يقول الله عز وجل “ن والقلم وما يسطرون” (سورة القلم الآية1)، إذ أقسم الله بنون وهي الدواة وعاء الحبر، وأقسم بالقلم، وأقسم بما يسطرون، وفي كل ذلك تأكيد لأهمية القلم والكتابة.

وقالت العرب قديما: “القلم بريد القلب” و”عقول الرجال تحت أقلامها” و”القلم راقد في الأفئدة مستيقظ في الأفواه” و”القلم أصم يسمع النجوى، وأخرس يفصح بالدعوى، وجاهل يعلم الفحوى”.

وقال الشاعر:

إن الكتابة رأس كل صناعة *** وبهـا تتم جوامع الأعمـال

ما مناسبة هذا الكلام، ولماذا الحديث عن القلم والكتابة؟ وآلاف الصحف تطبع يوميا، وملايير الكلمات تحويها الكتب والمجلات وصفحات “الأنترنت”…

وأي جهاد هذا هو جهاد القلم في الوقت الذي تسلب فيه حقوق المسلمين وتداس فيه كرامتهم؟…

ثم إن الكلمة الإسلامية موجودة ومبثوثة، بل فيها زخم، ونحن في حاجة إلى الأعمال لا إلى الأقوال، وفي حاجة إلى دليل الإقدام لا إلى صليل الأقلام …

مهلا .. مهلا فجهاد القلم لا يلغي أبواب الجهاد الأخرى؛ العديدة والمتنوعة، ولكنه يحث عليها، ويرسم طريقها، ويبين مطالبها وشروطها؛ لذلك فهو جهاد مستمر، له أهمية خاصة أكدها الله عز وجل حين أقسم بالقلم.

ثم إنه لا خير في كلمة لا تحرك همة، ولا عزة للمسلمين إلا بالهمم العالية, التي تطلب المطالب الغالية. والزخم في الكلمة الإسلامية سرعان ما يتحول إلى قطرة في بحر لجي أمام هيمنة الكلمة المادية وتغولها.

وما هي الكلمة الإسلامية؟ هل هي كل كلمة ذكرت فيها عبارات من قبيل: “الإسلام”، “المسلمون”، “الحل الإسلامي”…

إن الكلمة الإسلامية، أو بعبارة أعم الخطاب الإسلامي؛ هو ذلك الخطاب الذي يطرح قضايا الإنسان كما طرحها كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

يورد الشيخ يوسف القرضاوي خصائص الخطاب الإسلامي، بعد أن بين أنه يعني: “البيان الذي يوجه باسم الإسلام إلى الناس مسلمين أو غير مسلمين لدعوتهم إلى الإسلام، أو تعليمه لهم، وتربيتهم عليه: عقيدة وشريعة، عبادة ومعاملة، فكرا وسلوكا. أو لشرح موقف الإسلام من قضايا الحياة والإنسان والعالم: فردية أو اجتماعية، روحية أو مادية، نظرية أو علمية”(1).

هذه الخصائص هي أن الخطاب الإسلامي يؤمن بالله ولايكفر بالإنسان، يؤمن بالوحي ولا يغيب العقل، يدعو إلى الروحانية ولا يهمل المادية، يعنى بالعبادات الشعائرية ولا يغفل القيم الأخلاقية، يدعو إلى الاعتزاز بالعقيدة وإلى إشاعة التسامح والحب، يغرى بالمثال ولا يتجاهل الواقع، يدعو إلى الجد والاستقامة ولا ينسى اللهو والترويح، يتبنى العالمية ولا يغفل المحلية، يحرص على المعاصرة ويتمسك بالأصالة، يستشرف المستقبل ولا يتنكر للماضي، يتبنى التيسير في الفتوى والتبشير في الدعوة، ينادي بالاجتهاد ولا يتعدى الثوابت، ينكر الإرهاب الممنوع ويؤيد الجهاد المشروع، ينصف المرأة ولا يجور على الرجل، يحفظ حقوق الأقلية ولا يحيف على الأكثرية(2).

ورغم أهمية هذه الخصائص ووضوحها أرى من الضروري التأكيد على ما يلي:

1. الخطاب الإسلامي خطاب يدل على الله

كل قضايا الإنسان في كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، مشدودة إلى قضية القضايا، ألا وهي مصير الإنسان بعد الموت، ومآله يوم لقاء ربه، هل إلى جنة أم إلى نار، هل إلى فلاح ورضوان، أم إلى مقت وخسران.

فليس مشكلنا حقيقة مشكل مبنى وكم وكتب، ولكنه مشكل معنى وروح وقصد واتجاه، فالكلمة الإسلامية ليس بمبناها وكمها ولكن بمعناها وروحها؛ وإن كان المبنى ضروري لتزيين المعنى وتجميله. وكل كلام لا تسري فيه روح ذكر الله لا يلبث أن يتحول إلى هدر.

2. خطاب واحد في الروح والمعنى متعدد في الشكل والمبنى

بما أن الخطاب الإسلامي خطاب شامل يشمل كل جوانب الحياة الفردية والجماعية، وبما أنه يخاطب في الإنسان روحه وعقله وجسمه، كان لابد له أن يجمع في توازن بين الإنذار والبشارة، وبين الترغيب والترهيب، وبين الاستنهاض والزجر، وبين التحريض العاطفي والتنوير العقلي … وكان لابد للكلمة الإسلامية أن تتموج بين كلمة منطوقة، وأخرى مكتوبة، وثالثة مصورة … دون أن يطغى الشكل على الجوهر، الذي هو الدلالة على الله، والدلالة على أمر الله في النفس والمجتمع، في جماعة المسلمين وعالم المستضعفين، في الدنيا والآخرة …

3. خطاب يراعي عقل المخاطب

قال الله عز وجل: “وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم” (سورة إبراهيم الآية 5)، وجاء في الأثر: “خاطبوا الناس على قدر عقولهم، أتريدون أن يكفر الله ورسوله؟”.

فإذا كان أمر الله عز وجل وأمر سوله الكريم صلى الله عليه وسلم تجمعه، كما أكد ذلك بعض العلماء، تلك الآية من سورة النحل التي قال فيها الله عز وجل: “إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون” (سورة النحل الآية 91) فإن “المخاطب بمقامات الإحسان والعرفان والتقرب من الله هم كافة المؤمنين، ولا يفهم هذا الخطاب ولا يستجيب له إلا من خصهم الله برحمته.

أما المخاطب بالعدل، بالكرامة، بالخبز، بالصحة، بالمدرسة، بالهم اليومي فهم عامة بني الإنسان .. وبين الخطاب بالإحسان والعرفان، والخطاب بالعدل، مساحة خصبة، يتموج فيها الخطاب القرآني ليناجي الروح في أشواقها، والنفس في أغوارها، والعقل في تجريده، والجسم في حاجاته”.(3)

لا تعني مراعاة عقل المخاطب، الوقوف عنده، والمكوث عند هذا العقل، الذي متى كان مجردا نزل بك إلى لغة مجردة قد يختفي في ظاهرها وباطنها كل تذكير بالله وباليوم الآخر، ولكن مراعاة عقل المخاطب تعني التدرج به ليصعد، لا لتنزل أنت. لتنتقل به في رفق وتدرج، من عقل مجرد ينكر الوحي، إلى عقل مؤيد مسدد يستنير بالوحي.

إنها لعمري مهمة صعبة، وأمر عظيم، فكيف بي أنا الذي لا أقوى على حمل القلم، ولا أجرؤ على مواجهة الصحيفة البيضاء، كيف بي وقد طلب مني أن أضيف إلى جمال المبنى جمال المعنى، وأن أزين الألفاظ بنسيم التسليم لله مع وقبل وبعد تزيينها بأحسن النظم.

فحسبي وحسبك يا من ينتدب نفسه للدعوة إلى الله عز وجل أن نحاول المحاولة تلو المحاولة، بصدق ونية خالصة، ومن سار على الدرب وصل، ولعل صحبتنا للمؤمنين، ومحبتنا لأولياء الله تكون سببا في تيسير كل صعب، وتقريب كل بعيد.

قف وسطر دررا بالقـلم *** واشكر الرحمن مولى النعم

فلرب العرش خير ظاهر *** علم الإنســان ما لم يعلم

وأربأ بنفسي وبك أيها الداعية إلى الله عز وجل، أن نتخلف عن هذا الباب العظيم من أبواب الجهاد، فداعية لا يحمل القلم كجندي لا يحمل السلاح وكيف بنا نقعد متفرجين وقد:

انبـرى في وقتنا شرذمة *** يدعون الخير بين الأمـم

قد طغت أقلامهم ويل لهم *** ألبسوا الحق لباس التهـم

ومع الجهاد بالقلم كل أنواع الجهاد الأخرى بمطالبها وشروطها وضوابطها.

ولنعلم أن الكلمة الإسلامية الحقة لا تصدر إلا عن الشخصية الإسلامية الحقة، ولا شخصية إسلامية إلا بالتربية الإيمانية. يقول الله عز وجل: “يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا” سورة الأحزاب الآية 70.

القول السديد; أي القول المستقيم الواضح الهادف النافذ إلى القلوب المحرض على العمل، هذا القول لابد له من تقوى. “واتقوا الله يعلمكم الله”.

الهوامش:

(1) الشيخ يوسف القرضاوي، خطابنا الإسلامي في عصر العولمة، الطبعة الأولى، 2003، ص. 15.

(2) نفس المرجع السابق.

(3) الأستاذ عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، الطبعة الثانية 1989 ص 398.