بين يدي “منتدى المستقبل”:11 شتنبر الأمريكية حدث له دلالات كثيرة وانعكاساته من الخطورة بمكان حيث أصبح التاريخ من جرائه جزئين: ما قبل الحدث وما بعده، وبات العالم يتحدث عن تكهنات ما بعد الحدث وتأثيره على “النظام العالمي” والانقلاب الخطير الذي ستشهده الغطرسة الأمريكية في علاقتها بالإرهاب الدولي والجهات المحتضنة أو المساندة له.

فهل يبرر هذا الحدث حقا لأمريكا أن تفعل ما فعلت في العالم العربي والإسلامي على وجه الخصوص؟ أم أنه كان مجرد ذريعة لإنفاذ ما كانت تخطط له منذ أمد بعيد للسيطرة على العالم والانفراد بقيادته؟

تاريخ المخابرات الأمريكية حافل بصناعة أحداث عالمية خطيرة قد تمس في ظاهرها بمصالح أمريكا الحيوية بينما هي تخدمها في عمقها الاستراتيجي، ولا شك أنها كانت تخطط للمزيد من التوغل في البلاد العربية والإسلامية وبسط يدها عليها وتنتظر الفرص السانحة لذلك، غير أنه من الصعب على المرء أن يجيب عن ذلك السؤال، ليس لعدم وضوح نية أمريكا ورغبتها الجامحة في السيطرة على العالم، بل لصعوبة نفي هول الفاجعة والصدمة التي تلقتها على حين غرة ودون سابق توقع.

صحيح أن أمريكا سبق أن تعرضت لهجوم مفاجئ وضربة موجعة من قبل الجيوش اليابانية إبان الحرب العالمية الثانية، وهي القوة العظمى التي ظلت في منأى عن ضربات الأعداء طيلة عقود من الزمن، لكن ردها كان فوريا وقاسيا: قنبلتان ذريتان دمرتا مدينتي هيروشيما وناكازاكي وذهب ضحيتهما ما يزيد عن 200 ألف قتيل ومئات الآلاف من الجرحى والمعطوبين. ثم إن الجهة المعتدية كانت معروفة ومحددة، فسهل القضاء عليها وانتهى الأمر باحتلالها. أما العدو الذي أصبحت تواجهه الآن مبهم ولا تحده حدود، فباتت كمن يصارع أشباحا لا قبل له بها. لذا كانت صدمتها أعنف فانتفضت انتفاضة من تخبطه الشيطان من المس، وهاجت هيجان الثور الثائر المنفلت من العقال، زاد من حنقها طبيعة مصدر الهجمة وهوية منفذيها؛ إذ لم تكن تتوقع ذلك من أولئك “الملتحين البائسين” الذين أتوا من صحراء العالم الإسلامي الفقير المتخلف أن يكونوا بكل تلك الجرأة وذلك الإتقان في تنفيذ عملية هي من أخطر ما شهدته “القوة العظمى التي لا تقهر”، وبوسائل بدائية في عقر دارها.

ولم تكتف، وهي في قمة هيجانها وغليانها، بتلك الهجمات على بعض الدول الإسلامية، حيث عزمت على الإطاحة بنظام “طالبان” المتهم بمساندته لتنظيم القاعدة المخطط والمنفذ المباشر لتلك العملية، ثم التفتت إلى العراق فألقت عليه بباطلها ولفقت له تهمة امتلاك أسلحة الدمار الشامل وتهديده للأمن والسلم العالميين، فحشدت الحشود وجندت الجنود ـ بمعية حليفتها انجلترا ـ وأطاحت مرة أخرى بنظام صدام قبل أن توحل في مستنقع لم تقو على الخروج منه بعدُ، ولم تكتف بذلك لأن “الإرهاب” الذي تعتزم مواجهته مترامي الأطراف وواسع الانتشار في البلاد الإسلامية ولا يسعها القضاء عليه إلا بحرب شاملة لكافة الميادين والمعاقل التي يتحصن وراءها هؤلاء الأعداء الأشباح، ليس فقط الجغرافية وإنما أيضا اللوجيستية والإيديولوجية والاقتصادية والاجتماعية، وذات نفس طويل يستدعي تعبئة طاقاتها وحلفائها الغربيين والعرب على حد سواء. فكانت النتيجة التي اهتدى إليها فكرها إصلاح الأنظمة العربية والإسلامية وإحلال الديمقراطية مكان الديكتاتوريات التي تشهدها هذه البلدان، ومن ثمة جاءت فكرة “منتدى المستقبل” لدعم وحشد المزيد من التأييد الدولي لمشروع الشرق الأوسط الكبير.

“منتدى المستقبل” بنسخته المزيدة والمنقحة:

المشروع في صيغته الأصلية التي أعلنت عنها أمريكا، عقب انتهاء الحرب على نظام صدام وفي غمرة الشعور بنشوة النصر، يختلف عن الصيغة الحالية المعدلة، وذلك لأسباب متعددة نذكر بعضا منها على وجه الاختصار.

أولا: لأن الحرب لم تنته كما زعمت الإدارة الأمريكية حيث أبلت المقاومة العراقية الإسلامية بجيوبها المتعددة بلاء حسنا وأدحضت مزاعم أمريكا في تحقيق النصر. وكلما توعدت المقاومةَ بالقضاء عليها إلا وأخلفت وعدها ونكصت على عقبيها، فتعقدت الأوضاع وصارت أعوص مما كان الأمريكان يظنون، الشيء الذي أعاد للشعب الأمريكي ذكريات حرب الفيتنام السيئة الذكر.

ثانيا: لأن تلك النشوة لم تدم طويلا فقد لقيت أمريكا وانجلترا معارضة شديدة من قبل القوى الأخرى، كالثلاثي الروسي والفرنسي والألماني، لانفرادهما بقرار الحرب وخروجهما عن الإجماع الأممي، واتقاءً لشعورهما بالعزلة رضختا قليلا وسارعتا إلى إشراك المنتظم الدولي في مشروع الشرق الأوسط الكبير، فأصبحت الصيغة الحالية أكثر انفتاحا على الأطراف الأخرى.

وأخيرا لشدة المعارضة التي لقيها المشروع في صيغته الأصلية من طرف الحكام العرب المتشبثين بعروشهم وكذا من طرف الشعوب الرافضة للديمقراطية والإصلاحات المفروضة من الغرب.

لهذه الأسباب، ولأسباب أخرى لا يعلمها إلا الساهرون على هذا المشروع، اضطرت الإدارة الأمريكية إلى إعادة إصدار المشروع في صيغته الحالية وبنسخة مزيدة ومنقحة تستهوي شريحة واسعة من السياسيين والمثقفين والحقوقيين، وفئات عريضة من الجماهير العربية المسلمة.

هل من جديد في الصيغة المعدلة؟

الجديد في الصيغة المعدلة أنها حبلى بالدهاء والمكر وأكثر ذكاء من أسلوب العنف وفرض الإرادة الأمريكية بالقوة المباشرة. والحق أن هذه الصيغة المعدلة أخطر من وصيفتها القديمة لما أحدثته من شرخ في صفوف العرب المشرذم أصلا، حكاما وشعوبا. فبعد أن تعالت الأصوات الرافضة للمشروع في الصيغة الأصلية، بدت ردود الفعل متباينة تجاه صيغته المعدلة.

والإدارة الأمريكية، وإن بدت في ظاهرها متنازلة عن طموحها ومشروعها التوسعي في المنطقة العربية والإسلامية وراضخة لإكراهات المقاومة الداخلية والمعارضة الدولية، إلا أن لب مشروعها لم تحد عنه قيد أنملة وجوهره قد اتخذ أشكالا وألوانا متقلبة تقلب الحرباء المتربصة بفريستها. والنتيجة المتوخاة واحدة وإن اختلفت الوسائل والأساليب.

وبكلمة واحدة فمشروع الشرق الأوسط الكبير واحد بصيغتيه الأصلية والمعدلة والجديد فيه طرأ على المسطرة المتبعة والتي ارتأت أمريكا أن تتخذ مظهر “الحوار” في قالب “منتدى المستقبل”.

الموقف المؤيد لـ”منتدى المستقبل”: أسسه وسلبياته

المشروع الأمريكي لإنشاء الشرق الأوسط الكبير في صيغته المعدلة قد حشد وراءه فئة من السياسيين والمثقفين والحقوقيين، وفي مقدمتهم حكام العرب الذين لا جرأة لهم على مخالفة أمريكا ولا استقلال لهم في الرأي ولا إرادة سياسية أصلا، فهم مجرد كراكيز تحركها خيوط أمريكا وهمها الوحيد إشباع غريزة البقاء والحفاظ على العروش.

أما المثقفون والحقوقيون فمنهم دعاة التطبيع مع اليهود المدافعون على مصالحهم والمستلبون بثقافة الغرب وحضارته الخلابة، فهؤلاء لا كلام معهم لأنهم “سواء عليهم آنذرتهم أم لم تنذرهم لا يومنون” ولا يقتنعون ولا يحيدون عن مساندتهم غير المشروطة للغرب. إنما الكلام مع من استهوته شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان البراقة التي تهفو إليها قلوبهم وتتحسر على غيابها أفئدتهم، فبدا لهم هذا المشروع ومضة أمل لإصلاح الأنظمة العربية الرجعية وللتحرر من قبضة الظلم والاستبداد التي تشدد الخناق على رقاب الأحرار من هذه الأمة.

فالمؤيدون لـ”منتدى المستقبل” لهم أسس ومبررات بنوا عليها موقفهم هذا، وجوهرها رغبتهم الجامحة في إحلال الديمقراطية وحقوق الإنسان في بلدانهم، رأوا في هذا المشروع وسيلة فعالة لإرغام الحكام على إقرار الإصلاحات السياسية اللازمة وفرصة سانحة للنهوض بالمجتمعات العربية سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.

مبررات ساحرة لها وجاهة قد تأخذ بألباب التواقين إلى الانعتاق من الاستبداد والتخلف، ولا ينكر المرء أن اليأس قد بلغ من نفوس شعوبنا مبلغا بات معه تدخل الجهات الأجنبية للإطاحة بالأنظمة الحالية أمرا غير سيء، ليس حبا في الغرب وإنما انتقاما من هؤلاء الحكام الذين حولوا بلداننا إلى معتقل كبير، وتشفيا فيهم واستهزاء منهم. يأس تمكن من النفوس حتى حجب عن الناس ضرورة التمحيص في الوسائل الكفيلة بتغيير أحوالهم وصارت عندهم غير ذات قيمة أوجدوى.

ويمكن الاستشهاد بالمثال العراقي في هذا الباب، حيث كان نظام صدام جاثما على صدور الشعب فلم نكد نسمع إلا ترجيعات صدى القائد الملهم وإنجازاته الباهرة، ولا مجال للحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية المعارضة، فلما بدأ العدوان الأمريكي بدا الناس متحمسين للإطاحة بصدام، فلما تجاوز العدوان حدوده قامت المقاومة العراقية الباسلة لتلقنه وللعالم أجمع درسا في الصمود والثبات، وذلك أقل ما أمكن فعله مما حرمت منه طوال عقود من الزمن.

وقد يصدق على هذا الرأي فتوى الإمام مالك حينما سئل عن الخارجين عن السلطان أيجوز قتالهم فقال: “نعم إن خرجوا على مثل عمر بن عبد العزيز، قالوا: فإن لم يكونوا مثله؟ قال: دعهم ينتقم الله من ظالم بظالم ثم ينتقم الله من كليهما”. فقد انتقم الله من الظالم صدام ونظامه بأمريكا، وها هو ينتقم سبحانه من أمريكا بالمقاومة الباسلة.

هذا الموقف قد يستهوي القلوب الكليمة التواقة إلى الحرية والعزائم الخائرة والنفوس الضعيفة التي تروم الجاهز من الحلول دون أن تبذل في سبيل تحقيقها الغالي والنفيس، مع إغفالها للسلبيات التي تختزنها والتي يمكن إجمالها فيما يلي:

أولا: الديمقراطية وحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها بين الأمم الديمقراطية لم تحقق بضربة لازب بين عشية وضحاها، وإنما بذلت في سبيلها قرون من المعاناة والحروب والنضال، وسالت من أجلها دماء كثيرة وعاشتها الأمم الغربية لبنة لبنة، فذلك أدعى للحفاظ عليها وتقديرها حق قدرها لأنها كانت تربية تلقن للأجيال وليس مجرد مواقف ولحظات عابرة أو محطات موسمية ثم يسدل الستار وتعود الأمور إلى ما كانت عليه.

فرض الديمقراطية من الخارج دون أن يقتنع الحكام ويقتنع الشعب وقواه الحية بضرورة إقرار الديمقراطية وإشاعة حقوق الإنسان في سلوكنا اليومي وتنظيماتنا السياسية قبل أن نطالب به حكامنا إنما هو ذريعة إلى التفريط فيها وسهولة الانقلاب عليها كلما دعت إلى ذلك ضرورة سياسية أو أيديولوجية أو سنحت الفرصة لعودة الاستبداد.

ثانيا: المطلوب تربية الشعوب العربية والإسلامية على انتزاع الحق وعدم انتظار أن تعطاه، لأن ما يعطى هو عرضة للأخذ والسلب أما ما ينتزع فهو مظنة التشبث والتمسك. وانتزاع الحق يبدأ بالمشاركة اليومية والانخراط المستمر في التعبئة له والدفاع عنه حتى يصير هما يوميا وجماعيا لا يمكن التفريط فيه. فالممارسة اليومية للديمقراطية وحقوق الإنسان من شأنها أن ترسخها في السلوك الفردي والجماعي للأمة، ومن ثمة يصير لزاما على الساسة والحكام أن يعاملوا الناس من جنس ما يتعاملون به فيما بينهم، ويصدق عليهم قوله صلى الله عليه وسلم: “كما تكونوا يول عليكم”.

ثالثا: إن المثال العراقي في إطاحة الأمريكان بنظام صدام إنما هو إبدال ظالم بظالم، ولا يظنن أحد أن أمريكا تتألم حقا لغياب الديمقراطية في البلدان العربية، وأن شعاراتها البراقة في الدعوة إلى إصلاح الأنظمة العربية قد تسحرنا إلى حد الاعتقاد أنها حقا حليفة الضعفاء والمقهورين أو أنها الرسول المبشر بالعدالة والرخاء. أمريكا تسعى إلى الإطاحة بالظالمين من الحكام العرب لأنها أحست فعلا بأن سمعتها السيئة وتاريخها الأسود في مساندة الديكتاتوريات في العالم أجمع قد استعدى عليها شعوب العالم وأضر بمصالحها الدولية، وهي التي لا تعترف بصديق دائم ولا عدو دائم وإنما بمصلحة دائمة، فحاولت تزيين صورتها أمام هذه الشعوب وتلميعها بالقدر الذي يسمح لها بالمزيد من التوغل في بلاد المسلمين والتحكم في زمام أمورها وبسط اليد على مصادر خيراتها وكنوزها.

الموقف المعارض لـ”منتدى المستقبل”: أسسه ومآخذه

المعارضون للمنتدى يمثلون جمهور الشعوب الإسلامية وقواه الحية ويستندون في موقفهم هذا على سلبيات الموقف المؤيد والمتمثلة أساسا في رفض الديمقراطية المدعومة بالدبابات والطائرات. ولعل ما يميز هذا الموقف انتباهه إلى نية أمريكا المبيتة في إدماج إسرائيل في هذا المشروع ورغبتها في تطبيع علاقات المسلمين معها، فكان الرفض موقفا تلقائيا وموفقا. فكيف يعقل أن نصافح الصهاينة المجرمين الملطخة أيديهم بدماء إخواننا في فلسطين والمغتصبين لأرضنا وحرماتنا وأعراضنا؟

موقف المعارضة هذا يؤاخذ عليه شبهة الدفاع عن مصالح الحكام ومساندتهم في البقاء على عروشهم والحفاظ على الأنظمة الحاكمة واستبعاد إصلاحها أو تغييرها. فنحن حينما نواجه بالرفض دعوى الغرب بضرورة إجراء إصلاحات جذرية على هذه الأنظمة تحت مبرر عدم القبول بتدخل جهات خارجية في شؤوننا الداخلية نوشك أن نقع في منزلق القبول بالأمر الواقع والدفاع عنه. فلا يليق بنا أن نقف بين هذين الخيارين موقفا سلبيا نساند أحدهما على الآخر، وإنما نحن مطالبون باتخاذ موقف ثالث بديل.

الموقف البديل بين الآمال والعوائق:

جوهر هذا الموقف البديل المعارضة لمخططات أمريكا ومشاريعها في المنطقة دون إغفال التنديد بالأنظمة العربية الحالية واستبدادها ورجعيتها. وحتى لا يقتصر فعلنا على المعارضة السلبية والتنديد المنتظِر نحن مجبرون على النظر إلى الأمور من زواياها الإيجابية، بدءا من بناء الذات أو العامل الذاتي ومرورا بمشروع جبهة أو أمة خاصة وانتهاء بالتعبئة الشاملة للأمة العامة.

العامل الذاتي أساسه تربية الفرد والجماعة على إصلاح الذات والاستقامة المطلوبة شرعا وتحسين العلاقة مع الله تعالى بالائتمار بأوامره والانتهاء عن نواهيه وطلب الزلفى منه والخشية من غضبه، وإصلاح روابطنا فيما بيننا وحسن التعامل مع غيرنا. بناء الذات، الذي أساسه إصلاح ما بأنفسنا كي يصلح الله ما حل بنا، نستلهمه من قوله عز وجل: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”. وبناء الذات بإشاعة الرحمة بين المسلمين والعزة على الكافرين نستمطره من قوله تعالى: “من يرتدد منكم عن دينه فسوف ياتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المومنين أعزة على الكافرين”.

ثم إن تكوين جبهة عربية وإسلامية أو أمة خاصة، بالتعبير القرآني النبوي، لإصلاح هذه الأنظمة والدفاع عن حقوق الإنسان فيها والتصدي لأعداء هذه الأمة، سواء في فلسطين أو العراق أو الشيشان أو كشمير أو غيرها، أصبح ضرورة ملحة ومسألة حياة أو موت للأمة العامة، لأن أمرها لا يمكن أن تقوم له قائمة إلا بتلك الأمة الخاصة، فأضحت فرضا في حق الأمة جمعاء وفي حق أفرادها وجماعاتها، وذلك من باب الوسائل تأخذ حكم المقاصد أو ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

جبهة ينخرط فيها شرفاء هذه الأمة، الغيورون عليها وعلى مصيرها المتألمون على ما حل بها من وهن وتكالب وتداعي الأمم الأخرى تداعي الأكلة إلى قصعتها، وتتوحد على إصلاح ما بالأمة جهودهم فيصيروا يدا واحدة على أعدائها، على شاكلة المؤتمر القومي الإسلامي المنعقد كل سنة بلبنان أو غيره من المبادرات الجادة والفعالة.

حلم يراود رجال هذه الأمة وأمل يحدوهم ليل نهار أن ينخرطوا جميعا في جبهة موحدة: حلم تعترضه عوائق وحواجز شتى منها الجغرافية والسياسية والفكرية والنفسية. وأخطر تلك العوائق ما كان نفسيا لأنه يحجب عن الناس فضل بعضهم البعض ويجعل من العوائق الأخرى ذات أهمية كبرى وأولوية اعتبارية ويلغي تلك القواسم المشتركة التي عليها تجتمع الجهود وتتوحد الهموم وهي بحمد الله أكثر مما يفرق أويشتت. ولعل حالة فضلاء المغرب خير مثال على ذلك؛ إذ لا زالوا إلى يومنا هذا يتخبطون في المواقف والمواقف المضادة ويتأرجحون بين الشد والجذب، والأحداث تتسارع والأمة يُفعل بها وتنتظر أن تفعل.

ثم بعد ذلك تنهض هذه الأمة الخاصة للتعبئة الشاملة للأمة العامة لبناء ذاتها وإصلاح حالها لمواجهة أعدائها المتربصين بها.

فالبديل الثلاثي الأبعاد، كما وضحناه، هو البديل الأسلم والهدف المنشود الذي ينبغي أن نوجه إليه اهتمامنا وتتضافر عليه جهودنا في المستقبل القريب والبعيد، وإلا سنظل رقما مرصعا في سجل الأرقام وكما مهملا بين الأمم يفعل بنا ولا نفعل، تسلب إرادتنا وتنتهك حرماتنا وتنهب خيراتنا ولا نهمس ببنت شفة. يقول الحق سبحانه: “إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير”.

فإلى الله نشكو ضعف قوتنا وقلة حيلتنا وهواننا على اليهود والأمريكان وعلى الحكام، وهو سبحانه نسأل أن يصلحنا ويصلح ما بأمتنا ويرشدنا إلى ما فيه الخير لنا وللناس أجمعين.