يعيش المسلمون حالة من الوهن والذل والتبعية، ابتعدوا فيها عن وظيفتهم التي خلقهم الله لها، خيريتهم التي قال الله تعالى فيها “كنتم خير أمة أخرجت للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون بالله” (آل عمران، آية 110)، ووسطيتهم وشهادتهم على الناس التي قال الله عز وجل فيها “وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا” (البقرة آية 142) ووحدتهم الجامعة “وأن هذه أمتكم أمة واحدة” (الأنبياء آية 91)، وهكذا تمزقت وحدتهم وفترت هممهم وتشتتت صفوفهم ووهنت إراداتهم وضعفت قوتهم فانشغلوا بسفاسف الأمور وتاهوا بين مجريات الأحداث فصاروا يمسون على حال ويصبحون على حال.

وكلما تصدى لهذا الواقع باحث أو داعية أو متهمم إلا وبادر بطرح السؤال الأساس: أين الخلل؟ ولكن قلة من هؤلاء من يستمر في طرح الأسئلة التأسيسية الملازمة للسؤال الأول من قبيل: ومتى بدأ؟ وكيف بدأ؟ ومن تسبب فيه؟

إن الإجابة الدقيقة والتفصيلية عن تلك الأسئلة هي الضامن، بعد توفيق الله عز وجل، لإرجاع الأمور إلى نصابها، ولإعادة البناء على أساسه الأول الذي قال الله عز وجل فيه “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا” (المائدة آية 3) وأكد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي أنه سمع العرباض بن سارية قال وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب قلنا يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا قال “قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين وعليكم بالطاعة وإن عبدا حبشيا عضوا عليها بالنواجد فإنما المومن كالجمل الأنف حيثما انقيد انقاد”.

في هذا الحديث وصايا ثمينة من رسول الله صلى الله عليه وسلم مفادها الاستمساك بسنته صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين والطاعة لأولي الأمر، وفي حديث آخر يحصر صلى الله عليه وسلم زمن هذه الخلافة في ثلاثين سنة حيث روى الترمذي عن سفينة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك” قال سعيد بن جهمان، ثم قال (أي سفينة) أمسك (أي احسب بأصابعك) خلافة أبي بكر وخلافة عمر وخلافة عثمان وخلافة علي، فوجدناها ثلاثين سنة، قال سعيد: قلت له: إن بني أمية يزعمون أن الخلافة فيهم، قال: كذبوا بنو الزرقاء، بل هم ملوك شر الملوك”. وبالرجوع إلى الوقائع نجد أن بيعة أبي بكر رضي الله عنه كانت في 12 ربيع الأول سنة 11هـ وتنازل الحسن لمعاوية رضي الله عن الصحابة أجمعين كان في 25 ربيع الأول سنة 41هـ.

من هنا إذن بدأ الخلل، من هنا بدأ انحلال المسلمين، ومن هنا بدأ الانحراف عن الجادة والزيغ عن البيضاء التي هلكت الأمة يوم زاغت عنها، ومن هنا وقع الانكسار التاريخي الذي حول الخلافة الراشدة الشورية إلى ملك عضوض، وهذا ما كان يعيه الصحابة رضي الله عنهم ولكنهم كانوا يستمسكون بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق: الطاعة والانقياد، فقد قال عمر لسلمان يوما: أملك أنا أم خليفة؟ قال سلمان: إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهما أو أقل أو أكثر ثم وضعته في غير حقه فأنت ملك غير خليفة” (ابن سعد: الطبقات الكبرى، ص 3/233)، وهذا سعد بن أبي وقاص يخاطب معاوية بكلام يدل على فهم لهذا المعنى حيث قال “السلام عليكم أيها الملك، فقال معاوية: وما عليك إن قلت يا أمير المؤمنين، قال والله ما أحب إذا وليتها بما وليتها به” (ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ص 3/405).

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الإمام أحمد رواه أبي أمامة الباهلي “لينقضن عرى الإسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها وأولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة”. وكل ما تقدم من أحاديث يؤكد ذلك.

انتقاض عروة الحكم كان بداية الانحراف، وغياب الشورى فتح الباب للاستبداد، والاستبداد طرد العدل فانتفت من حياة المسلمين ركائز البناء الإسلامي: العدل والشورى، وبقيت القشور: التوسع الجغرافي والازدهار العمراني وما شابه ذلك، ولكن العديدين ينسون بأن كل ذلك ليس إلا مظاهر ستزول مع مرور الأيام لأنها لم ترتكز على أساس صلب وصحيح. وهذا ما يؤكده الحديث السابق الذي بين أن الانتقاض سيكون تدريجيا، عروة بعد عروة، وكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها.

انتقاض عروة الحكم لم يكن بضربة لازب، ولكنه كذلك تم بالتدريج، وبلغ لحظته الحاسمة والمصيرية في سنة 60 هجرية حينما أراد معاوية تولية ابنه يزيد، وفي هذا يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “كانت سنة ستين للهجرة هي السنة التي مات فيها معاوية شيخ العصبية القبلية الأموية، وقعد فيها على عرش الهرقلية الأموية مقدما صبيان قريش الذين دشنوا هلكة الأمة” (عبد السلام ياسين: الشورى والديمقراطية، ص 255) وهذا ما كان يحذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد جاء عند ابن أبي شيبة في حديث رواه أبو هريرة مرفوعا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعوذ بالله من إمرة الصبيان؟ قال: وما إمرة الصبيان؟ قال: إن أطعتموهم هلكتم، وإن عصيتموهم أهلكوكم”، وورى البخاري عن أبي هريرة قال: “سمعت الصادق المصدوق يقول: “هلاك أمتي على يدي غلمة من قريش”، والحديث بطوله رواه البخاري في باب الفتن بسنده عن سعيد بن عمرو بن العاص قال: كنت مع مروان وأبي هريرة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعت أبا هريرة يقول: سمعت الصادق المصدوق يقول: هلاك أمتي على يدي غلمة من قريش” فقال مروان: غلمة؟ لعنهم الله غلمة. قال أبو هريرة: إن شئت أن أسميهم بني فلان وبني فلان” ولذلك كان أبو هريرة رضي الله عنه  وليس غرابة أنه هو راوي هذا النوع من الأحاديث- يمشي في الأسواق ويقول: اللهم لا تدركني سنة ستين ولا إمرة الصبيان”.

أول عرى الإسلام التي انتقضت هي الحكم، وأول ما انتقض منها هو الشورى، ومن يريد إعادة البناء على الأساس الأول لابد له من هذا الفقه، ولابد له من إعادة الشورى ابتداء , بذلك وحده يرجع الأمر إلى الأمة وتتولى مقاليد أمورها وتتحكم في مصيرها وتتحرر من كل وصاية عليها، ويصبح لعددها  وهو أكثر من مليار- معنى ووجودا، وبدون ذلك تبقى أرقاما مهملة متسكعة على موائد الحكام العاضين على الأمر بالوراثة وبيعة الإكراه.

فقه هذا الانحراف الخطير، والوعي بهذا الانكسار التاريخي الذي حول الخلافة الشورية العادلة إلى حكم ظالم مستبد هو بوابة البناء، ولا ينبغي لمسلم التحرج من سبر أغوار هذا الموضوع بدعوى أن فيه جرأة على صحابي، أو كلام في مكروه، أو تكرار لمآسي أليمة، فالعبرة ليست بالوقائع ولكن بالعظات، والله عز وجل أكد هذا في غير ما آية “لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب” (يوسف آية 111)، “فاقصص القصص لعلهم يتفكرون” (الأعراف آية 176)، وحسب المرء أنه بغوصه في ذلك التاريخ لا يحس بنزهة فكرية أو ترف معرفي ولكن يحركه وازع القرب من ربه الذي أمره بالكينونة مع الصادقين والتواصي بالحق والصبر، ووعده بالاستخلاف في الأرض وكل ذلك سيبقى آمالا عريضة وأماني معسولة إن لم يرفقها عمل.

لن يكون العمل صالحا إن لم يبدأ بمعرفة الداء، وقد اتضح أنه قديم لا يمكن حصره إلا بالرجوع إلى ذلك التاريخ، وفي هذا الصدد يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “سيبقى فهمنا لحاضر الأمة ومستقبلها مضببا بل ومشوشا غاية التشويش إن لم ندرك أبعاد تلك الأحداث وآثارها على مسارنا التاريخي وتجلجلها في الضمائر عن وعي في تلك العهود” (عبد السلام ياسين، نظرات في الفقه والتاريخ، ص 27).

ولن يصيب المومن بموعود الله ورسولهم صدمة، ولن تثبط له عزيمة ما دام قلبه مطمئن بقوله تعالى: “وكان حقا علينا نصر المومنين” (الروم آية 47). وكله يقين بما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن حذيفة “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا عاضا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون الخلافة على منهاج النبوة. ثم سكت”.