تقديم

تتعرض أمتنا الإسلامية اليوم لتكالب قوى الاستكبار المحلي والعالمي، بغية الإبقاء على واقع الضعف والتبعية من جهة، والإجهاز على ما تبقى من حصون الهوية والمقاومة من جهة أخرى.

وإذا كان الشباب يشكل السواد الأعظم لهذه الأمة  وهو المقصود أساسا من هذه الهجمات- فإن مسؤوليته عظيمة واندماجه ضروري في عملية التغيير وإعادة البناء.

لذلك سأسعى من خلال هذه السطور، أن أقف عند الشباب (ماهية وأهمية)، والتغيير (مناهجا)، مع إبراز أهمية الشباب في عملية التغيير (مسؤولية).

الشباب: الماهية والأهمية

تختلف الأسس التي تعتمدها الحقول المعرفية والعلمية في تحديد فئة الشباب، من هم؟ وهل ترتبط هذه المرحلة بفترة عمرية محددة؟ فالمقاربة البيولوجية تحدد فئة الشباب اعتمادا على مقياس النمو البيولوجي والعضلي والعظمي (25 سنة) والعصبي (20 سنة)، وكل ما يرتبط بنمو الجسم، وبالتحديد تعتبر فترة البلوغ بداية لهذه المرحلة (1).

أما المقاربة السوسيولوجية، فهي تجنح إلى استخراج الخصائص المشتركة بين فئات الشباب، وهي إجمالا القوة والنشاط والذكاء والرفض والاحتجاج.

وإذا كانت الحدود بين الأعمار والشرائح العمرية حدود غير دقيقة، فإن خصائص ومقومات الشباب تبقى معيارا صالحا لتحديد هذه الفئة، حتى تتضح مهامها في النهوض بأعباء التغيير. هذا مع الإشارة إلى أن الشباب لا يرتبط بالجسد فقط بل بالروح والعقل، فكم من شيخ شاب مفعم بالحيوية والأمل والحياة، نستمد منه نور القلب وحكمة العقل.

وقد ربط قرآن ربنا وسنة نبينا الشباب بمعاني الفتوة والخدمة والبذل والعبودية، “إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى” (2).

ولا يخفى على أحد القيمة الكبرى والمكانة العظمي التي يحتلها الشباب في حياة الشعوب والمجتمعات، فهو قلبها النابض وعقلها المفكر وساعدها المنفذ، بل إن الأمة التي تعدم هذه الفئة لا مستقبل لها.

ولعلنا جميعا نستحضر الحركة الفرنسية التي قادها الطلاب عام 1968، حيث أدت إلى إسقاط ديكول، وكذا الحركة الشبابية التي قوضت حكومة إبراهيم عبود العسكرية في السودان سنة 1964، الشيء الذي يبرز قدرة الشباب في إحداث التغيير الاجتماعي والسياسي.

هذا وقد أحاط ديننا الحنيف الشباب بعناية خاصة، وأعطاهم دورا محوريا في حياة الأمة، ولعل أسماءا كعبد الله بن عباس وعلي بن أبي طالب وأمنا عائشة وصورا كقيادة الصحابي الشاب أسامة بن زيد لجيش المسلمين على عهد أبي بكر الصديق، تبرز هذه القيمة والأهمية، وتحملنا معشر الشباب مسؤولية المساهمة في إعادة الأمور إلى وضعها الطبيعي.

مناهج التغيير:

يقتضي الحديث عن دور الشباب في التغيير، تحديد التغيير المقصود والمنشود، فكم من شاب صادق النية يتحرق على هذا الواقع المأزوم ويسعى للتغيير، إلا أنه لا يدري من أين يبدأ؟ ومع من يتعاون؟ وما هو المنهج والأسلوب والأفق؟ لذلك نتطرق باختصار لمناهج التغيير.

تتحدث كتب علم الاجتماع السياسي عن ثلاث مناهج، منهج محافظ وآخر إصلاحي وثالث يتبنى التغيير الجذري.

التنظيمات المحافظة تسعى إلى الإبقاء على الوضع القائم، وتدور في فلك الأنظمة الجبرية المستبدة وهي تقف ضدا في وجه كل تغيير، وهو ما يستدعي القفز عليها. أما الحركات الإصلاحية فهي تلك التي تقتنع بمشروعية الحكم، وترضى بالعمل في ظله ولا تسعى إلى إزالته، وتؤمن بصلاحية الوضع في مجمله؛ فقط هناك بعض الخلل والانحراف الذي يمكن تقويمه وتصحيحه من خلال إصلاحات دستورية أو سياسية أو قانونية …

أما فيما يتعلق بالتغيير الجذري فثمة ثلاث صور:

– التيارات الثورية الشيوعية التي أثبتت فشلها بسبب عنفها وتهجمها على دين الأمة.

– التنظيمات “التكفيرية” التي تعنف في أسلوبها وتخرج على الأمة بالتكفير، وهي الأخرى لا مستقبل لها لأن العنف لا يعمر.

– حركة التغيير الجذري العميق أو أسلوب القومة، وهو منهج أخذ يفرض نفسه ويثبت نجاعته. مضمون هذا الخط إعادة صياغة وبناء وتربية كل مكونات الحياة المجتمعية. تغيير قاصد وتجديد شامل موضوعه الإنسان والمجتمع والدولة، يؤسس الذات الإسلامية بالرحمة في غير ضعف والقوة في غير عنف، مدخله الأساس التربية الدائمة.

إن هذا المنهج لهو بحق، السبيل الأمثل لخوض عملية التغيير، فالشاب الذي ينخرط في أقرب الطرق إلى البناء يكون إسهامه وبناؤه أكثر قصدا وأعمق أثرا وأنفع لأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الشباب وعملية التغيير

نؤكد، ونحن بصدد الحديث عن مسؤولية الشباب في التغيير، أن تغيير واقع الأمة ينطلق من تغيير ذات الفرد، وتجديد دينها ينبعث من تجديد إيمانها، قال الله تعالى “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”(3).

إن قانون التغيير الإسلامي واضح، بحيث يعطي الأولوية للإنسان تربية وإعدادا، وبذلك ينطلق الشاب المؤمن في مجتمعه وبيئته إصلاحا ودعوة وتحريضا، كي تستفيق الأمة من كبوتها.

إن لدى الشباب قدرة إبداعية وطاقة خلاقة، بمقدورها أن تبعث الجدة والحيوية والنشاط ليسري في سائر أعضاء المجتمع. الشيء الذي يحملها المسؤولية الكبرى من جهة ويدعو كل الفاعلين والغيورين إلى الاعتناء بهذه الفئة وفتح المجال لها انخراطا وإسهاما من جهة ثانية.

لذلك نركز على ما يلي:

إن مسؤولية الشباب في التغيير مسؤولية ثابتة، تنطلق مما تتميز به هذه الشريحة من قدرات، فهي قوة اقتراحية في اتجاه التجديد، وقائد ميداني في ساحة التنفيذ، ومحرك اجتماعي يرفع الدعة والخمول، ورقيب فعال يدفع الزيغ والانحراف، وقلب حي تحيى به الأمة جمعاء.

ومن ثمة ينبغي لنا معشر الشباب أن نعي ببعض المفاتيح الأساسية لتحقيق الهدف:

– إدراك قيمة المعرفة والتحصيل العلمي بغية مواكبة التطور الهائل في سائر الميادين، ونؤكد هنا على مسألة التخصص.

– الانخراط في العمل التنظيمي، وشغل المكان المطلوب للإسهام باللبنة المناسبة في تشييد البناء المرصوص.

– القفز على الأنانية والذاتية، والخروج من الهامشية والانشغالات التافهة في الحياة، فالمهمة عظيمة والمسؤولية أعظم.

– الأساس التربوي والأخلاقي لكل حركة ونشاط، بربط المصير الجماعي بالمصير الفردي.

– التركيز على مكانة الشباب وأهميته، لا تلغي الاستفادة من باقي مكونات المجتمع، والتلمذة لذوي السابقة والحظ والغناء.

إن الحديث عن التغيير ومسؤولية الشباب فيه، دون الوقوف عند مداخله الصحيحة يبقى حديثا دون معنى، لذلك أشير إلى أن نظرية التغيير الإسلامية تركز على تكامل هذه المستويات:

– العقليات والمؤسسات.

– الفرد والمجتمع والدولة.

– الإنسان قلبا وعقلا وسلوكا.

الهوامش:

(1) د. المنجي الزيدي، مقدمات لسوسيولوجيا الشباب، مجلة عالم الفكر، العدد 3 المجلة 30.

(2) سورة الكهف، الآية 13.

(3) سورة الرعد، الآية 11.