ما هي الدروس المستخلصة من الانتفاضات الشعبية المغربية؟.. وكيف نقرأ موضوعيا الهبات الجماهيرية والانتفاضات الشعبية التي عرفها المغرب (23 مارس 1965-انتفاضات يناير-10 دجنبر 1990)…….. ؟

هل يمكن وصف هذه الانتفاضات بالارتجالية لأنها لم تحقق أهدافها؟ هل يكمن الخلل في غياب فعل جماهيري راشد؟ أي أن الجماهير المغربية لم تكن في مستوى طموحات”الفاعل” السياسي المؤطر والمنظر؟ أم أن الخلل يكمن في غياب “الإطار الجماهيري”المؤهل لترشيد وقيادة الغضبة الشعبية والانتفاضة الجماهيرية ؟. ثم كيف يمكن للانتفاضة الشعبية أن تتحول من كونها حركة مظروفة وظرفية إلى حركة واعية ومستمرة؟

إن المناقشات التي دارت حول تطور المجتمع المغربي خلصت في تحليلها للانتفاضات الجماهيرية والهبات الشعبية إلى أن العامل الحاسم لم يكن متوفرا، في إشارة صريحة إلى غياب الإطار الجماهيري الذي يلعب دور القائد والحاشد والمؤطر في الآن نفسه. وهو في كل الحالات إقرار بالخطأ واعتراف بالارتجالية المتمثلة في الهرولة نحو الحكم دون توفير الشروط الضرورية.

لقد أدركت الحركة اليسارية-ضمنها الأحزاب- أخطاءها متأخرة، وسيبلغ هذا الإدراك مداه مع اتساع الهوة بينها وبين الجماهير الشعبية من جهة، ومع علاقتها بالنظام المخزني من جهة ثانية،إذ تحولت مع الزمن إلى عنصر في لعبة التوازنات، وأصبحت بالفعل”مؤسسات أيديولوجية للدولة”.

فكيف” تفعل” العدل والإحسان لتجاوز هذا المأزق؟ وهل بالفعل يمكننا اعتبار جماعة العدل والإحسان “إطارا جماهيريا”؟ يقوم بالمهمة التي عجزت عنها التنظيمات الأخرى؟ وما هي الخصائص التي قد تجعل من الجماعة إطارا جماهيريا حقيقيا؟.

إذا كان الشرط الاجتماعي عنصرا حاضرا في معادلة التغيير بما هو حالة متأزمة ووضعية مزرية (الفقر-البطالة-القمع-الأمية-الظلم….) فلا حاجة بان نذكر بان اليوم أسوا من الأمس وأفضل حالا من الغد، بمعنى أن الشق الموضوعي في معادلة التغيير يؤكد حضوره بشكل مستمر.

الصيرورة الاجتماعية العامة تنحو حتميا نحو التغيير؛ كما أن الواقع العام يعيد إنتاج الأزمة وعناصرها بشكل دائم.

نحن أمام مفارقة غير مبررة موضوعيا، ذلك أن واقعا كهذا، لا يمكنه إلا أن يستفز الهمم ويحرك الإرادات ويولد الحركة المطلوبة. وهذا ما لم يحدث، وإنما هي هبات تعبيرية أكثر مما هي خطوات حقيقية على طريق التغيير. وكانت الجماهير الشعبية تبين من وقت لآخر عن استعدادها الدائم للتضحية والانخراط في معركة التغيير.

الغائب في المعادلة أو المطلب الشرطي:

لقد كانت الجماهير الشعبية في هباتها وانتفاضاتها أشبه بالمحارب الأعزل من السلاح، وسواء تحركت عفويا أو بشكل تلقائي، أو مدفوعة من جهة ما، فهي في كلتا الحالتين عزلاء من المطلب الشرطي: الإطار الجماهيري.

خصائص الإطار الجماهيري:

يعمل الإطار الجماهيري على استيعاب وتمثيل مختلف الشرائح الاجتماعية، أفرادا وجماعات، يوفر لها مناخا عاما تنتظم فيه، وتصرف ضمنه رؤاها وتصوراتها، ويترجم شعاراتها إلى معارك نضالية، يختار لها الوقت المناسب والشكل المناسب… في عنقه بيعة، وعلى عاتقه مسؤولية تحقيق المكتسبات والحفاظ عليها. لا يخوض المعارك الخاسرة ويحول الضربات إلى مكتسبات.

البعد النوعي للإطار:

التربية:

التربية إعداد وعدة، وهي أس الارتكاز بالنسبة للإطار، فهي المفتاح والضمانة، هي عملية مستمرة يتم خلالها تذويب مقومات الشخصية “العادية”، لتصهر بطريقة جديدة، ومن كل الجوانب.

اتجاه العملية التربوية:

تراعي التربية طبيعة “التربة” البشرية المستهدفة، وامتدادها في التاريخ والمجتمع، حيث تتناول أدق تفاصيلها في الحسبان: (الطباع-العادات-الذهنيات-…….) وتمتد أفقيا في الزمان والمكان، حيث تربط الفرد بمحيطه ولا تجعله “حالة” شبه استثنائية، أو كتلة من اللحم والشحم تستهلك الواقع كما هو، أو تكتفي في أحسن الحالات بالعزاء النفسي الخادع والمخادع.

التربية تستفز عناصر الشخصية باستمرار: فكرها، ووعيها، وإرادتها، وسلوكها، وعقلها، وجسدها..

وتبقى “النفسية” المحور الاستراتيجي الذي تدور حوله العملية التربوية.

كما أنها تمتد عموديا حين تربط الإنسان بالله، بمصيره بعد الموت، وبماله غدا يوم القيامة، وبحقيقته التي يغفلها ويتغافلها. ورسالة التربية كما يقدمها الأستاذ عبد السلام ياسين: (رسالتنا لأنفسنا وللإنسان أن يكون الله عز وجل غاية كل فرد من العباد، أن يكون ابتغاء رضاه، والسباق إلى مغفرته وجنته، والسير على مدارج الإيمان والإحسان لمعرفته، والوصول إليه، والنظر إلى وجهه الكريم، منطلق الإرادة، وحادي المسارعة، وقبلة الرجاء…).المنهاج النبوي/ص8

إن اتجاه العملية التربوية العمودي يتمثل ويتلخص في العمل على تحقيق المطلب الإحساني.

البعد الوظيفي للإطار:

حينما يتحقق البعد الأول من التربية، وهو البعد الموضوعي، أي حينما يتمكن المحضن التربوي من الفرد/العضو، وينجح في إعادة صياغة الشخصية، يتحقق البعد الثاني بالتدريج، وذلك بان ينعكس النوعي على الوظيفي، فكرا وسلوكا، فيقوم بتحرير الشخصية من أسر الواقع وسلطته، وتحرير الإرادة وبث روح الثقة بالله وفي موعود رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي القدرات الذاتية، بحيث يصبح العضو حاملا لا محمولا، يلج الحلبة ولا يكتفي بالمتابعة من الهامش.

البعد الوظيفي يخلق نوعا من” التعالي” عند الفرد بأن يجعله مستقلا عن واقعه، الذي هو جزء منه، يدرك بعمق طبيعة المحيط الذي يتواجد فيه، ويتحرك ضمنه، لكنه لا يفكر بشروطه، أي بشروط هذا الواقع، إنه يفكر فيه وليس به.

عندما تكتمل عناصر التربية، ينتظم المطلب العدلي مع المطلب الإحساني في ثنائية متوازنة، فيصبح الفرد صورة مصغرة للجماعة، يصطبغ بشخصيتها ويندمج عاطفيا وفكريا وحركيا في جسدها:(اندماجا لا ينقطع بانتهاء الحياة الدنيا بل يمتد إلى الحياة الأبدية، مصير الإنسان الأخروي بعد أن يسلم وينضم للجماعة مرتبط بمصير الجهاد الجماعي فمن اقتحم كل العقبات التي تحول بينه وبين نصر الله تعالى بالمال والنفس كان من أصحاب الميمنة واستحق جزاء المجاهدين) المنهاج النبوي، ص13 .

إن التربية التي نتحدث عنها تقدم الإجابات للأسئلة المحورية:(كيف نربي الإيمان في القلوب؟ وعلم الجهاد في العقول؟ ودراية التحرك بين الناس وطلب الشهادة في سبيل الله مع الصف وبنظام الصف؟) الأستاذ عبد السلام ياسين:الإسلام غدا ص13-14.

الإطار الجماهيري ومسالة القيادة:

إذا كانت الجماهير في حاجة ماسة إلى الإطار، الذي تنتظم فيه، وتناضل من خلاله، لكي تصنع عمرانها وتاريخها، أي إذا كان مستقبلها يرتبط بشكل أو بآخر بالتنظيم الذي يضفي قوة على الإطار، فان الإطار نفسه يتوقف مصيره على طبيعة قيادته، ويصطبغ بها، فهو فرع من ” تصورها” وصورة عينية طبق الأصل لشخصيتها.

فـ”القيادة” عامل حاسم وأساسي في بناء الإطار والحفاظ عليه.

القيادة سلوك حي وتجسيد عملي لمبادئ الإطار، كما أن القائد يعطي بنموذجيته معنى “خاصا” للتحرك وسط الشعب.

القيادة خدمة متواصلة، دون أي رغبة في الحصول على مقابل.

القيادة ثقة مطلقة في الله، وفي موعود رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أنها ثقة في قدرات الشعب وقدرته، وثقة متفائلة بالمستقبل.

القيادة صبر على مشاق الطريق الطويلة، بكل عقباتها، دون استعجال أو أدنى محاولة للقفز في الهواء.

القيادة قدرة خاصة ومميزة على تقبل الرأي الآخر والاستماع إليه، وإرادة قوية على إسداء النصح والجهر بالحق…إنها الخيط الرابط بين الطاقة الروحية الجبارة وبين الطاقات الشبابية في الشعب…ثم إنها قدرة على استثمار عناصر القوة عند الشعب وتوظيفها بشكل سليم.

القيادة مواقف واضحة، وتصريحات مسؤولة، إنها صراحة تامة في الإخبار عن الصعوبات التي تقف في وجه الشعب وتعوق تقدمه، وكذلك في طرح البدائل الممكنة.

القيادة “مبادرة” (بفتح الدال) و”خطوة متقدمة” دائما، سباقة إلى القول بالقدر الذي تسبق إلى الفعل.

القيادة تعرف كيف تجعل من خصوصية الشعب طاقة دفع، وتعرف كيف تحافظ عليها، وتجعلها ضمن عناصر المعادلة التربوية.

القيادة بساطة في العيش و”عظمة” في المواقف والتضحيات…

إنها بعيدة كليا عن الشعور بالنقص، رغم ما يحققه ويظهره”العدو” / الآخر من تفوق وإنجازات.

القيادة نظرة متبصرة في أحوال الناس والعالم، جامعة شاملة، تأخذ التاريخ في الحسبان وتبني على أرضية الموعود النبوي الشريف، الذي يبشر بعودة العدل والشورى وبقيام دولة القرآن.

القيادة قوة ثابتة في اتخاذ القرار.

إن القيادة بالمواصفات الآنفة الذكر، وحتى التي لم نذكرها، مسألة حساسة جدا وعلى قدر هائل من الأهمية، ذلك أنها نموذج حي يجعل الحركية الاجتماعية أمرا ممكنا، قد يتجاوز حدود المستحيل وما تعكسه الصور الظاهرة المتبدية للعيان البشرية العادية.

يكتسب القائد هذه المواصفات بناء على علاقته بالله، وسعيه الدؤوب في طاعته، ومحبته المطلقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

القيادة في جزء أساسي منها، عطاء من الله ومنحة ربانية، بما هي أنوار وبصيرة وعلم بالكتاب وقدرة على الاجتهاد والتجديد، وعلى التربية والتأليف بين القلوب والنفوس. وهي بهذا الشكل قيادة ربانية مؤيدة بتوفيق الله، وهو ما يجعلها شخصية إحسانية.

وهي في جانب آخر، شخصية تحررت من بشريتها المرتبطة بالنزوعات الأرضية أو الشهوانية، جمعت بين المطلب العدلي والمطلب الإحساني.

أطلنا الحديث عن القيادة، لأنها عتبة الإطار ولأن الالتفاف الجماهيري حول الإطار لا يتحقق إلا بوجود وحضور قيادة من هذا النوع وهذا” العيار”.

الإطار والمسالة التنظيمية:

لقد جرنا الحديث عن الإطار الجماهيري إلى الحديث عن شخصية القائد، وهو ما يجرنا إلى الحديث عن الرابط العملي بينهما: التنظيم.

فبالتنظيم تكتشف (بضم التاء) دخيلة العلاقات المجتمعية، وتصاغ حسب الخطة المرسومة والبرامج المدروسة.

والفعل، أيا كان، فرديا أو جماعيا، لا يكون مؤثرا ومجديا إلا إذا كان منظما، وكلما تحقق له ذلك أضفى على نفسه هالة من الاحترام والتقدير يستحقهما فعلا، وتليقان به.

وللتنظيم دلالات متعددة، فهو تارة إطار حزبي أو حركة سياسية، أو تيار اجتماعي ما، وهو تارة أخرى شكل البناء الداخلي للهيأة أو الحزب أو…، وكيفية ترتيب البيت من الداخل وبنيته البشرية والمؤسساتية، كما انه أيضا هو ما يمكن أن تؤول إليه كل هذه العناصر مجتمعة ومتداخلة.

إن التنظيم في الثقافة المنهاجية، يتماهى ومفهوم الجماعة الواردة في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:(هذا البناء العضوي هو تنظيم الجماعة وإنه لتنظيم مراتب الخدمة ونفع الناس، وانه لتنظيم أدوار أرضية يمثلها مومنون لهم روحانية كشفت لهم عن الغيب فازدادوا إيمانا ويقينا وعلموا أن لا خير إلا خير الآخرة، فهم لذلك يعملون ولرضى ربهم يسارعون ومغفرته.)/الأستاذ عبد السلام ياسين.. كتاب الإسلام غدا، ص 499-500 ط 1993.

إن الجماعة هي أعلى مراحل تطور العمل المنظم، وهي ضامنة استمرار هذا العمل وحاضنته الوفية، تنتجه وتعمل على إعادة إنتاجه باستمرار.

الجماعة جسم متحرك ومحرك، محضن شعبي تمتد مسافته امتداد الإنسان في الزمان وفي المكان، هي أمر الهي وسنة نبوية، يقول تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) آل عمران آية 103.

والجماعة ما جمعتك على الله واستفزتك للجهاد.

للجماعة لغة تتواصل بها مع عموم الناس أو الشعب، هي تنظيمها. أو تنظيماتها ومؤسساتها، فهي جسور معبدة تحقق التواصل باتجاهيه وببعديه: العمودي والأفقي.

(الجماعة المومنة المجاهدة تركيب عضوي كالجسد الواحد، فقيادة تمثل الرأس المفكر دون أن تكون في نفس الوقت قلب الجماعة الحي قيادة لا تجمع الكفاءتين الإيمانيتين : الرحمة القلبية والحكمة العقلية) /المنهاج النبوي ص 130 ط 1989.

التنظيم أو الجماعة، بصمة القائد.

(لكن جماعة لا تتجاوز قيادتها مستوى عامة المومنين جماعة كالجماعة وليست بها حتى يكون اللب الإحساني فقار ظهرها وسر نشأتها، وعماد بنائها، حتى يكون حب الله ورسوله حاذيها، والشوق إليه عز وجل رائدها، والسير إليه منهاجها) المنهاج النبوي ص 130 ط 1989.

الجماعة رائدة وقائدة، دافعة ومدافعة، واضحة غير منفضحة…

تختزل عبارة المطلب “العدلي” رؤية كاملة للمشروع المقترح، كما هو مفصل ومفرع في كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين (المنهاج النبوي – الإسلام غدا – العدل/الإسلاميون والحكم – الإسلام والحداثة -…)، وفي البيانات الصادرة عن الأمانة العامة للدائرة السياسية التابعة للجماعة، وفي تصريحات مسؤوليها.

خلاصة:

إن جماعة العدل والإحسان إطار جماهيري قائم بذاته، مكتمل البناء نظريا وتنظيميا، إنه قوة اقتراحيه وتنظيمية وسياسية وعددية…

وإن هذا الإطار مكسب لكل المغاربة، يدعوهم جميعا على اختلاف تلوينا تهم السياسية إلى معانقة أشواق الحرية، ويمنحهم شرف الانتماء إلى “الفاعل التاريخي “.

اللهم أدم علينا فضل نعمك واجعلنا من الشاكرين الذين ينسبون الفضل لأهله.

آمين.