لا تفتأ الحركة الإسلامية تتنامى بالمغرب، وخير دليل على ذلك المتظاهرون الخمسمائة ألف الذين تمكنتم من جمعهم سنة 2000 إضافة إلى نتائج الانتخابات لصالح حزب العدالة والتنمية. ما سبب هذا النمو الإسلامي في رأيكم؟ ولماذا تكتفي الحكومة، في ظروف من هذا القبيل، بتحمل جماعة العدل والإحسان دون تجاوز ذلك إلى منحها الشرعية؟

أود في البداية أن أوضح للقارئ الغربي أن الحركة الإسلامية ليست تشوها اجتماعيا سياسيا، وإذا كانت الكلمة تحيل اليوم على معنى سلبي بالضرورة فلكون الفكر السياسي المتداول والمقبول يريد ذلك. غير أن هذا اللفظ يحيل في حقيقة الأمر إلى واقع معقد، جدير تعقيده بأن يؤخذ بعين الاعتبار إذا أريد عدم تكريس كره الأجنبي في الدول الإسلامية ومعاداة الإسلام المجانية في الدول الغربية. إنما الحركة الإسلامية طلب للتزود من معين الإسلام الأصلي، ويمكن القيام بذلك بألف طريقة مختلفة. أما جماعتنا فقد وجدت مشربها في الإحسان الذي يلهمنا عملا اجتماعيا إنسانيا، نازعا إلى خير الإنسان. وبخصوص نمو الحركة الإسلامية بالمغرب كما في غيره من الأقطار فلا ينبغي بتاتا الاكتفاء بالتفسير الذي يربط هذا المد الإسلامي بمرارة الحرمان والفاقة؛ فلا ينبغي أن تربط بهذه الظاهرة النفسية  أي الحرمان- سوى الحركات التي تتبنى قراءات عنيفة متطرفة.

وإذا كانت الدولة تتحملنا بالفعل رغم كوننا خصومها المعلنين على المستوى الإيديولوجي، فذلك لكوننا نمثل عامل استقرار إذ ندعو، في إطار نبذ العنف، إلى مقاومة كافة أنواع الظلم سواء أصدرت عن نفوسنا أو السلطات المحلية أو الإمبريالية العالمية؛ ولسنا وحوشا متعطشة للدماء كما يحلو لإحدى الأفكار أن تروج عنا دون صوت يؤازرها.

إنكم تبدون مطمئنين إلى دعم شعبي يمثل الأغلبية، ولكنكم ترفضون المشاركة في الانتخابات، فهل ستشاركون في استحقاقات 2007؟ وما هي شروطكم إن كان الأمر ممكنا؟

إن فعلنا السياسي لا يخضع للانفعال اللحظي ولا هو متحين للفرص التي قد تجود بها تفاعلات الظرف السياسي الراهن. فنحن نتوفر على نظرية أساس، بمثابة عقد انتماء، تخص المبادئ المؤسسة الكبرى. ليس واردا بالمرة أن ننخرط بأي شكل من الأشكال في نسق طبيعته على طرفي نقيض مع تصورنا للسلطة. إن مشاركة الشعب الفعلية في السلطة أمر لا يبدو له وجود في إرادة الحكومة، كما أنه بعيد عن مكنة شعب منكوب على جميع المستويات بما فيها، بل على رأسها، التربية. في الوقت الحالي، عملنا الأساس هو إعادة بناء الإنسان المغربي، وإن كانت وسائلنا في غاية التواضع؛ فنظريتنا الأساس  وعمرها الآن ثلاثون سنة- قد عملت على حمايتنا إيديولوجيا وماليا عن طريق الرفض المبدئي لأية مساعدة وافدة من الخارج إسلامية كانت أو غير إسلامية. فعملنا تطوعي بالأساس.

لقد نددت منظمة العفو الدولية سنة 2000 وسنة 2001 بأعمال القمع التي قامت بها المؤسسة الملكية ضدكم. فهل تعرضتم منذ ذلك الحين إلى قمع جديد؟ وهل عانيتم من مضايقات من قبل الحكومة أو المؤسسة الملكية بعد تفجيرات مدريد والبيضاء الإرهابية؟

نعم. ونحن مسرورون جدا بعمل منظمة العفو الدولية وكذا حكمتها، فهي لم تخضع لصيحة كل ناعق مضلل. تعلمون أن هذه المنظمة أخذت على نفسها أن لا تتبنى سوى الحركات المسالمة، وإن دفاعها عنا مفاده أننا قدمنا الدليل تلو الدليل عن نبذ العنف، وأخالنا نمثل نموذجا متفردا في العالم العربي الإسلامي في هذا الباب ونحن بلا شك أول من فرض ثقافة التظاهرة الحضارية ومنذ سنين. لهذا فتفجيرات الدار البيضاء لم تمسنا إلا لكونها تمس واقعا مغربيا يهم مناضلينا أبناء هذا الوطن. أما بوصفنا حركة فلم يمسنا سوء على عكس الاحتمالات، فالدولة أزعجت الكل إلا جماعتنا وذلك لأننا، تبعا لخيارنا المبدئي، فوق كل الشبهات. والمفارقة أن الحكومة فطنت إلى أننا نمثل فرصة للمغرب وأننا بمثابة كابح حقيقي لعنف توفرت له ظروف الانفجار قبل ذلك ولربما كان أكثر دمارا في المغرب. ولا أدل على ذلك من آلاف الشبان الذين يلتحقون بجماعة العدل والإحسان التي تربيهم على تفريغ الغضب وتحويله إلى قوة فاعلة.

ما رأيكم بخصوص موقف حزب العدالة والتنمية الذي قرر دخول الانتخابات وأصبح ثالث قوة سياسية في بلادكم؟ هل تظنون أنهم اتفقوا سرا مع الملك محمد السادس حول نتائج تلك الانتخابات؟

إن خياراتنا السياسية على نقيض خيارات حزب العدالة والتنمية وإن كانت بيننا نقطة اتفاق، هي الرغبة في الرجوع إلى أصالتنا الإسلامية، فبيننا اختلافات جوهرية. لقد اختار حزب العدالة والتنمية أن ينخرط في النظام المخزني، والدخول في النظام أساسا بمثابة ضرب لمقومات قوة الحزب؛ وليس ما عدا ذلك سوى جزئيات.

وجهت جماعة العدل والإحسان انتقادات لاذعة للملك محمد السادس. فأنتم لا تعارضون الحكومة فحسب

بل النظام والملكية كذلك؛ فأي نظام حكم تفضلون؟ أجمهورية إسلامية على غرار الإيرانية؟ وما الذي يمكنكم تعلمه عن الديمقراطيات الغربية؟

نحن بالأساس مدرسة فكرية تنطلق من قراءة تاريخية لا تمثل فيها الدولة العلوية كلها، وبالأحرى الملك الحالي، سوى مرحلة محصورة في الزمن. ليست لدينا حسابات نصفيها مع أحد ولا رغبة لنا في “شنق آخر سلطان بأمعاء آخر فقيه” كما كان شعار ثورة 1789. لنا وعي أكيد بوجوب إعادة البناء والهيكلة لإضفاء صورة إنسانية على مستقبل الإنسان العربي المسلم الذي كان ضحية الكذب والتلاعب إلى حد طفح معه الكيل. نريد بناء مستقبل يعيش فيه الشعب المغربي كريما حرا؛ وإذا كان النظام الجمهوري ضروريا لنجاح المشروع، فلم لا؟ غير أنه ليس واردا بالمرة اللجوء إلى العنف أو استيراد نظام إيراني لا يصلح لواقعنا ولا يتلاءم وتصورنا للإسلام. قد يكون علينا ابتكار كل شيء، و لكن لا ينبغي لنا رفض شيء مسبقا. أما النظام الديمقراطي الغربي فهو (نظريا) يعبر عن نضج سياسي يمكننا بالفعل الإفادة منه؛ ويبقى البحث عن النماذج الجاهزة عدو كل تقدم. من أجل ذلك نجتهد في التعلم.

هل ترون أن تصاعد الإرهاب الإسلامي بعد الصراعات الدولية الأخيرة يدعم صحة نظرية صدام الحضارات بين الشرق والغرب؟

بل أظن بالأحرى أن صدام الحضارات يخدم مصالح أباطرة البترول والأسلحة، تلك الطبقة من مضرمي النيران المهووسين الذين ندد بهم ميشيل مور والذين يملك الشغف بالربح عليهم عقولهم، حتى إنهم كمثل الإمبراطور الروماني نيرون، لا يزنون عواقب أعمالهم.

إن الأفكار المسبقة ضد الإسلام تؤذي الإسلاميين المعتدلين أمثالكم، فما الذي يميزكم عن الاتجاه الأكثر “راديكالية” وتطرفا؟

نحن نتوفر بالفعل على قدرة كبيرة على التعبئة وقد أبهرت تظاهرتنا الأخيرة (يوم 28 نونبر 2004) بانضباطها الذاتي رغم أننا لا نخضع لتدريبات عسكرية. أما برنامجنا التربوي، فهو في معظمه تذكير بمحكم القرآن وتدبر لمعانيه. إن التحدي الأساس الذي نواجهه هو تغيير الإنسان، إذ بمجرد أن يبدأ الشخص في مساءلة نفسه الأسئلة الكبرى يتغير كل شيء لأننا نخرج بذلك من مجال الأهواء إلى تنمية الحكمة. إن إحياء العهد بأصولنا يجعلنا نكتشف أن القوة نقيض العنف. دعني ألخص لك ما تقوم به حركتنا بنقل عبارة قالها عنا “مارك ليفين”، أظنها على مستوى من الدقة، فنحن، على حد تعبيره، “صوفية اجتماعية حديثة”.

لقد انتشرت الوهابية عبر العالم وفي المغرب، فما رأيكم الحقيقي في هذا التيار؟ هل تظنون أنه أعطى قوة للإرهابيين الإسلاميين؟

على مستوى أكاديمي يمكن اعتبار الوهابية اجتهادا خاصا بمرحلة تاريخية مضطربة متعلقة بالاستعمار من جهة وباستيلاء آل سعود على الحكم بالمشرق من جهة أخرى. كان الأمر سينحصر في حادث عابر في التاريخ العربي الإسلامي لولا عاملين محوريين، الأول تشجيع صريح لهذا الإسلام المتشدد من قبل قوى الاستعمار التي لم تكن تهتم إلا بشيء واحد هو الهيمنة على المنطقة وضمان استقرارها السياسي؛ والثاني ظهور وسائل الإعلام والاتصال التي مكنت هذه المدرسة من الانتشار كالوباء، خاصة مع دعم دولارات البترول. وإن شئنا استباق مثال الفيروس، فجو تنامي الكراهية ضد الإسلام، والصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وفاقة الشعوب المسلمة، جميعها عوامل تغذي وتقوي الداء، حينها تصبح جميع الانفلاتات ممكنة.

كان المغرب يمثل استثناء تاريخيا على المستوى العالمي، أما اليوم فهناك 1000 إرهابي إسلامي في السجن و2000 على الأقل تحت الحراسة. هناك إرهابيون مغاربة متورطون في أعمال إرهابية أو محاولات في أوربا، حتى أن بعض المطلعين الإسبان ينعتون الحكم العلوي بكونه منتجا ومصدرا للإرهابيين الإسلاميين. هل هذا صحيح؟ ما هي، في نظركم، العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية التي تفسر هذا النمو السريع للإرهاب؟

إن النظام المخزني ينتج العديد من الفوارق والحرمان، وإن لم يكن منتجا مباشرا لما تسمونه إرهابا إسلاميا، فهو، بدون شك، يساهم فيه بشكل غير مباشر لأن لدينا جيلا كاملا، من اليائسين، واليأس أساس كل أنواع العنف. إن الواقع الاقتصادي من أكثرها كارثية في العالم، ولن تستطيع أي جولة في البيرو أو غيره إخراج المغرب من نكبته المزمنة، فكل المعطيات الإحصائية تنذر بالخطر والتقارير الدولية تؤكد كل عام انزلاق المغرب إلى ذيل القائمة، كل هذا يخرج إلى الواقع شبابا مستقبله ضبابي وأنا لا أذكر الذي سبق له وقال: “لا أحد يولد انتحاريا، ولكن يتحول إلى ذلك ..”.

يحاول محمد السادس مراقبة المد الإسلامي في المغرب، فالأئمة والمدارس القرآنية تحت الرقابة. هل ترون هذا نافعا؟

كل ما يقوم به النظام هو من قبيل الحلول الترقيعية، وفي هذا الأمر كذلك تكون الكلمة الأخيرة لنظام بوليسي لا لسياسة تربوية أو استراتيجية تغيير. والحقيقة أن مراقبة المساجد تعني طرد كل إمام يخالف قواعد التدجين التي تفرضها الدولة أو قمعه. قد يكبح ذلك التيار الوهابي والإمكان وارد فعلا، غير أن الأمر يقصي بالجملة كل خطاب مخالف.

ماذا تستطيع العدل والإحسان فعله لضبط التشدد والإرهاب الإسلاميين؟

نحن نركز بالأساس على التربية، وخاصة التربية الروحية تمثل عندنا ترياق التطرف الشافي.

لقد دفع الوضع الفلسطيني والتفجيرات بأفغانستان بالعنف الإسلامي. ماذا تقولون للجهاديين الذين يتذرعون بتلك الصراعات لتفسير عملياتهم؟

دون أن أدخل معهم في جدل فقهي، أقول لهم على مستوى سياسي أن من الغباء الجلي القيام بأعمال عنف على أرض غربية لأنهم يعطون بذلك الدولة الصهيونية مبررا لسحق الشعب الفلسطيني كما تشاء. وليستخلصوا الدروس مما حدث بعد 11 شتنبر. وأقول لهم إن المجتمعات المدنية بالغرب ليست عدوتنا بل على العكس هي حليفنا الأول، إن كنا نريد تغيير مستقبل يتراءى مضطربا، وليس أمام العرب المسلمين وحدهم. أجل، إن العالم العربي الإسلامي في خط النار لأسباب جيوستراتيجية وبترولية غير أنني أرى أن الإمبرياليات القادمة لن ترحم أحدا.

نتج على حدث 11 مارس 2004 في إسبانيا نوع من سحب الثقة من المغرب، غير أنه منذ وصول الحزب الاشتراكي إلى الحكومة، حاول تجاوز توترات السنين الأخيرة. كيف ينبغي أن تكون العلاقات الإسبانية المغربية في نظركم؟

في هذا العالم الذي أصبح قرية بات تكوين شراكات أمرا ضروريا، بل حيويا. لذا فالواجب أن تكون علاقاتنا جلية بسبب الجوار الجغرافي ونقط الالتقاء التاريخية بيننا، شريطة تجاوز الشراكات ذات الطابع الاستعماري. ورغم كل شيء فإنني أظن أن العولمة سوف تدفع ببلدينا منطقيا إلى شراكات فوق مستوى العلاقات الثنائية. وهذا لن يمنع من وجود روابط خاصة بين الجيران وإن على مستوى اللياقة وحسن الجوار.