رغم مرور ما يزيد عن ربع قرن من الحضور المتميز لجماعة العدل والإحسان بجميع مؤسساتها ورموزها. إلا أننا ما زلنا نجد أن هناك عدم استيعاب وسوء فهم لتصور الجماعة ومشروعها المجتمعي الذي تمثله مدرسة السلوك المنهاجي للأستاذ عبد السلام ياسين رغم وجود ما يقارب ثلاثين مؤلفا والعديد من المطبوعات التي تبسط تصور الجماعة.

إلا أن ما كتب حولها لم يرق إلى المستوى المطلوب كما أنه لم يستطع أن ينفذ إلى كنهها ويستوعب ما تدعو إليه، ويظهر ذلك جليا كلما كان هناك حدث تكون الجماعة طرفا فيه أو داعية إليه على غرار مسيرة التضامن مع العراق وفلسطين وقبل ذلك المبادرات التي دعت إليها كالميثاق الإسلامي أو النزول إلى البحر.

حيث إنه لحد الآن ونظرا لعقلية التصنيف التي تحكمت في العقول، هناك من يصنف الجماعة على أنها زاوية أو حركة طرقية خاصة أن الأستاذ عبد السلام ياسين كانت له تجربة مع الزاوية “البوتشيشية” لكنها لم تستمر بسبب ما أصبحت عليه الزاوية وكذلك لأن ما تدعو له لا يمثل إلا شطرا من الدين ألا وهو التزكية الروحية  الإحسان- بينما الشطر الثاني والذي لا يقل أهمية ألا وهو العدل، يقول الله عز وجل: “إن الله يأمر بالعدل والإحسان”، كان غائبا ولا زال. فلا يمكن أن يكون هناك خلاص فردي إلا في ظل الخلاص الجماعي.

من هذا المنطلق جاء الشعار الذي تحمله الجماعة ألا وهو “العدل والإحسان” الذي تم رفعه ليس من باب التميز عن باقي الحركات والتنظيمات وإنما لاختزاله المشروع المجتمعي الذي تبشر به الجماعة المتمثل في الإحسان الذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك”، والعدل هو قسمة التضحيات وقسمة الثروات. هذا الشعار المشروع يمثل المنهاج النبوي. فرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نشر رسالة العدل إلى الأمم والدعوة إلى الله قام بتربية الصحابة تربية إحسانية تعظم الغيب وتصدق موعود الله بالتمكين.

إلى جانب نعت الجماعة بأنها زاوية. هناك من يصنفها بأنها حركة سياسية هدفها مزاحمة ما هو موجود على الساحة على المناصب والكراسي. إن هذا التصنيف والخلط بين أصحاب الرأي الأول وأصحاب الرأي الثاني وما تكرس في العقول بأنه لا يمكن الجمع بين الجانب العدلي والجانب الإحساني لم يكن حكرا على المتأثرين بالحضارة الغربية من “المغربين” بل حتى المحسوبين على الصف الإسلامي الذين يعيشون تحت وطأة الانكسار التاريخي الذي عرفته الأمة وتحول نظام الحكم من نبوة ثم خلافة ثم ملك عاض وملك جبري وتشتت السنة بين العلماء والفقهاء كل أخذ ما مكنه منه نقله وعقله وإرادته.

وقد تجلى هذا الخلط وسوء الفهم في الماضي من خلال التعاطي مع رسالة “الإسلام أو الطوفان” التي بعث بها الأستاذ عبد السلام ياسين إلى الملك الراحل ثم بعد ذلك رسالة “إلى من يهمه الأمر” التي كانت نصيحة من رجل لا يعرف المجاملة ولا المداهنة يقول فيها بصوت مرتفع لمن يهمه الأمر من هنا الطريق. إلا أن ردود الفعل السلبية وغير المفهومة من الأجهزة الرسمية والحزبية في الوقت التي احتضنتها فئة واسعة من المغاربة. وما كتب حولها والذي فاق عدد أوراق الرسالة لم يكن في المستوى المطلوب بحيث اقتصرت على شكلها وعلى قوة خطابها دون أن تناقش ما كان مطروحا من أفكار وقضايا، وصلت بالبعض إلى حد تخوينه وتكفيره في تقارب استثنائي بين اليمين واليسار في سابقة تاريخية مما فوت على المغاربة كسب سنوات من التنمية والاستقرار والفرص الضائعة. فمع مرور ما يقارب من خمس سنوات على طرحها بدأنا نسمع بعض الأصوات من هنا وهناك تردد ما جاء في الرسالة وإن كان ذلك على استحياء.

ينضاف إلى هذا التعاطي المغلوط مع الجماعة إسقاط نفس المعايير والقوالب التي تقاس بها باقي الأحزاب والتنظيمات والمتمثلة في المشاركة في الانتخابات ودخول البرلمان وإصدار البيانات واعتبارها المحدد الوحيد لمدى الفعالية والجماهيرية … إن جماعة “العدل والإحسان” جماعة تحمل مشروعا تجديديا يرمي إلى بناء ما انفرط من عقد الأمة مباشرة بعد الانكسار التاريخي وبذلك فإن إصلاح ما خلفته قرون من العض والجبر يحتاج إلى قدر من التؤدة والتروي وليس الكمون أو الانزواء كما يدعي البعض وهو ما يكذبه الواقع على اعتبار أن الجماعة هي الأكثر حضورا ومبادرة على غرار فكرة الميثاق على أرضية الإسلام والموائد الحوارية والمسيرات التي دعت لها وشاركت فيها. فالجماعة ليست رهينة الأحداث والمستجدات التي تتحكم في باقي المكونات وذلك لوجود منهاج يضبط حركيتها ويؤطر فعلها على عكس ما هو موجود على الساحة حيث تجد اضطرابا في مواقفهم وخضوعا لسلطة المخزن.