الحصيف العاقل، فيسكن في هذه الدار التي استأجرها إلى ميقات، ويقسم وقته في هذه السنوات العشر بين متعة يتقلب بها في هذه الدار التي استأجرها، وبين ساعتين أو ثلاث ساعات يذهب خلالها إلى داره الخربة ليرممها وليصلحها، ولينظر في شأنها، وهكذا مرت السنوات العشر، وهو يقسم وقته بين المتعة التي يأخذ حظه فيها في ظل الدار التي استأجرها، وبين العمل الدائب لترميم داره التي يملكها، حتى إذا انتهت مدة الاستئجار، جاء صاحب الدار ليذكره بالخروج خرج قائلاً: حباً وكرامة، هذا هو مفتاح دارك، ولما نظر إلى داره الأخرى، إذ هي كالعروس مجلوة كأحسن ما تكون العروس جمالاً وبهاءاً، تقول له: مرحباً بك، ها أنا ذا مهيأة لك.

والله أيها الإخوة إن هاتين الصورتين هما صورة حياتنا الدنيا هذه، كم وكم وكم أود لنفسي ولكل أخ في الله، أخ في الإنسانية، أن نكون كهذا الرجل الثاني، الحصيف، الذي يوزع عمره بين النظر في دنياه العاجلة، وبين النظر فيما سيؤول إليه، وبذلك يكون قد ضمن لنفسه سعادة الدنيا والآخرة، وحقق معنى قول الله سبحانه وتعالى: {وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الأَرْضِ} [القصص: 28/77] وحقق ما يقوله الله سبحانه وتعالى أيضاً في محكم تبيانه: {وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا} [القصص: 28/77] لا تنس نصيبك من الدنيا. أنا لم آمرك بأن تصوم عن متعها وشهواتها، لكن اجعل من دنياك التي تعيش فيها ميزاناً ذا كفتين اثنتين، أما إحداهما فهي كفة الموت، وأما الكفة الأخرى فهي كفة الحياة، عندما تعيش حياتك الدنيا وأنت تُحَكِّم هذا الميزان في كيانك، فلسوف تضمن لنفسك سعادة الدنيا والعقبى، أما إذا تعاملت مع هذا الميزان من خلال التعرف على كفة واحدة، فما أسرع ما تحقق لنفسك الشقاء العاجل. لو أن الإنسانية أخضعت نفسها في فجاج الأرض لكابح الموت الذي هو الضمانة للسير الحقيقي الإنساني في فجاج الحياة، لما رأينا طغياناً في الدنيا، ولما رأينا ظلماً لظالم، ولا عتواً لعات، ولا كبراً لمستكبر، ولما رأينا في فجاج الأرض فساداً ولا طمعاً، ولكنا عندما أعرضنا عن الموت وتجاهلناه، وإذا ذُكِّرْ به أعرضنا عنه ولَوَّيْنَا رؤوسنا معرضين عنه ذات اليمين وذات الشمال، كنا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو كان لابن آدم واد من مال لابتغى إليه ثانياً، ولو كان له واديان لابتغى إليهما ثالثاً)). وهذا هو حال المفسدين والطامعين في جنبات الأرض، ثم قال: ((ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب)) كلام بليغ، ما معنى هذا الكلام؟ أي لن يُقَلِّمَ أظافر طمعك، ولن يضعك أمام حدٍّ وخطٍّ أحمر وأنت تلهث لهث الطامعين، دون حدٍّ، إلا في حالة واحدة، أن تتذكر الموت. تذكُّرُ الموت ومعرفةُ حقيقته، هو الذي يضعك أمام الخط الأحمر الذي يجب ألا تتجاوزه. هذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((وما يملأ جوف ابن آدم)) أي لا يقطع عنه شِرَةَ طمعه إلا الموت، عبر عنه بالتراب.

اللهم أعنا على دينك، وسيرنا في طريق مرضاتك يا رب العالمين، ووجه أفئدتنا جميعاً إلى ما يرضيك، واصرفنا عما لا يرضيك.

ربنا اغفر لنا ولوالدينا، ولإخواننا الحاضرين ووالديهم، ولسائر المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.

آمين آمين آمين.

والحمد لله رب العالمين.