بسم الله الرحمن الرحيم. (يا رب إن هؤلاء قوم لا يومنون. فاصفح عنهم وقل سلام. فسوف تعلمون). اللهم إنِيَ أعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق.

لا بد لطالب الحق من علم مسبق بما هو الحق .هذا العلم المسبق بالتاريخ وبالشروط “الموضوعية” أدعى أن يُدخل في رُوح السائل عن الحق، ذي الإلمام بدينه تَتعاوَرُهُ نيات الإقدام والإحجام، اهتماما جديدا وهما سديدا وحرصا بعد ذلك شديدا بمصيره وحظه من الله ومنزلته عنده.

لقيَ أولَ عهده بالدعوة وجوها خيرة دعته إلى التوبة فلبى وانخرط في جماعة وجد فيها حياة جديدة. ووُلد فيها ميلادا جديدا. علمته الجماعة مبادئ الإسلام مليًّا، لكنها لم تلبث أن دفعت به إلى معمعة الفكر والحركة ومُكايَدة العدو ومكابَدته. وهو لم يلبث أن فقد الهبَّة الأولى فقعد يتساءل ولا من مجيب عن سبب انْخناس إيمانه. وقته مليء بالأعمال، لا يمنعه من التخلي عنها إلا “التزامه” مع الجماعة وبيعته ومسؤولياته التنظيمية ومسلسل روابطه بها.

في هذا الفصل أُحدِّثُ طالب الحق العزيز عن الركن “الذاتي” والشرط الأول للسلوك، ألا وهو صدقه هو وطلبه ونيته. من أراد من الله حرث الدنيا آتاه منها، ومن أراد من الله حرث الآخرة زاد له في حرثه. ومن لا يدعو الله يغضب عليه الله، ومن لا يسأل الله لا يعطيه الله. وإرادة وجه الله خالصا فوق ما يطلبه عادة المسلمون. إرادة وجه الله، والصدق في طلبه، والسير إليه مطلب تستوفيه من يد القدر على يد اللقاء المقدَّر، فِطَرُ من خصهم الله بسابقة ولايته. وقد تكون نقطةُ البداية وقرعة اليقظة كتاباً يسألك مصنفه: هبْ أن الله جلت عظمته توَّج جهود العاملين للإسلام، وأنت منهم، بالتمكين في الأرض للجماعة التي نصرتَها، فما حظك أنت من عطائه. وما مرتبتك بين أوليائه؟ أعطاك ما سألت حين سعيت بالجهد الدائب الصابر لإقامة دولة الإسلام في الأرض، فأين أنت في معارج الإيمان والإحسان؟ كيف نسيت مصيرك أثناء الاشتغال بمصير المسلمين؟ إنما الأعمال بالنيات يا صاح، وإنما لكل امرئ ما نوى. فهل كانت هجرتك إلى الله ورسوله حقا أم كانت هجرتك إلى دنيا عاجلة وقفت في محطة ما من محطاتها؟ حتى دولة الإسلام إن نصرتها في غفلة عن الله دنيا في حقك، نصرت المسلمين لم تنصر الله. وإن الله ليؤيد هذا الدّين بالرجل الفاجر كما روى الشيخان عن أبي هريرة مرفوعا. اللهم استخلصنا لنفسك.

فاتك تصحيح النية والصدق في الطلب والصواب في التوجه. وتلك هي المنزلة العظمى. لا يغنيك تألّق مصير الجماعة، ولا تمكين دين الله في الأرض، ولا فلاح من أفلح، ولا اختلاف من اختلف إن لم تتحقق لك أنت مع الله جل شأنه رابطة العبودية والمحبة والقربة لتكون من الذين إن تقربوا إليه شبرا تقرب إليهم باعا، وإن تقربوا إليه بالفرض والنفل صادقين صابرين منتظرين داعين راجين خائفين قربهم وكان سمعهم وبصرهم ويدهم ورجلهم. ويحك! إن لم تصحح القصد وتصدُقْ في الطلب قيل لك يوم يكلَّل هامُ الأمة بتاج الخلافة في الأرض: قم، فقد استوفيت حقك، ونلت ما كتب لك، وأُعْطيتَ سُؤْلك، لم تطلب الله يوما. ومن فاته الله فاته كل شيء. ويحك! طلبت منه النصر والجنة، ما طلبت قربه والنظر إلى وجهه! وما طلبت مقعد الصدق عنده مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. ضاع عمرك!

ما هذه التساؤلات من شباب الإسلام، ولا من مجيب، إلا علائم الغموض والإبهام والريبة. وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للإمام الحسن السبط رضي الله عنه وهو صبي هذا الحديث العظيم الذي حفظه الصبي ورواه: “دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة”. أخرجه الترمذي بإسناد صحيح.

ما أحرى الشباب الإسلاميَّ بحفظ هذه الوصية لفظا وعملا ونية ليدخلوا مُدخل الصدق ويخرجوا مُخرج الصدق على خطى المصطفى المجتبى صلى الله عليه وسلم الذي لقنه الله تعالى: (وقل رب أدخلني مُدخل صدق وأخرجني مُخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا). (سورة الإسراء، الآية: 80) ما أحراهم باتباع ملة إبراهيم حنفاء، وهو العبد الصالح الذي سأل الله عز وجل قائلا: (واجعل لي لسان صدق في الآخرين). (سورة الشعراء، الآية: 84) ولسان الصدق الذي طلبه أبونا إبراهيم عليه السلام هو أن يُثني عليه الآخرون ثناء حسنا بما كان لهم قدوة وسلفا صالحا. ما أحرى الشباب الإسلامي أن يَرْكَبَهم هَمُّ الله، وهمُّ مرْتَبتهم عند الله، وهمُّ اسمهم في الملكوت الأعلى. لا يفيد إلا في الدنيا ما تحمله من كنية واسم حركي. ما حظك من الله؟ ما قَدَمُكَ عنده؟. (وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم). (سورة يونس، الآية: 2) لا يفيدك مكانك في السلم التنظيمي إن لم تَسْمُ بك الهمة إلى مقعد الصدق عند المليك المقتدر سبحانه تُزاحم ثَمَّ الصديقين. (إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر). (سورة القمر، الآية: 55).

انظر رعاك الله فيم تدخل وكيف تخرج وأي لسان تطلب وأي قدم لك عند ربك وأي مقعد هو مقعدك. أمن المسلمين أنت أم من المومنين والمحسنين؟ أسألته يوما صادقا عارفا بما تطلب أن يلحقك بالصالحين؟ إلاّ تفعل فلست ممن يعنيهم كلامي، عمادك منقوض وكلامي عندك مرفوض.

قال الأستاذ القشيري رحمه الله : “الصدق عماد الأمر وبه تمامه، وفيه نظامه. وهو تالي درجة النبوة. قال الله تعالى: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين. وحسن أولئك رفيقا. ذلك الفضل من الله. وكفى بالله عليما).

يا أخي! إن أردت أن يكون الله معك فالزم الصدق لأن الله مع الصادقين، كما جاء في القرآن الكريم. إن أردت أن ينصرك فانصره، إن أردت أن يذكرك فاذكره، إن أردت أن يستجيب لك فادعُه. هذه المعاملة معه سبحانه لا تثبت مع رياح الهوى العاصفة بالنفوس الخاوية، لذلك نصحك سبحانه حيث قال: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين). (سورة التوبة، الآية: 119) ولكل صدق مكان معلوم ونتائج معلومة. فصدق اللهجة أهله ناجون من شعبة واحدة من النفاق، وصدق العهد والوفاء به كذلك، والصادقون في مواجهة العدو وجهاده شهداء. وهكذا حتى تجد الصادقين الكاملين في الصدق، أبرموا مع الله عز وجل ميثاقا غليظا ليكونُن له عبيدا. أولئك المفردون السابقون. انحيازك إليهم يرفعك إلى المنزلة العظمى.

قال الإمام السهروردي رحمه الله بعد أن ذكر حديث إنما الأعمال بالنيات: “النية أول العمل، وبِحَسَبِها يكون العمل(…)، فإن دخوله (المريد) في طريقهم هجرة حاله ووقته. (…) وكل من كانت بدايته أحكم كانت نهايته أتم.(…) ومن لم يهتد إلى النية بنفسه يصحبُ من يعلمه حسن النية”.

لا إله إلا الله، أية حكمة تحت قوله: “من يعلمه حسن النية”! هناك أجيال من المسلمين طرق سمعَهم الحِسيَّ الفكري قول الله تعالى لنبيه: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه). (سورة الكهف، الآية: 28) لكن فطرتهم لم تسمعها، لم يعلمهم أحد هذه النية، لم يسألوا أهل الذكر.

وقال شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله: “(منزلة الصدق) هي منزلة القوم الأعظم. والطريق الأقوم الذي مَن لم يَسِرْ عليه فهو من المنقطعين الهالكين. وبه تميَّزَ أهل النفاق من أهل الإيمان، وسكان الجِنان من أهل النيران. وهو سيف الله في أرضه الذي ما وُضع على شيء إلا قطعه، ولا واجه باطلا إلا أرداه وصرَعه. من صال به لم تُرَدَّ صولته، ومن نطق به علت على الخصوم كِلْمَته. فهو روح الأعمال، ومحك الأحوال، والحامل على اقتحام الأهوال، والباب الذي دخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال. وهو أساس بناء الدين، وعمود فُسْطاط اليقين، ودرجته تالية لدرجة النبوة التي هي أرفع درجات العالمين”.

ويحك! أنت لم تلج الباب، ولم ترافق الأحباب! دخلت قاعات الانتظار متطفلا، وحرفت الكلِمَ عن مواضعه متأوّلا. ونسيت حظا مما ذكِّرت به، وتملقت المجد الدنيوي: “جميع أعمالك وأقوالك ومقاصدك دنية. القوم ليس في أعمالهم ملق. هم الفائزون، هم الموقنون الموحدون المخلصون الصابرون على بلاء الله عز وجل وآفاته، الشاكرون على نعمائه وكراماته. يذكرون بألسنتهم ثم بقلوبهم ثم بأسرارهم. إذا جاءتهم الأذايا من الخلق تبسموا في وجوههم. ملوك الدنيا عندهم معزولون. جميع من في الأرض عندهم موتى، عاجزون، مرضى، فقراء. الجنة بالإضافة إليهم كأنها خراب. النار بالإضافة إليهم مخمودة. لا أرض ولا سماء ولا ساكن فيهما. تتَّحد جهاتهم (أي جهات قصدهم) فتصير جهة واحدة. كانوا مع الدنيا وأهلها، ثم صاروا مع الأخرى وأهلها، ثم صاروا مع رب الدنيا والآخرة. التحقوا به وبالمحبين له. ساروا بقلوبهم حتى وصلوا إليه، وحصلوا الرفيق قبل الطريق. فتحوا الباب بينهم وبينه بذكرهم. ما زالوا يذكرونه حتى حط الذكر عنهم أوزارهم. فقدُهم مع غيره ووجودهم به. سمعوا قوله عز وجل: (فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون).(سورة البقرة، الآية: 152) فلازموا الذكر له طمعا في ذكره لهم. سمعوا قوله عز وجل في بعض ما تكلم به (من الحديث القدسي): “أنا جليس من ذكرني” فهجروا مجالس الخلق، وقنعوا بالذكر حتى تحصل لهم المجالسة له”.

ويحك! أنت ما فتحت الباب بينك وبينه تذكره وتناجيه، بل فتحت باب الخلق، وتِهت في دراسة “الكون الكبير”، وتعمقت في “فقه الواقع”، ونسيت الله. ونسيت سنة الله. لا جَرَمَ تحصل على ما هاجرت إليه. لا جرم تلتحق بالمناضلين من كل صنف وإن رفعت شعارات الإسلام. لم تلتحق بأحبائه. ما سمعت عنهم خبرا. ما عاهدته، ما وفيت، ما صدقت. كيف لك بالصدق إن لم تكن مع الصادقين!