1. عتبات النص: توصيف وقراءة:

عنوان هذه المقالة هو:

“كتاب العدل: قراءة في عتبات النص”… نقصد بالقراءة هنا معاني التأويل والفهم إذ لاتأويل بغير فهم، وبتعدد الفهوم تتعدد التأويلات وتنفتح القراءات لتسعى إلى معرفة ما قال الكاتب؟ ولم قال؟ ومتى؟ ولمن؟ وكيف؟..

ونقصد بالعتبات هذه المداخل الأولية التي تنتصب أمامنا قائمة ونحن نواجه مؤلفا ما ابتداء بالعنوان، فالمقدمات والتوطئات والتمهيد والفاتحة والتي كثيرا ما تكون واجهة مغرية للفهم منفتحة على القراءات المختلفة المتعددة باعتبارها دوالا معبرة مؤشرة.

* كتاب العدل:

من تأليف الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين، صدر عن مطبوعات الصفاء في طبعته الأولى يونيو 2002. وهو يضم ثلاث أبواب رئيسية ومقدمات عامة وخاتمة فجاء منتظما في 86 محورا موزعة على 22 فصلا بما مجموعه 598 صفحة.

” العنوان في أي كتاب:

يكاد يكون هو التيمة الملخصة للمضامين العامة للكتاب والمعبر الأمين أحيانا عن الأفكار المتضمنة فيه، عنوان كتابنا هذا مصحوب بعنوان فرعي صغير هو الإسلاميون والحكم، في الصورة الخارجية مربع أحمر وسط بياض عام والعنوان الرئيسي والفرعي مكتوبان بالأبيض وسط المربع الأحمر ذاك، ما دلالة هذه الألوان؟ هل هو بياض صفاء الغد المشرق في الواقع المفتون المنذر بالطوفان؟ نستحضر أن كتاب الإحسان كان أبيض أيضا ولكن العنوان وسط مربع اخضر ربما خضرة مجال الذكر خضرة الجنة الموعودة للراتعين في حياض الذكر.

“العدل” في العنوان أمر إلهي ومطلب شعبي هو:

“يتصدر كل المطالب في البرامج السياسة الجادة. والعدل الذي أمر الله به-إقامته والتهييء لقيامه- أهم ما تتطلع إليه الأمة المسلمة وتشرئب لتحقيقه طوائف الأمة المستضعفة في الأرض، أمة الإسلام. فالعدل بين الناس في الحكم والعدل في الأرزاق حين تنتج وحين تقسم، والعدل تنشده أمة الإسلام اقتضاء من النظام العالمي العولمي الطاغي في الأرض والعدل بين الناس جميعا أبيضهم وأسودهم مطالب أساسية ينبغي أن تتصدر برامج الإسلاميين وهم على عتبة المسؤولية عن الحكم”.(1)

و”الإسلاميون والحكم ” عنوان فرعي:

– يحيل إلى القضايا الكبرى المناقشة في النص والتي لها ارتباط بمعاش الناس، وقد يفصح عن الرؤية السياسة المعبرة عن المنهاج السياسي المكمل للمنهاج التربوي المبين في كتاب “الإحسان” المذكورين إجمالا في كتاب” المنهاج”.

– يفتح الأبواب مشرعة أمام أفكار متعددة:

” غزارة الفقه الفروعي وانحصار القضايا المرتبطة بالحكم ضمن منظومة الفكر الإسلامي العلمي.

” وجود أو غياب مشروع سياسي حقيقي لدى الإسلاميين هؤلاء الدراويش الذين يعيشون خارج واقع الناس وخارج تاريخ الأمة.

” إشكاليات: الدعوة والدولة.. الدين والسياسة… الدنيا والآخرة… الشورى والديمقراطية… المجتمع والدولة.

2. آليات.. ومفاهيم.. وأرضية:

 إننا لا نستطيع قراءة كتاب العدل بغير قراءة كتاب الإحسان وليس بوسعنا قراءتهما بغير قراءة كتاب المنهاج النبوي، وإن أية قراءة لكتاب العدل لابد تستحضر:

– تأطيره بشروط إمكانه التاريخية والبيئة الزمانية والمكانية لظهوره.

– ربطه بالمشروع المجتمعي العام النظري والعملي للمرشد الذي أساسه العدل ولبه الإحسان.

– ربطه بمؤلفات المرشد باعتبار كتاب العدل:

(كتاب إحسان إلى خلق الله تعالى، كتاب حوار مع الماضي متجه إلى المستقبل، حوار مع نخب مغربة وتواصل مع فضلاء ديمقراطيين، ونظرات عميقة في الفقه والتاريخ، ومساءلة دقيقة للحداثة، وقراءة لتاريخ العقل المسلم في انكساراته، ونصيحة حانية لمن يهمه الأمر، وإنذار شفيق بطوفان قادم، وتنوير للمؤمنين والمؤمنان، وموعظة حسنة دعوية وقطوف فكرية دانية..)

 يشغل المؤلف كثيرا من المفردات ذات الطبيعة المفاهيمية مما يفرض إلماما واسعا بخلفيتها التاريخية وبيئتها الفكرية ودلالتها الاصطلاحية من هذه المفاهيم التي تشكل بتكرارها حقلا معجميا مهما نجد:

(التأصيل. التجديد. الدعوة. الدولة. المعارضة. التعددية. الاجتهاد. التدرج. العمران. القومة. الجماعة. الوحدة. حقوق الإنسان. الحوار. الاستضعاف. الاستكبار. التنمية. العقلانية. الفتنة. المروءة. الميثاق. العدل. الشورى…)

 يوظف النص آليات قرائية تستند إلى أرضية تجمع بين النظرة التأصيلية والنظرة التجديدية، هناك:

– القراءة التأصيلية على ضوء الغيب المستند إلى الوحي (القرآن والسنة).

– القراءة التاريخية التي تضع الأحداث في شروط إمكانها التاريخية مظروفة بزمانها ومكانه وعقليتها وناسها.

– القراءة التجديدية الفاقهة للواقع المنزلة لنصوص الوحي في واقع الناس بضوابط الاجتهاد الفقهي المقاصدي الجامع غير المجزئ ولا المشيء.

– القراءة الحوارية التي تستدعي عناصر إنسانية وفكرية وفلسفية متباينة.

– القراءة التأسيسية المنظرة المقعدة الراسمة للخطوط الكبرى.

3. مضامين و قضايا و مقاصد:

 في مضمونه العام يقدم الكتاب نظرة تدعو إلى جعل سير الإنسان في دنيا الناس سيرا سالكا في سلك الآخرة، بشكل يتوازى فيه الإحسان والعدل، فيرى في الإحسان عدلا ويرى في العدل إحسانا. ولعل الصورة العامة للكتاب لا تخرج عن كونها أجوبة عن سؤال مركزي أساسي هو: كيف تكون حركة الفرد المؤمن سالكة في سلك الآخرة. وذلك من عرض رصين هادئ لقضايا من قبيل:

– التوصيف العام لأصل الفتنة ومكمن الداء ومنبع البلاء.

– ثنائية الدعوة والدولة.

– المعارضة والحكم.

– التجديد والاجتهاد.

– جماعة المؤمنين والمجتمع المدني.

– قضايا المرأة.

– الحداثة والديمقراطية.

– الحوار.

– الاستضعاف والاستكبار.

– اقتصاد التعبئة.

– الميثاق الإسلامي.

 في المقاصد الكبرى يسعى الكتاب إلى:

– وضع الوسائل الكبرى لإكساب جند الله في هذا العصر القدرة والفهم لإقامة حكم إسلامي قاعدته العدل وجماله الإحسان.

– إعادة تأسيس التركيبة النفسية الاجتماعية التكافلية السياسية الفكرية لمجتمعات مشتتة طوح بها الاستبداد الممالئ لقوى الاستكبار.

– نقد الغربنة وأسبابها.

– الدعوة إلى الله وتقواه-وهو الصلب واللب في الكتاب-والحوار الهادف مع الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والدعوة إلى عدل الإسلام وخير الدين والتعاون على قيم الإسلام من أجل بناء مجتمع الرحمة والرفق.(2).

وعموما بوسعنا القول إن الكتاب يعرض أمامنا في صورته العامة وخطوطه العريضة:

– بشائر وعود الله ورسوله بالنصر للمسلمين.

– أمراض ومزالق وتحذيرات في السير.

– رسالتنا نحن إلى العالم بين قوة البشائر وكثرة التحديات.

– وزن العامل الذاتي ومزالق الدعوة في غد الدولة.

 يعرض الكتاب لثلاثة أسئلة كبرى كل سؤال في باب:

السؤال الأول: *ماذا يريد الإسلاميون؟ ما أهدافهم؟ ما الشروط المنهاجية للتربية على الإيمان والتحلي بالرجولة والكفاءة لاقتحام العقبات التي أمامهم.. ؟ سؤال عالج به المؤلف:

– القوة السياسية التغييرية التي يمثلها الإسلاميون.

– ما يحمله الإسلاميون من إرادة مقتحمة.

– ما يرسمونه من أهداف.

– ما يحتاجونه إليه من بناء قلبي إيماني ورباط ولائي جماعي.

السؤال الثاني: *ما سلوك هذه القوة الاقتحامية في عالم العقبات المختلفة بتطوره العلمي وعولمية اقتصاده وأمراضه الحضارية وتربص الأعداء به ؟.

وبه تطرق المؤلف إلى:

– العقبات الخارجية المتمثلة في عالم يحيى مخاضا مذهلا على شتى الأصعدة.

– سلوك القوة الاقتحامية الإسلامية أمام العداء الغربي للإسلام وتنكر بعض المسلمين لدينهم.

السؤال الثالث: * مالعمل.. مع الأحزاب اللائيكية.. والنخب المغربة.. والأنظمة الموروثة.. ومفاهيم حقوق الإنسان والديموقراطية؟.

وهو سؤال يعرض لـ:

– مسألة الحل الإسلامي.

– ما يجمع الإسلاميين مع سائر خلق الله تعالى.

– ضرورة الحوار وشروطه وآفاقه.

– المبادئ العامة للميثاق الإسلامي.

وإذا كان الكتاب يعرض للعدل مطلب المستضعفين ومطلب المطالب في البرامج السياسية، والسؤال الذي يتصدر برامجنا على عتبة الحكم، فإنه لا يعرض لبرنامج عملي عيني مفصل للحكم إذ أن ذلك يحتاج إلى فضل وقت والتوفر على معطيات علمية دقيقة عن الوضعية العامة للبلاد.(3)

” قالوا عن الكتاب:

– “أحسب أن موضوع الدولة هو الموضوع الرئيسي في الكتاب… يستهدف إعادة بناء الأمة البناء الفكري والنفسي والعقدي والسياسي ولا يمكن إعادة هذا البناء دون تقويم أساسي لتجربة الأمة الإسلامية على الصعيد السياسي.. والكتاب وإن كان يبدو كتاب في النظرة السياسية الإسلامية ولكن هذه النظرية تعتبر أن قاعدتها الأساسية قاعدة عقدية تربوية… وأحسب أن هذا الكتاب بهذا يمثل أرضية مهمة جدة للتصالح سواء على مستوى التاريخ أو على مستوى الواقع العربي و الإسلامي أو على مستوى العلاقات مع التيارات العلمانية والتيارات الديموقراطية الجادة” (راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة التونسية).

– “هناك عشر خصائص تميز الرؤية العامة للكتاب هي:

المنهاجية المستمدة من الوحي/ التوازن/ الشمولية/ الأصالة/ الإيجابية/ العلاجية / العملية/ الإجرائية/ الكونية/ الجمع” (4). (أحمد عبادي أستاذ بجامعة القاضي عياض بمراكش).

الهوامش:

(1) “كتاب العدل” المرشد عبد السلام ياسين ص 5.

(2) “كتاب العدل” ص 9. 8. 7. 6.

(3) “العدل” ص. ص 24.. 25..

(4) من ندوة نظمتها الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان% يوم 24 ذو القعدة 1421 الموافق لـ 28 فبراير 2002 بسلا. ينظر www.aljamaa.net.