قدمت الدولة المغربية منذ أمد بعيد استقالتها على المستوى الاجتماعي، حيث تحللت من مسؤولياتها في القطاعات العامة “غير المنتجة” كالصحة والتعليم، وباعت كل ممتلكات الشعب المقهور الرازح تحت كلكل الفاقة والفقر.

فتحولت “دولة المجتمع” المنشودة إلى دولة “حارسة” لمصالح اللوبي المحلي والأخطبوط المالي العالمي من جهة و”تدخلية” لقمع فئات المجتمع وإبقائها تحت طائلة العوز والحاجة من جهة أخرى، مما ولد أزمة اجتماعية خانقة على كل المستويات.

في هذا السياق، ومن منطلق أمانة الأمة التي حملها الإسلام لكل المؤمنين والشرفاء، تنخرط الحركة الإسلامية، وجهات محسنة أخرى، للتخفيف عما حل بأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا التفقير العصيب. وقد عرفت الحركة الإسلامية على مستوى العالم بعملها الاجتماعي الدؤوب ونشاطها المثمر حتى باتت ملجئ المستضعفين. وفي بلدنا الحبيب، لا تفتأ جماعة العدل والإحسان تتدخل في كل حين، رغم إمكاناتها القليلة، لتخفيف ما ينزل بهذا الشعب الأبي. ومن ثم اعتاد أبناء هذه الجماعة التحرك بفاعلية في مثل هذه الأيام، في أوساط المجتمع ليتضامن بعضه مع بعض بغية تقليص عدد الحالات التي لا تستطيع اقتناء أضحية العيد، ومواساة فئات الشعب المحروم.

فما أبعاد هذا التضامن؟ وما قيمة المسألة الاجتماعية في تصور جماعة العدل والإحسان؟

1. المسألة الاجتماعية في تصور العدل والإحسان:

تحمل جماعة العدل والإحسان في قلوب رجالها وبين طيات مشروعها المجتمعي، معان راقية في البذل والتضامن والتكافل، حيث أن تصورها لواقع الأمة الإسلامية في مستقبل الخلافة قائم على مفهوم “مجتمع العمران الأخوي” الذي ينبني على ولاية جامعة لمعاني المحبة والأخوة، ومؤسس لكينونة إيمانية ومواطنة قلبية ترتقي بالانتماء الجغرافي “فالولاية بين المومنين ليست من قبيل إضافة سياسية أو قرابة نسبية تلحق هؤلاء بأولئك، بل هي لحمة عقدية وروح سارية وتناصر واجب” (1).

ومن منطلق هذه اللحمة العقدية والروح السارية والتناصر الواجب، يستشعر الفرد أنه جزء من جماعة وعضو في مجتمع، يتأثر به ويؤثر فيه، قضية واحدة ومصير مشترك.

في ظل هذه الأرضية الصلبة والبيئة الإيمانية، تبرز معاني الألفة والرحمة والتعاضد بتلقائية، وتجد المسألة الاجتماعية مكانتها المحورية بين المطالب العدلية لجماعة العدل والإحسان. فقد شمل تنظيرها للعدل أبعادا، جوهرها العدل الاجتماعي أي المساواة بين كل فئات المجتمع في مصادر الرزق وتهيئة ظروف العيش الكريم. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين “زحف المسلمين إلى الحكم هدفه استعمال سلطة الدولة لفرض الحكم بما أنزل الله، وما أنزل في حق المجتع هو العدل، وإنصاف المظلوم والمحروم”(2).

إن هذه الرؤية للمسألة الاجتماعية تنسحب على المستقبل، وفي أفق أن تصبح الدولة طيعة في يد الدعوة ورجالها لخدمة هذه المقاصد السامية  العدل والإنصاف-، تتحمل جماعة العدل والإحسان اليوم مسؤوليتها وسط الشعب المغربي المستضعف. فتجتهد وسعها وتسعى ما أمكنها، في تخفيف ما ينزل به من كرب وما يلم به من ملمات، ولعل العديد من المناطق والقرى والمدن المغربية شاهدة على صدق هذه الجماعة. وما حضورها الفاعل في مدينة المحمدية عند فياضاناتها والحسيمة إثر زلزالها وكريان سنطرال بالحي المحمدي في حرائقه وحركية أبنائها عند كل عيد أضحى… إلا نماذج تبرز محورية المسألة الاجتماعية في تصور العدل والإحسان ومركزية العدل الاجتماعي في سلوكها.

2. عيد الأضحى .. البعد التربوي:

قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: “من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته” (متفق عليه)، وقال عليه الصلاة والسلام: “من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه” (أخرجه مسلم).

إن معاني الكينونة وتنفيس الكرب عن المؤمنين والتيسير والستر لهم تشكل العمق التربوي لأبناء العدل والإحسان في حركتهم الاجتماعية، حيث يربطون شهادتهم وحضورهم في الناس بمعاني الإيمان والمتاجرة مع الله عز وجل.

تركز محاضن الإيمان داخل جماعة العدل والإحسان على التهمم بأمر أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم “ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم” (الحديث)، ومن ثم نفهم هذا الإقبال الحثيث على خدمة الناس وتنفيس كربهم. وفي الوقت نفسه تجعل جوهر هذا التهمم إخلاص النية لله تعالى وبناء آخرة الفرد “من أصبح وهمه غير الله فليس من الله” (الحديث).

في ظل هذا السياق الإيماني التربوي ينخرط رجال العدل والإحسان، من أجل مساعدة فئات الشعب المستضعف غير القادرة على شراء أضحية العيد، حيث يقبلون بقلوب مطمئنة بالإيمان ووجوه طافحة بالبشر إلى عموم المواطنين يستحثونهم للتضامن مع إخوانهم الذين أعجزهم الفقر، من أجل مساعدتهم وإدخال الفرحة إلى قلوب أبنائهم، قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: “أفضل العبادة سرور تدخله إلى قلب عبد مؤمن”.

تجتهد جماعة العدل والإحسان وسعها في التخفيف من وطأة الحالات الكثيرة المعوزة، بل إن مواساة وحنو أبنائها يمتد ليشمل أولئك الملقون على أسرة المستشفيات، من خلال زيارتهم يوم العيد في صورة بديعة تؤسس لمجتمع الأخوة والمحبة وتنبذ الأنانية والكراهية.

ولفعل الجماعة مقاصد ومكاسب تربوية أخرى منها:

– تربية الشعب على البذل وروح التطوع وذهنية الواجب، وعلاجه من أمراض الأثرة والشح واللامبالاة، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “في مجتمعات منحلة ينادي المؤمنون غدا لإعادة بناء الأمة، وليس تبنى على الشح والأنانية والأثرة، وهي من أمراضنا الفتنوية، إنما نبني على خلق جميل”(3).

– ربط المؤمن بقضايا أمته وتحميله لهمومها، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين “التطوع الميداني يهيء فرصة للمؤمن ليعرف مشاكل أمته، ويلتصق بواقعها، ويعاني آلامها ويتهيأ لحمل أعبائها” (4).

– إعداد الطاقات الكافية التي تمرست وأتقنت العمل الاجتماعي، وتربت على قدرة التعبئة والتنفيذ “ويوم تقوم دولة الإسلام نجد أنفسنا هيأنا الأطر الصالحة لتسيير دواليبها، وهيأنا القيادات الشعبية القادرة على إخراج ما عند الشعب من قدرة البذل، بذل المال والجهد” (5).

3. عيد الأضحى .. البعد الدعوي:

العدل والإحسان جماعة دعوة إلى الله تعالى، وهي من أجل ذلك توظف كل إمكاناتها ووسائلها وتغتنم كل الفرص للدلالة على الله ودعوة الناس إلى خير الإسلام.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “يبرز التطوع كوسيلة من وسائل تحبيب الإسلام، والتعريف به والدعوة إلى الله” (6).

إذن فالعمل الاجتماعي، ومنه حركة الجماعة في هذا العيد، له غايات سامية: الدعوة إلى الله وتحبيب دينه إلى عباد الله. ويرتبط بهذا المقصد معان جميلة تشكل الأساس الذي ينبني عليه المجتمع الإسلامي، ويشير إليها الحديث النبوي الشريف، عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” (متفق عليه).

الجسد الواحد إذا والتداعي بالسهر والحمى، أهداف ومقاصد دعوية لتطوع أبناء العدل والإحسان في عيد الأضحى ومعالم مجتمع العمران الأخوي المستقبلي.

4. ختاما: توضيح واستغراب

– أؤكد على مسألة غاية في الأهمية، جماعة العدل والإحسان تربط حركتها بنية الإخلاص لله تعالى والقرب منه، سواء كانت هذه الحركة ذات طابع اجتماعي أو ثقافي أو سياسي أو دعوي، فإذا كان الآخر قاصر عن إدراك هذا الفهم والنفوذ إلى هذا المعنى فإن تحليله المادي السياسي الصرف يحسب عليه لا له.

– إن كانت جماعة هذه مبادئها وأخلاقها، وهذه هي التربية التي تلقنها لأبنائها وأعضائها، فإني أستغرب أشد الاستغراب ألا يفتح لها المجال وألا تدعم بكافة الوسائل، فبَلْه أن يحاصر رجالها ويقصى فكرها وتمنع أنشطتها ويقمع أبناؤها.

الهوامش:

(1) الأستاذ عبد السلام ياسين، كتاب “العدل: الإسلاميون والحكم”، ص 270  271.

(2) عبد السلام ياسين، كتاب “المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا”، ص 198  199.

(3) نفسه ص 194.

(4) نفسه ص 201.

(5) نفسه ص 200 – 201.

(6) نفسه ص 200.