كلمة منهاج

نستعمل الكلمة القرآنية “منهاج” حيث يستعمل غيرنا لفظة “منهج” أو “منهجية”، لننظر أولا ماذا يعنون بلفظتهم المترجمة.

المنهج “Méthode” هو “الكيفية التي بها نقول شيئا أو نعلمه أو نفعله طبقا لمبادىء معينة وحسب ترتيب معين”

المنهج الفلسفي هو : “مجموعة قوانين وقواعد تمكن الفيلسوف من معرفة الحق”.

المنهج العلمي التجريبي “طريقة تتلخص في ملاحظة الظواهر واتخاد افتراضات من تلك الملاحظة، ثم التحقق من نتائج هذه الافتراضات في تجارب علمية”.

حاجة العقل المعاصر إلى وضوح مبادىء العمل، وإلى ترتيب، وإلى معرفة “منهجية”، وإلى تجربة علمية، وإلى التأكد العلمي من صحة المقترحات وصلاحية نتائجها خصلة إيجابية تهيء المحل للحوار الناقد النزيه الحريص فقط على معرفة الحق. والإسلام تلك بغيته : أن يتفتح عقل المخاطب لاستيعاب ما عندك وعرضه على محك التجربة، لا يكابر في الحق.

الإيديولوجيات فلسفات، أي تخمينات بشرية لا تعترف بغير ذاتها مصدرا لأي معرفة. فالحق عندها ما تتضمنه مفاهيمها وقوانينها لاغير. فإذا بها أنظمة مغلقة على ذاتها. والحوار مع المؤمنين بها إنما هو في أحسن الحالات مجاملة من “آداب” المثقفين، أو ضرورة تكتيكية من ضرورات السياسيين.

نحن الإسلاميين نريد أن نُقنع غيرنا بما معنا من المعرفة، بما معنا من الحق، فنمد الجسور ما أمكننا. لكن لاتبلغ بنا المجاملة أن نفتح ذريعة من خلالها ينفلت منا الإخلاص للّه عز وجل وحده لا شريك له. والكلمة السواء التي ندعو إليها لا يمكن أن تكون كلمة الفلسفة، انما هي كلمة العلم، علم الحق الذي يطلب التجربة، ويطلب اليقضة، ويطلب التأكد من النتائج.

لفظة “منهاج” القرآنية وردت في قوله عز وجل : {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} (الآية 38 من سورة المائدة).

قال حبر الامة عبد اللّه بن العباس رضي اللّه عنهما: “الشرعة القرآن، والمنهاج السنة”. فالمنهاج إذن تطبيق للقرآن وتجسيد في حياة الفرد وتاريخ البشر لتعاليمه. المنهاج عبارة عن السنة، والسنة عمل تابع لعلم، عمل تاريخي مرتب في الزمان. فلا تنافي إذن بين التعريف العام للفظة “منهج” وبين تعريف المنهاج إذا ميزنا أن المنهج كيفية بشرية للقول والتعليم والفعل، بشرية محضة، بينما المنهاج قول وتعليم وفعل، بشري نعم، لكن بكيفية جاء بها الوحي وقاد مراحلها رسولٌ من عند اللّه عز وجل.

وفرق بين المنهاج وبين “العلمية المنهجية” من كون المنهجية العلمية موضوعها الكون ونتائج ملاحظتها وتجربتها وافتراضاتها قوانين تحكم الكون وحركته، بينما المنهاج موضوعه الإنسان، ومصيرالانسان في الدنيا والآخرة. والكون وأسراره ونواميسه تابع للإنسان، لا يستغني الإنسان عنه لأنه مجاله الحيوي ومصدر معاشه وعماد بقائه وقوته. ويجتمع المنهج العلمي والمنهاج النبوي في أن عملية ذاك تعطي نتائج كونية وفي أن هذا يعطي نتائج إنسانية.

ولما يسمى في عصرنا بـ”العلوم الإنسانية” مناهج كثيرة مثكاثرة، من وضعية إلى بنيوية مرورا بطيف من الالوان الفلسفية تعطي لملاحظة الانثلوجيين والانثروبولوجيين والمؤرخين واللسانيين، إلى ما هنالك، قواعد نظرية يحاولون على أساسها معرفة تاريخ الإنسان، وتاريخ المجتمعات، وبناء المجتمعات، وعلاقات البشر فيما بينهم، والعادات والخصائص، والصفات المشتركة. هذه “العلوم” تملأ عندهم فراغا تركه الدين لما فصلوا الدين عن حياتهم، لكن أيا من تلك “العلوم” لا تبحث عن معنى وجود الإنسان ولا عن معنى زائد عن جسمانيته ونفسانيته الشهوانية التي تنشد اللذائذ، والغضبية التي تنشأ عنها المنافسات والحروب، والنباتية التي تتوقف على ضروريات المعاش، والإجتماعية التي يحكمها تكوين الأسرة وتضامن القبيلة .

المنهاج علم متحرر من حيث هو علم موحى به، ومن حيث هو نداء من لدن رب العالمين، من كل ثقل أرضي اجتماعي أو إثني أو تاريخي أو اقتصادي. لكن المنهاج من حيث هو عمل، من حيث هو استجابة لداعي الله تعالى وتقدس، إنما هو عبور شاق، صعود مجهد، اقتحام لكل العقبات النفسية والاجتماعية والاقتصادية والجغرافية. المنهاج العلم وحي مجرد يمكن للعقل المجرد أن يتلقاه ويفهمه في تجريده فيبقى فكرا عاطلا. أما إذا تلقاه قلب المومن، وأصبح أمره ونهيه باعثا صارما، وانعقد الباعث إرادة عازمة، فالتنفيذ إنما يكون في عالم المادة، في عالم الأجسام والمصالح والدوافع والموانع والعادات والأعراف والعداوات والصداقات والحروب. والعقل عندئذ أداة تنفيذ لا مصدر تخمينات تعطي المعرفة وتؤسس العمل .

الإديولوجية

أو الايديولوجيا. اللفظة أولا. وهي لفظة مركبة من كلمتين يونانيتين معناهما : “علم الأفكار”. ويعرفون الإيديولودية بأنها “مجموعة أفكار تكون مذهبا” هذا مدلولها العام. ولها استعمالات بقصد العيب كأن توصف الأفكار التضليلية بأنها إديولوجية، أو يوصف المذهب الذي يرمي إلى أهداف بعيدة المنال لا سبيل إليها بأنها إديولوجية، وهي عندئذ مرادفة لكلمة “يوتوبيا”.

أما في “علم” السياسة فالإديولوجيا “مجموعة تصورات منسقة تعمد إليها طبقة اجتماعية فتتبناها لأنها تعكس طموحها، وتستعملها في صراعها مع طبقة أخرى لكي تفرض هيمنتها “. وعندئذ يقال : هذه إديولولجية بورجوازية، أو علمانية، أو اشتراكية، أو قومية الخ.

الإديولجية إذن مذهب عقلاني تضمنه طبقة ما صيغها العقلية بهدف العمل السياسي والصراع الحيوي لصرع واقع لا تحبه وإحلال واقع آخر مرغوب فيه. فيتفق الإسلام مع العمل الإديولوجي السياسي بأن لنا هدفا معروفا وبأن الجهاد لتحقيقه صراع لازم بين جند الله ومن ينازعهم ويعترضهم. لكن الإسلام يختلف مع الإديولوجية من حيث أن مصدره الوحي، ثم تجيء الصيغ الشرعية العقلية تابعة خادمة. فالذين يصفون الإسلام بأنه إديولوجية إما يقصدون عيب الإسلام، وإما يقارنون بين المذاهب الفلسفية السياسية وبين الإسلام. يحسبون، بل يلمزون، أن الإسلام أفكار بشرية. ولأمر ما تجد فلاسفة العصر من بني جلدتنا يذكرون العقل ويركزون على العقل، وعلى تحرير العقل، ونقد العقل، إصرار على أن لا مكان في القضية للوحي والغيب .

الإسلام يرسم أهدافا للأمة، أولها وأكثرها إلحاحا إقامة حكم إسلامي يوحد الأمة وينتزعها من قبضة أعدائها الداخليين والخارجيين. ويرى هؤلاء الأعداء قوة الإرادة الجهادية وبوادر التنفيذ الجهادي المتطلعة للمثل الأعلى الذي يرسمه الاسلام فيدخلهم الفزع، ويرون الاسلام المنبعث خطرا جسيما يهدد وجودهم. لذلك يشحذون آلاتهم الإديولوجية ليدافعوا عن وجودهم .

إن هذه الأمة قد مضى عليها زمان تبحث عن ذاتها وما دلاها إلا بغرور رواد الإديولوجية المستوردة، غرور كشفت عنه الأحداث منذ أن تصدرت الإديولوجية اللبرالية البرجوازية ثم الإديولوجية الإشتراكية القومية. هزائم متتالية جاءت الأمة على يد النخبات المغربة.

مجابهة مباشرة بين الإسلام وما يقترحه الإسلاميون وبين فلول الإديولوجيات المهزومة. والتحدي الأكبر ليس وجود هذه الفلول، ولا كثرة عددها، ولا مراكز النفوذ التي تحتلها، ولا تحزبها وتنظيمها وسندها المالي. ثوريتها لم تعد تثق بها الأمة، فوجودها محدود، وعددها ونفوذها وتحزبها وسندها وبيتها في خراب. التحدي الأكبر أمام جند الله هو قدرة جند الله على تقديم رؤية واضحة للواقع الحاضر المتقلب المستعصي على التغيير، ثم قدرتهم على تقديم رؤية واضحة لأهداف الإسلام في الميادين الإجتماعية والاقتصادية والسياسية والحضارية وفي كل الميادين، ثم خاصة قدرتهم على انتزاع إمامة الأمة من الأيدي المتسلطة، ومن الأفكار الإديولولجية التي تبرر واقعا حاضرا أو تبشر بمستقبل يزيغ بالأمة عن طريقها إلى موعود الله لها بالخلافة في الأرض والسيادة والعزة .

الناحية العلمية

قمة التحدي أن ينزرع الإسلام في الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي، أن ينتقل بالجهاد الدائب اليومي من دعوة إلى حياة، من مثال إلى واقع، من مطمح عال إلى إنجازات عينية. والهوة سحيقة بين مثال الإسلام وواقع الأمة، بين النموذج العزيز في ضمير الأمة وبين القزامة الذليلة المفروضة على الأمة.

إن في الميدان عروضا نظرية للإسلام يكون مجموعها حصيلة لا بأس بها. لكن الطريق الأضمن لتحصيل النتائج العملية لا يزال يحتاج لاجتهاد يلقي عليه الأضواء. لا تقل لي: “الإسلام هو كذا وكذا في العقيدة، وكذا وكذا في الإقتصاد الخ”، لكن أخبرني عن المنهاج العملي لكي يكون تحزبنا لله عز وجل قوة فاعلة، أخبرني عن التربية العملية، عن وسائل وآداب وأفعال التغلغل في الأمة، عن المخطط الصالح للتطبيق، المتدرج، الكفيل بإيصال حزب الله حيث يكون من الوجود الكثيف والإنتشار والتمركز والتمكن والدراية والخبرة والنظام بحيث يستطيع أن يفرض على الواقع وجوده وإرادته رغم المعارضين ورغم سندهم الداخلي والخارجي، وبحيث يتوج جهاده بإقامة دولة القران دولة وحدة الأمة. العالم تحكمه موازين القوى المادية الإقتصادية، تحكمه القوى العسكرية والسلاحية. لا مكان في العالم للمثاليات الحالمة، والأخلاقيات العزلاء، والكيانات الفقيرة. فأخبرني كيف يتحزب جند الله حتى يكونوا كتلة يحسب لها حسابها، كتلة تقاتل، يحدوها حب الموت في سبيل الله، كيف تنظم وسائلها المادية قبل الحكم وبعده، كيف تخترق الحواجز، كيف تقتحم العقبة. عمليا وبالتفصيل وبالتعلم الدؤوب من إصابة الغير وأخطائه، من نجاح الصف وفشله، من أحداث العالم اليومية.

ثم لا يكون جوابك عن هذه الاسئلة المنهاجية إلا خارجا عن الموضوع، مرفوضا بالميزان الإسلامي، إن لم يكن الإيمان هو الرائد والعقل تبعا منفذا، إن لم تكن الروحانية والأخلاقية هي اللب، والقوة المادية وعاء وحصنا، إن لم يكن حب الله عز وجل والسعي في مرضاته هو الغاية، وما سواه أهدافا ثانوية ووسائل.أن ننزرع في الواقع ونتغلغل ونصبح فعلا حاضرا في كل مكان وفي كل ميدان هو قمة التحدي، أن نكون فعلا مؤثرا ناجحا له نتائج. إن عصرنا هذا المتقلب المتسارع لاتحتل فيه الإديولوجيا المحتضرة إلا مكان الحافز المثير المبرر للتصادم الواقعي لسياسة ” الأمر الواقع ” ((realpolitik)). هنالك مفهوم علمي كان منحصرا استعماله في ميادين الإنجازات التقنية. تحولت المجالات السياسية والإجتماعية والإقتصادية إلى صورة الحركة التكنولوجية، وقوانينها التي تتلخص في الجدوى((efficacite)). هذا المفهوم الذي ينبذ من ساحة الصراع كل مالايعطي نتيجة كما هو الشأن في التكنولوجيا، ينبذ كل ما ليس ذا مردودية، هو مفهوم أعجمي يترجمونه بلفظة((الإجرائية)).

هو مفهوم: operationnalisme)))).

يقولون في معنى البحث الإجرائي: rechreche opérationnelle))))

بأنه منهج تحليل علمي يتوجه للبحث عن أفضل طريقة لاتخاذ قرارات تعطي أفضل النتائج.

لفتة قصيرة لننبه أنفسنا وقراءنا اللأعزاء بأننا إذ نضع بين أيدينا أفكار العصر ومناهجه إنما نفعل لنعرف طبيعة التصورات السائدة في العصر، وبالتالي لنعرف حركة العالم وحركة المعترضين والخصوم. ثم لنقتبس عناصر صالحة للدخول في الحكمة التى يوتيها الله من يشاء.

ليست العبرة أن نلتمس أقصر طريق للحكم الاسلامي، ولا أن نلتمس أضمن الوسائل رأي العين،

فكل طريق غير المنهاج النبوي، وهو السنة، وكل وسيلة لايقبلها الشرع امور مرفوضة.

العبرة أن نكتشف المنهاج النبوي في التربية، ذلك المنهاج الذي كان عملا باهر النتائج، خرج من مدرسته كبار الصحابة، عظماء الأمة، نخبة الإنسانية بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

العبرة أن نكتشف أسرار المنهاج النبوي الذي نتج عنه الجهاد الخالد الذي كانت ثمرته ((المعجزة التاريخية)) التي غيرت العالم أعمق تغيير وأوسع تغيير وأسرع تغيير.

العبرة أن نكتشف خاصية المنهاج النبوي التي بها تحول أفراد أنانيون، المحروم المستعبد منهم والسيد القاهر، المستضعفون منهم والملأ المستكبرون، جماعة موحدة قوية تحمل هم الجماعة، وتسعى لتحقيق أهداف الجماعة، ويموت أفراد لتبقى الجماعة وتعز.

قل لي كيف أسير، عمليا وعينيا ويوميا، على المنهاج النبوي، كيف تسير الجماعة حزب الله لتجتمع رحمة الإيمان وحكمة الإيمان فتكون الطاقة الدافعة والخبرة الإنجازية الكفيل اجتماعهما بتأهيلنا لاقتحام العقبة. اقتحام وعقبة. عمل إرادي وغلاب إنجازي.

قل لي كيف نتأهل، كيف نتدرب عمليا من الآن، لكي ندبر. المعاملات الاقتصادية ونديرها، ونقود سياسة الدولة الإسلامية بحكمة، وننشر العدل، ونصنع البلاد، ونقسم الثروة، ونغير كل الأوضاع تغييرا يوافق ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وما فعله محمد صلى الله عليه وسلام.

إذ ذكرنا فيما يلي من الصفحات((الاجرائية)) أو ((الاهتمام الإجرائي)) أو ما شابه فإنما نقصد الناحية العملية، نقصد الكيف التطبيقي. وما كان منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم أحلاما وآمالا.

وظيفة المنهاج

المنهاج على وزن مفعال صيغة اسم الآلة كمفتاح، والصيغة تحتمل المصدرية أيضا كمعراج أو اسم المكان كمرصاد. ومعنى الكلمة لغة يفيد السلوك والوضوح. قال الراغب الاصفهاني رحمه الله: ((النهج الطريق الواضح، ونهج الأمر وأنهج وضح.ومنهج الطريق ومنهاجه)).

هذه الجذور اللغوية. ومن تعريف ابن عباس رضي الله عنهما للمنهاج بأنه السنة يمكن أن نحدد وظيفة المنهاج بأنه وضوح وتوضيح يتبعهما سلوك على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهو آلة للعلم ومرشد للعمل، وهو في نفس الوقت مادة العلم وبرنامج العمل، لاينفصل المنهاج آلة للعلم والتوضيح عن المضمون العلمي والعملي للمنهاج الطريق.

أصحاب الإديولوجيات يميزون بين المنهج “methode” وبين المذهب “doctrine”. فالجدلية مثلا منهج الماركسية، لكن المذهب الماركسي وتعاليمه المادية والطبقية ومطلبه في الحركة والتغيير والصراع، وتحليله التاريخي الاقتصادي الذي بني عليه المذهب كله، مادة زائدة على المنهج، وإن كان المنهج الجدلي المادي يتقمصها كما تتقمص النفس الجسد. أما المنهاج النبوي فهو كل لا يتجزأ، فالسنة النبوية طريق يسلك، النداء إلى الله عز وجل والإستجابة الإيمانية له كل لايتجزأ في قلب المؤمن وعقله وحركته. فإذا كان من يطلع على السنة من أجل الاطلاع دون أن تظهر السنة سلوكا في حياته، ومن كان يقرأ القرآن ليطلع على ماهنالك دون أن يستجيب ويطبق ويأتمر فلا يمكن أن نقول إنه على صراط مستقيم، وبالتالي لايمكن أن نقول إنه على المنهاج النبوي.

وظيفة المنهاج النبوي العلم والعمل مترابطين، النداء والاستجابة متلازمين، الرحمة والحكمة متعاضدتين، أمر إلهي وطاعة، خطة وتنفيذ معا، وإلا كان النفاق، نفاق الذين يقولون مالا يفعلون.

أما بعد فإن المنهاج النبوي للمومن يكتسي من الأهمية ما تكتسيه الإديولوجية بالنسبة للمتحزب من غيرنا، ويؤدي نفس الوظيفة. وأهميته الإستراتيجية، أهمية التوضيح والتخطيط والتنسيق والتنفيذ، تجعل من العلم العملي، من سماع الأمر الإلاهي بنيّة التنفيذ كما يقول سيد قطب رحمه اللّه، مسألة حياة أو موت.

هذه اللفظة “إستراتيجية” لفظة عسكرية في أصلها، أصبحت رائجة في لغة السياسة حين أصبح الصراع السياسي، طبقيا أو مصلحيا، والصمود له مسألة حياة أو موت كما هي الحال في الحروب. الإستراتيجية : “فن توجيه الجهود العسكرية وتنسيقها مع الجهود السياسية والإقتصادية والأخلاقية لقيادة حرب أو دفاع.”.

هذه وظيفة المنهاج : توجيه وتنسيق لجهود، لجهاد، في أهداف واضحة، ومسلك نموذجي. هناك كلمة “تكتيك” وهي أيضا لفظة عسكرية تعني : “الناحية التنفيذية الجزئية لاستراتيجية ما”.

هذه المصطلحات أصبحت لغة عالمية، فكل متحدث عن حركة العصر وثقافته لايستغني عن فهمها لأنه سيلتقي بها منتصراً أو مهزوماً : مسألة حياة أو موت.

مطالب المنهاج

يطلب المنهاج العلم لينحو به المنحى العملي الإجرائي، ويطلب الإنسان ليوضح له الطريق ويحفزه للعمل، ويطلب العمل ليبرمجه ويمرحله، ويطلب الواقع السياسي والإجتماعي والاقتصادي في العالم وفي الأمة ليخطط مرامي العمل ومفاصله، ويطلب الأهداف الدنيوية والغاية الأخروية ليضعها على خط واحد لا تتناقض ولا تتنافر، ويطلب المجموع لينسق الجهود ويوجهها.

إننا نعيش عصراً انتصرت فيه التكنلوجيا العلمية الصناعية التي تعطي المسيطر عليها قوة لا يقهر ماديتها إلا معنوية لها سلاح مماثل أو مقارب. وبما أن الأمة في هذا العصر بمثابة الأعزل من القوة المادية التكنلوجية، فإن جمع الطاقة المعنوية للأمة وتوجيهها في المعركة وتحزيبها للّه ورسوله ليكون استعمالها للحد الأدنى الذي معها من القوة المادية استعمالاً رشيداً موفقاً منصوراً مطلب أساسي للمنهاج. وعلى هذا الدّرب، درب الجهاد، تتجلى المطالب الجزئية التالية :

1 ـ ضرورة أن نقدم للأمة مقترحا واضحا للعمل، مضبوط الخطة، واضح المعالم، يخاطب شعور الأمة ويوقظ وعيها. مقترحاً عماده : لاإله إلا اللّه محمد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم .

2 ـ ضرورة توعية الأمة بالمرحلة التاريخية التي تعيشها وأسباب ما بنا من ويلات. وصف الداء بتفصيل، بشجاعة، بصراحة، ليقبل المريض الدواء ويصبر على مرارته.

3 ـ ضرورة الإقلاع عن نفاق الأمة كما يفعل حكام الجبر حين يبررون الواقع الحالي ويخدرون حس الأمة : “كل شيء بخير فناموا ولا تستيقظوا”. وكما يفعل النافخون في النعرات القومية الثورية: “أمجاد يا عرب أمجاد”. ضرورة أن نصارح أنفسنا بأنفسنا، وننتقد أنفسنا بأنفسنا.

4 ـ ضرورة كشف المصالح العالمية الاستكبارية، والمصالح الطبقية بين ظهرانينا لتعرف الأمة من أعداؤها، وضرورة كشف مصالح الأمة ولِمَ ضاعت وكيف استرجاعها.

5 ـ ضرورة لمِّ الطاقات الشعورية والعلمية للأمة وإعادة توجيهها بعد نزعها من قبضة التيارات الحزبية من غيرنا ومن قبضة الخمول الموروث.

6 ـ إثارة القوة الغضبية للأمة على الظلم والظالمين، لكن التحكم في تلك القوة وتهذيبها وتربيتها حتى تكون غضبا للّه عز وجل صالحة للبناء لا للهدم الفوضوي.

7 ـ توعية الأمة بذاتها الضائعة، بانتمائها لله عز وجل ولرسوله، بوحدتها المسلوبة، بواجبها في التحزب للّه ولرسوله.

8 ـ إيقاظ الإيمان الراقد، وتحريك الغيرة الراكدة، لتعود تعاليم الدين أمرا مطاعا معمولا به، ولتعود السنة النبوية أخلاقا سائدة وعملا يوميا.

9 ـ إنقاذ الأمة من كابوس الحتميات التي أنهكت تاريخنا وجعلتنا كمّاً مهملا مفعولا به غير فاعل. إنقاذ الأمة من الجبرية عقيدة وعملا، وتوعيتها بأن لها إرادة وبأن هذه الإرادة الحرة، المجعولة المخلوقة، لكن الحرة في اعتبار التكليف الشرعي، يمكن أن تصنع تاريخا جديدا عزيزا.

10 ـ إنقاذ الأمة من دعوات “الحتمية التاريخية” المادية وذهنية الانصياع للقوة الغالبة، ذهنية التابع الذليل.

11 ـ جذب الأمة بالحكمة والإنجازات العملية، والمشاركة في هموم الخبز والعمل والصحة والأمن، لتتجمع الأمة حول قواتها المجندة، لتكون الأمة نصيراً لحزب اللّه، درعا له، حصنا له، قوة به وله. وإن انتزاع إمامة الأمة من يد غيرنا لمطلب حاسم.

إن من أقوى خصومنا، لا يزالون أقوياء في بلادنا المتخلفة، الماركسية المبسطة التي تقسم المجتمع إلى طبقتين، وتحيط هذا التقسيم بمقالات في متناول السامع، لاسيما إن كان مظلوما محروما. فلا يلبث الشعار ضد الظالمين أن يثير الغضب الطبقي، ولا يلبث الشاب الذي أسيء تعليمه وأسيئت معاملته أن يتجند. الوعي الطبقي يطرد كل وعي غيره، الانتماء للطليعة يمحو كل انتماء غيره، الإيمان بالإديولوجية لا يترك مجالا للإيمان باللّه ورسوله.

تلك الإديولوجية تصنع الوعي الطبقي المتميز كما يصنع الحكم الظالم اللاوعي الخانع. فأيهما أسبق في اهتمامنا أن تواجهه : صانعو اللاوعي سدنة أم صانعو الوعي الملحد، لكن القوي جدا لموقفه الواضح ضد العدو الطبقي ؟

هنالك أيضا الدعوات الأخرى من قومية وعلمانية، من إباحية وإلحادية، من تنصيرية وانتهازية. وجود كل ذلك يبرز أهمية المنهاج الاستراتيجية في صراع هدفه الاستيلاء على عقول الأمة ونفوسها وطاقاتها وسندها.

12 ـ بإجمال، فإن إيقاظ طاقات الأمة وتوجيهها وجهة تخدم الاسلام مطلب أساسي. تبعثرت طاقات الأمة إما بانصراف لمتعة ولعب، وإما بانصراف لكدّ وبؤس، وإما بتبرير قعودنا عندما نوسع الواقع المكروه لعنا على الموائد وفي الخلوات. شباب طاقاته مهدرة، طبقات لها باع أو ذراع أو أُفحوصة قطاة في الدولة فهي تنهب وتدمر، سواد الأمة في فقر وبؤس يعاني الأمَرين.

مطلب المنهاج تجميع هذه الطاقات بردها إلى أصلها الأصيل، إلى جذور الأمة الدينية. هل يمكن هذا دون حرب طبقية ؟ هل تتحزب للّه عز وجل طائفة دون طائفة وطبقة دون طبقة؟ هل تكون استراتيجيتنا التأثير على الحكم أو أخذ مقاليد الحكم؟ إصلاحية أم ثورية ؟ محافظة أو تقدمية ؟ معتدلة أو جذرية ؟ يمينا أو يسارا ؟ أية أحلاف وأية قبلة ؟

الإخلاص لله عز وجل أولا

كتب سيد قطب رحمه اللّه يقول : ” ولقد يخيل لبعض المخلصين، ممن لا يتدبرون طبيعة هذا الدين، وطبيعة منهجه الرباني القويم، المؤسس على حكمة العليم الحكيم، وعلمه بطبائع البشر وحاجات الحياة … نقول: لقد يخيل لبعض هؤلاء أن عرض أسس النظام الإسلامي ـ بل التشريعات الإسلامية كذلك ـ على الناس مما ييسر لهم طريق الدعوة، ويحبب الناس في هذا الدين. وهذا وهم تنشئه العجلة، وهم كالذي كان يمكن أن يقترحه المقترحون : أن تقوم دعوة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في أولها تحت راية قومية، أو راية اجتماعية، أو راية أخلاقية، تيسيرا للطريق.

“إن القلوب يجب أن تخلص أولا للّه، وتعلن عبوديتها له وحده، بقبول شرعه وحده، ورفض كل شرع آخر غيره… من ناحية المبدإ… قبل أن تخاطب بأي تفصيل عن ذلك الشرع يرغبها فيه” (معالم في الطريق، ص 48، طبعة الدار البيضاء، 1966).

ويرجع إلى الموضوع رحمه اللّه مرات ليؤكد على مخاوفه من أن تصبح الدعوة إلى اللّه دعوة إلى نظام سياسي واقتصادي يقارن بالأنظمة الأخرى على صعيد واحد، فإذا بنا في حضيض الإسلام السياسي، واذا بلب الدعوة يفوت، وإذا بنا ناس من الناس تتشبت بأفكار منقطعة عن الإيمان. والخطر حقيقي.

لكن في أعقاب كلام شهيدنا تقبله اللّه ما يرد على صدوره، فهو يعرف أن قبول شرع اللّه عز وجل شرط أساسي في صحة عبودية العبد. فكيف يقبل هذا الشرع إن لم يعرف تفاصيله؟ ورحم اللّه عبد القادر عودة والمودودي فقد كان ما فعلاه، ونعما فعلا، هو عكس ما دعا إليه كاتبنا رحمه اللّه. رحم اللّه الجميع. وخطر الانزلاق في الإسلام السياسي جسيم. فمن هنا ضرورة أن يكون عرض المنهاج متماسكا تلتحم فيه العقيدة والشريعة، الرحمة بالحكمة، السلوك إلى اللّه تعالى بالسلوك في الناس، الأخلاق بالنشاط في الأرض، ويكون النداء حاضرا تقابله الاستجابة الإيمانية.

إن سيدا كان يكتب في وقت ظهر فيه الإخوان المسلمون أعظم الظهور، فهو ينطق من مكانة انتصار وانتشار وعزة. ثم هو كان رجل الفكر المعرب الذي يكتشف رحمة الايمان، فهو في نجواه وعلانيته، في كلامه وكتابته، يتحدث عن أثمن شيء في الوجود، عن عثور العبد على طريق ربه بعد طول ضلال. ولا يحب حديثا غيره. يقول رحمه اللّه : ” إن الذي يكتب هذا الكلام إنسان عاش يقرأ أربعين سنة كاملة. كان عمله الأول فيها هو القراءة والاطلاع في معظم حقول المعرفة الإنسانية. ما هو من تخصصه وما هو من هواياته… ثم عاد إلى مصادر عقيدته وتصوره فإذا هو يجد كل ما قرأه ضئيلا ضئيلا إلى جانب ذلك الرصيد الضخم (…) فإنما عرف الجاهلية على حقيقتها وعلى انحرافها، وعلى ضآلتها، وعلى قزامتها وعلى جعجعتها وعلى انتفاشها” (نفس المرجع السابق، ص 172). من يحدث الظمآن عن غير ما يروي غلته مباشرة فقد أبعد وأوحش، رحم اللّه ذلك العلم من الرجال.