اليوم -19 يناير 2005- تحل بأهل الناظور الذكرى 21 للأحداث الأليمة لعام 1984، تلك الأحداث التي روعت الصغير والكبير، وأدمت جرحا غائرا لما يندمل..، انطلقت شرارتها من الثانويات يومي الثلاثاء والأربعاء، وبلغت أوجها يوم الخميس 19 يناير، كنا نحن التلاميذ في الصف الإعدادي لا نفهم كنه ما يقع، ولا نعرف اليد التي تحرك دفة الأحداث في الخفاء، ولا نفقه أسبابها وأهدافها،أخذ الحماس الكثير منا وانخرطنا في كوكبة المتظاهرين نردد شعارات لم نكن نعي من دلالاتها الشيء الكثير.. فإذا بآلة المخزن القمعية تتدخل بعنف لم يشهد له مثيل في المنطقة منذ أحداث 58 و59 يوم كان الملك الراحل وليا للعهد.. منذ ذلك التاريخ تكرست النظرة الانتقامية للمخزن بالمنطقة وبأهلها، منذ تلك الأحداث طبع المخزن على جبين كل واحد من أبنائها وصمة الأوباش المخربين ولحد الآن مازالت مظاهر تلك الوصمة تطاردنا.

مخرب إلى إشعار آخر..!

بمدينة الرباط وفي نونبر الماضي نظم الشعب المغربي مسيرة مشهودة تضامنا مع الشعبين الفلسطيني والعراقي، السلطة في هذه المسيرة لم تُعمل الفصل 13 من قانون الحريات العامة المتعلق بالتجمعات العامة والذي يخول لها، تقديرا منها للأمر، منع أي تظاهر في الشارع العمومي، بل رخصت، ليس منحة وعطاء، بل انصياعا ورضوخا.. وقد شارك في التظاهرة مواطنون ومواطنات من مدينة الناظور ومر كل شيء في هدوء ونظام وسلام لم يحدث مكروه.

أما هنا في الناظور، وكلما توجهنا إلى السلطة المحلية في شأن تنظيم محاضرة أو ندوة في القاعات العمومية، أو التظاهر السلمي في الشارع العمومي، قوبلنا بالامتناع عن تسلم التصريح ويحضر علينا القيام بأي نشاط بقرار ظالم من باشا المدينة.

كلما جلسنا إلى المسؤولين في السلطة والأمن نسمع منهم نفس النبرة “.. نحن نثق في نواياكم ونقدر حسن تنظيمكم وقدرتكم على ضبط صفوفكم.. لكننا نخشى أن تنفلت الأمور ويتدخل غيركم ليثير الشغب والفوضى ويخرب ويخل بالأمن العام..” وكأن صفة الفوضى والتخريب قدر ملازم لأهل الناظور! نشاط داخل قاعة تحوي بضع مئات من الناس، أو مسيرة تظم بضعة آلاف من المواطنين تخيفهم، في حين أن المغاربة  وسكان الناظور مغاربة  نظموا بكل مسؤولية وبشكل مسالم ومتحضر تظاهرات ومسيرات هي الأضخم على المستوى العالمي.. فما ضن القوم بأهل الناظور ؟ ما بالهم يحجرون ويستكثرون علينا التعبير السلمي عن مشاعرنا ومواقفنا ؟

واقع التهميش

أحداث 19 يناير ما كان لها أن تتطور بالشكل المأساوي الذي حصل، لو أن المخزن كان حريصا على سلامة المواطنين وعلى أمن واستقرار البلاد، لكن واقع التهميش للمنطقة، والذي لا زال قائما على كل المستويات، ولن تغرينا أو تلهينا تلك التدشينات المحتشمة هنا وهناك، هو الذي أفرغ الزيت على النار وزاد من أوارها لتلتهم ألسنتها أرواح أجساد لم تحمل بين جنبيها، في صدورها، في سويداء قلوبها.. إلا كل الحب لهذا البلد ومطلق الحرص على سلامته وأمنه ووحدته. ولولا لطف الله لوصلت الأمور إلى أسوء مما حدث ولامتدت واتسعت رقعتها إلى مناطق أخرى..! لولا لطف الله.

بعد مراجعة الأحداث وتقليب الصفحات، اتضح أن تدخل المخزن بتلك الوحشية والقسوة والشدة لم يكن مبررا على الإطلاق، وكان بالإمكان تهدئة الأوضاع بدون خسائر، ودون سقوط ذلك العدد الهائل من الضحايا الأبرياء، بين القتلى والجرحى والمعتقلين الذين ووجهوا بتهم ملفقة قضت محاكمتهم على أساسها بحبسهم ظلما وعدوانا لسنوات عدة، وتبين بأن التقارير التي كانت تبعث من المنطقة إلى العاصمة لم تكن صادقة ودقيقة وكانت مغلوطة وتتسم بكثير من المبالغة والتضخيم، وكأنه أمر دبر بليل..

وفي إطار تصفية النظام لملفات الماضي وتصحيح أخطاءه، لم يسجل لحد الساعة أي ذكر رسمي وعلني لهذه الأحداث، ولم نعلم أن ثمة تفكير في تعويض ضحاياها أو تقديم الاعتذار لهم ولأهاليهم، وكأن ما حدث لم يكن، وحذف من تاريخ المخزن الأسود بهذا البلد الأسعد، وهذا الاستثناء الإقصاء يشكل نشازا وخللا في تناول الملف الحقوقي في المغرب، سواء من قبل الإرادة الرسمية والمجالس والجهات والهيئات التابعة لها، أو من قبل بعض الهيئات السياسية والجمعوية والحقوقية التي طفقت تصفق وتطبل وتنمق وتجمل.. إقصاء كامل وإهمال شامل لقضايا المنطقة..

طمس ظالم وغريب لتاريخ المنطقة في تلك الفترة.

نحو مصالحة مع الشعب

ليت الحكام يفكرون بعمق ومسؤولية، ويعيدون تشكيل نظرتهم وتصوراتهم بخصوص المنطقة وأهلها، بذلك سيجعلون حدا لتلك القطيعة الظالمة لأهل الناظور ويدشنون لمرحلة جديدة يطبعها الحوار والتفاهم، تكون تعويضا عمليا واعتذارا حقيقيا عن أخطاء العهد البائد.

الشعب طرف والحاكم طرف، ولكي يسود الأمن والسلم الاجتماعيان في المغرب لابد أن تمد جسور التواصل بين الطرفين، ولابد أن يؤسس لثقافة الحوار وأن يسود عنصر الثقة بينهما..بدون هذه العناصر والشروط لن يتحقق السلم والأمن المطلوبان، ولن ينهض الشعب للبناء والتنمية وتأهيل البلاد.

ملايين الدراهم صرفت لأجل تعويض ضحايا سنوات القتل.. ما حظ أهل الناظور منها؟ هذه ثروة الشعب توزع على بعض أبناءه الذين ظلموا، أتكون هذه أيضا قسمة ضيزى في حقنا ؟ أنُظلم ونُستثنى ونُقصى من الاستفادة من بعض مالنا ؟ من يحدد ويقدر تلك المبالغ ؟ من يقدم ويؤخر هذا الملف ويستجيب لهذا الطلب ويرفض ذاك.. وعلى أي أساس ؟ أسئلة مازالت تتناسل على واقعنا في المغرب وفي هذه المنطقة بالخصوص، ولن يتوقف تناسلها ما دام الغموض هو سيد الموقف في كل الملفات الكبرى في بلدنا، ومادام الصمت والتواطؤ عليه هو ديدان من هم في الصدارة يدعون تمثيل الناس والدفاع عن مصالح المواطنين.. سيضل المخزن جاثما على صدور المغاربة ما لم يقوموا قومة رجل واحد لرفض الظلم والكذب على الشعب والتلاعب بثرواته وتعطيل قاطرة تنميته وازدهاره.

منطق أعوج وتدبير أعرج لا يستقيم عند ذوي الألباب السوية والأفهام السليمة، كيف يعوض الضحايا من مالهم ؟ الشعب هو الضحية فكيف يعوض عن سنين الحرمان والضياع من ماله ” من لحيته لقم له ” كما يقول المثل الدارجي.. من ظلم وأجرم ؟ من جدع وقطع ؟ من سعر وبتر وقتر وبطر؟ من سفك وفتك وسرق ومرق ؟ من نهر وقهر وعنف وتعسف ؟ من شط وبطش ؟ من اختطف واعتقل واغتال ولفق التهم وأحل بالناس النقم ؟ هل هو الشعب ؟ لا ! فلماذا تتلف أمواله وتبدد ثرواته ؟ فلتؤخذ التعويضات من أموال وثروات الظالمين الذين كدسوا وكنزوا على حساب الشعب، فلتقتطع من مدخراتهم وتدفع للضحايا.. لست ضد تعويض المواطنين الذين سلبوا أغلى ما لديهم، سلبوا كرامتهم وحريتهم، وأجهز المخزن الظالم على كل مشاريعهم في الحياة والاستقرار، ومهما أخذوا من تعويضات فلن ترد يوما واحدا بل ساعة، بل لحظة.. افتقدت فيها الأم ابنها، وحنت فيها البنت إلى حضن أبيها، وتنهد فيها الأب حسرة على مصير أبنائه وأهله..، لا ليس هذا هو وجه اعتراضي، إنما الاعتراض على السياق الذي جاءت فيه هذه المبادرة الملهاة، اعتراضي على الخلفيات التي تؤطرها والأدوار التي تلعب خلف الكواليس، اعتراضي على التجزيء والتقزيم اللذان تعالج بهما الأزمات في بلدنا..

سؤال بسيط وجوابه قريب، والوضعية هي كالتالي:

– عهد ظالم بائد شهد التقتيل والتعذيب والتنكيل بالمواطنين..

– عهد “جديد” يريد أن يثبت أركانه ويكرس وجوده لكنه يبني على منوال سابقه..

– أطراف متشاكسة وشركاء متناحرون يريدون الانقضاض على الغنيمة..

– جهات خارجية تطالب ببعض العمليات الجراحية لتلميع وتحسين الوجه..

– شعب مقهور مغبون تعتمل فيه عوامل الظلم وتتحرك فيه بوادر السخط..

فكيف تعامل نظام محمد السادس مع هذه الوضعية ؟ كيف عالج حلها ؟ بمزيد من الغموض والهروب إلى الأمام..؟ بحقنة أخرى تسكن بعض الناس لبعض الوقت.. ؟ بلجنة أو لجان تحتوي الأمر وتقلصه وتقزمه.. ؟

نريد حلا حقيقيا معقولا ومنطقيا، يستجيب لتطلعات الشعب وطموحه، نريد تغييرا فعليا وصادقا يطوي صفحة الماضي طيا، نريد إرادة ورغبة ملموستين تنحوان إلى غد أفضل.. والحل يعرفه الملك جيدا وهو الحكم بالعدل وسيادة العدل ودولة الحق والقانون. ودونه، دون هذا الحل خطوات، لعل أن ” مذكرة إلى من يهمه الأمر ” للأستاذ عبد السلام ياسين مرشد جماعة العدل والإحسان التي بعث بها إلى ملك المغرب، قد وضعت الخط تحتها وأشارت إليها بما يكفي من الإشارات الكاشفات والتلميحات الكافيات.

فهل لتلك التنبيهات من منتبه ؟ وهل لتلك النصائح من منتصح ؟