إن المقاربة التقليدية للعقوبة الحبسية التي بمقتضاها يزج بالسجين في غياهب السجن ليقضي بها مدة محكوميته محروما من حريته ومن كافة حقوقه حتى يصير رقما مجردا، قد عفى عليها الزمن، وصارت موضة عتيقة لم تعد تقوى على مسايرة المقاربة الحقوقية الكونية التي لم تسلب من الشخص السجين سوى حريته في الحركة والتنقل، وأبقت على أعظم شيء يملكه، ألا وهو كرامته وإنسانيته وسائر حقوقه الأخرى، كالحق في الحياة والصحة والتعليم والتغذية السليمة والمتوازنة والتواصل مع العالم الخارجي قصد تسهيل اندماجه الاجتماعي.

والحق في الزيارة في ظروف إنسانية لائقة حق حيوي هو بمثابة الرئة التي يتنفس بها السجين هواء الحرية، والنافذة التي يطل من خلالها على العالم الذي ينتظره، والوسيلة البالغة الأهمية التي تخفف عنه وطأة السجن وآثاره النفسية المؤلمة. وتزداد أهمية هذه الزيارة في الأعياد والمناسبات العزيزة بكل ما تحمله من دلالات عميقة وذكريات جميلة حيث اجتماع الأهل والأحباب في أجواء عائلية ودينية متميزة.

والإدارة السجنية لا زالت قوانينها المنظمة وعقلية مسيريها متخلفة عن ركب هذه المقاربة الحقوقية المكرمة للسجين والمراعية لمشاعره ونفسيته وأحاسيسه؛ فتمعن في تحسيسه بتلك القيود وذلك الحرمان فتصر على منعه من الزيارة في الأعياد الوطنية والدينية منها خاصة، بل إن أغلب المؤسسات السجنية تبقي عليه داخل الزنزانة طيلة مدة العطلة التي قد تصل أحيانا إلى أربعة أيام أو خمسة إذا ما تصادفت مع عطلة نهاية الأسبوع، لتتعمق مآسيه وجراحه النفسية، وتزداد معاناة عائلته في مثل هذه المناسبات. كما أن عددا من العائلات محروم من زيارة أقاربهم في السجن لظروف عملهم التي لا تسمح بذلك في أيام العمل الإداري.

صحيح أن الزيارة في هذه الأيام ظلت لأزيد من عقدين من الزمن مكسبا خاصا بالمعتقلين السياسيين لاعتبارات متعددة، منها ما هو نضالي بذل في سبيله الكثير من الجهود، ومنها ما يتعلق بإلحاحية المطلب وضرورته، وبسلوكهم وحسن انضباطهم والتزامهم، خاصة وأن عدد المعتقلين السياسيين ظل قليلا مقارنة مع العدد الإجمالي للساكنة السجنية. لكن عقب أحداث 16 ماي جندت الإدارة السجنية كل طاقاتها لطمس هوية الاعتقال السياسي وتجريد المعتقلين السياسيين من كل ما انفردوا به من مكاسب تاريخية بدعوى المساواة بين السجناء.

ومن أجل مساواة حقيقية بين السجناء وتماشيا مع الشعارات الجديدة التي أضحت ترفعها الإدارة السجنية في السنوات الأخيرة بهدف إدماج السجين في محيطه الاجتماعي والاقتصادي، وكذا تخفيفا من المعاناة النفسية والاجتماعية التي يكتوي بلظاها السجناء، فإن تعميم تلك المكاسب وتمتيع السجناء بالزيارة في المناسبات الدينية والوطنية والعطل الأسبوعية بات مطلبا حيويا ملحا ومبررا.

ولهذا المطلب مبررات وجيهة نذكر منها ما يلي:

1) ظروف العمل غير المواتية والتي لا تسمح لبعض العائلات بالزيارة في أيام العمل الإداري فلا يتسنى لعدد كبير منهم رؤية أقاربهم. ومن العدل تمكين هذه الفئة من حقها في زيارة فلذات أكبادهم والاطمئنان عليهم ومواساتهم في محنتهم وتخفيف شيء من معاناتهم، خاصة في ظل الأوضاع المأساوية التي تعرفها المؤسسات السجنية، سواء على مستوى التغذية أو الصحة، حيث أصبحت العائلات المورد الأساسي لسد حاجيات السجناء من نقص التغذية وسوئها وقلة الأدوية والعناية الصحية.

ويزيد المطلب إلحاحا كلما تعلق الأمر بقريب عزيز كالوالدين والأزواج والأبناء. فالسجين المتزوج مثلا، وإن كانت الإدارة قد سمحت لزوجته بزيارته في إطار ما يسمى بالزيارة العائلية أو الخلوة الشرعية، فإن ظروف بعض الزوجات اضطرتهن إلى العمل لسد حاجيات البيت في غياب المعيل، مما قد يحرمها من فرصة الزيارة. لذا وجب الترخيص، بصفة استثنائية، لمثل هذه الحالات بالزيارة في أيام العطل الأسبوعية.

كما أن للزيارة أيام المناسبات الدينية والوطنية مبررا آخر أكثر تأثيرا على حياة السجين النفسية والاجتماعية وعلى نفسية عائلته؛ إذ تكون لهذه المناسبات أجواء خاصة وحساسية مفرطة، والحرمان فيها من معانقة الأحباب بعضهم بعضا أشد على النفس منه في سائر الأيام الأخرى. وتسهيل اندماج السجين في محيطه الاجتماعي بدون خلفيات أو آثار نفسية سلبية يبدأ من هذه المرحلة الصعبة وسبيله تيسير فرص الزيارة وخاصة في هذه المناسبات الغالية.

2) بعد المسافة: إن ظروف العمل الصعبة تتفاقم كلما بعدت المسافة بين الزائر ومزوره، حيث تقطع بعض العائلات مئات الأميال قبل أن تصل أعتاب السجن لتقضي ساعات أخرى أمام طابور الازدحام والإهانة.

وإضفاء للمسحة الإنسانية على سلوك الإدارة السجنية الذي ظل لعقود طويلة موسوما بالغلظة والفظاظة والتسلط، وانسجاما مع شعارات العهد الجديد المتطلعة إلى إدماج السجين في محيطه الاجتماعي وإعادة الثقة إلى نفسه ونفوس أهله وذويه، لا انفكاك للمسؤولين عن مراعاة أحوال هذه الفئة ومن يزورها واستثناء من يستحق الاستثناء من القاعدة العامة التي تؤطر توقيت الزيارة وظروفها.

3) المداومة الإدارية نظام معمول به في سائر الإدارات والمكاتب ذات الصلة بجمهور المواطنين لقضاء حوائجهم التي لا تحتمل التأخير ولا تخضع لقواعد التنظيم الإداري العادي، لذا اقتضت المصلحة العامة أن يوضع في كل مصلحة إدارية من يتجندون لهذه الخدمة ويسهرون على أداء هذا الاستثناء، بل إن هذه المراعاة لاحظناها حتى في ظل التوقيت العادي نفسه حين يختلف من إدارة إلى أخرى كما حدث هذا الصيف بالنسبة لبعض المصالح الإدارية.

وإذا ما اعتبرنا خصوصية هذه الإدارة السجنية وما تسهر عليه من مصالح لفئة عريضة من السجناء، وعلى غرار مثيلاتها من المصالح الأخرى ذات الطابع الاجتماعي كالمستشفيات والخيريات وغيرها، فإنه يتعين على من بيدهم زمام الأمور إحداث نوع من المداومة الإدارة والعمل بها، خاصة في تيسير الزيارة لمن ينطبق عليهم معايير وشروط الخصوصية والاستثناء.

4) مطلب الزيارة في أيام الراحة الأسبوعية والأعياد الوطنية والدينية مطلب تؤطره قواعد الاستثناء مراعاة لظروف بعض العائلات دون إغفال طبيعة العمل الإداري وسيره العادي وظروف الموظفين العاملين بهذه الإدارة.

ومن قواعد هذا الاستثناء اشتراط شهادة العمل التي تثبت تعذر الزيارة على عائلة السجين في أيام العمل الإداري، وكذا الإدلاء بما يثبت بعد المسافة التي تقطعها لزيارة قريبها. وبهذين الشرطين نكون أمام مطلب معقول ووجيه وبأقل التكاليف والاختلالات في قواعد العمل الإداري السجني، كما أنه لا يكلف ميزانية الإدارة المنهوكة شيئا.

إلا أن الإدارة السجنية لها موقف خاص تدعي أنه يستند إلى مبررات وجيهة.؟

فمن مبررات رفضها لهذا المطلب الإنساني نجد الغث والسمين.

1) وفي مقدمتها عدم سماح القانون الإداري المنظم لسير المؤسسة السجنية بذلك، إذ يجعل من يومي السبت والأحد وأيام الأعياد الوطنية والدينية أيام راحة عن العمل. والحقيقة أن هذا المستند واه ولا يجوز التحجج به لأن القانون 98/23 المنظم لسير المؤسسات السجنية ومرسومه التطبيقي لا ينصان صراحة على ذلك، وإنما جرى العرف به وترك الأمر لاجتهاد الإدارات المحلية. فعلى سبيل المثال نجد أن في بعض المؤسسات السجنية، كسجن القنيطرة المركزي، ظل العمل باجتهاد خاص وعرف قديم ومغاير لما عليه الأمر في أغلب السجون لمدة طويلة يقضي بفتح الأبواب في وجه الزوار في الأعياد الدينية والوطنية وتجنيد طاقم من الموظفين لهذا العمل الجليل الذي لقي استحسانا كبيرا في نفوس السجناء والزوار وحتى الموظفين لإحساسهم بأداء عمل تطوعي خيري نبيل، تخفيفا عن السجناء وعائلاتهم شيئا من معاناتهم في مثل هذه المناسبات.

2) أما قلة الموظفين التي تتحجج بها الإدارة السجنية فإنه وإن كانت محقة في ذلك إلا أن هذا المطلب، بما هو استثناء، لا يتطلب عددا كبيرا من الموظفين لقلة الحالات الاستثنائية التي تخضع للشروط المطلوبة في الإذن بالزيارة يومي السبت والأخذ. ومع أن الزيارة أيام الأعياد تتطلب تجنيد طاقم من الموظفين للسهر على تنظيم الزوار والسجناء وضمان السير العادي لذلك، إلا أن هذه الأيام تعد على رؤوس الأصابع على مدار السنة، ويشفع لمثل هذه التضحيات، على حساب راحة بعض الموظفين، جلالة العمل ونبله وآثاره الإيجابية العظيمة. وتجربة السجن المركزي تبقى شاهدة على ذلك، ومثال يحتذى في هذا المضمار.

ثم إن قلة الموظفين لا ينبغي أن تحول أمام هذا العمل الجليل أو أمام تنفيذ شعارات بارقة ترفعها الإدارة وتحمل مسؤوليتها على كاهلها. ومما يبعث على الاستغراب أن تصر الإدارة المحلية بسجن بوركايز بفاس مثلا، على حضور كافة الموظفين في مثل هذه المناسبات بدون سبب وجيه، ليبقوا في عطالة عن العمل طوال اليوم. ألا يجدر بهؤلاء أن يؤدوا عملا إنسانيا جليلا بدل الجلوس على طوابير اللغو وتبديد الوقت؟

3) أما مبرر المساواة بين السجناء الذي ما فتئت الإدارة تشهره في وجه كل دعوة إلى مراعاة الاستثناء فإنه ليس سوى محاولة يائسة للهروب إلى الأمام؛ إذ أن المساواة قاعدة ولكل قاعدة استثناء. ومراعاة الاستثناء القائم على أسس اجتماعية وإنسانية من الأمور المحمودة عقلا وشرعا وحقوقيا. فلا مجال للتخفي وراء ستار المساواة لحرمان عائلات كثيرة من حقها الإنساني في زيارة أقاربها، وحرمان السجناء من معانقة الأهل والأحباب في مثل هاته المناسبات، لأن هذا المبرر حق أريد به باطل.

فتاريخ العمل الإداري السجني ملطخ بالقساوة والعنف وسلوك الإدارة السجنية موسوم باللاإنسانية، فهل يفيء المعنيون إلى رشدهم ويضفوا شيئا من الرحمة والأمل على هذا العالم البئيس؟ وهل من سبيل إلى أنسنته أم هو مجرد حلم يتطلع إليه الشرفاء؟

حرر يومه الأربعاء 22/12/2004 بالسجن المحلي بوركايز بفاس. (أحد معتقلي العدل والإحسان)