هل الملكية المغربية نظام أبدي؟ سؤال كهذا يحمل جوابه في مبناه ومعناه. والجواب عن السؤال المطروح سيكون بالنفي طبعا، مادام الأمر ينطبق على كل المؤسسات ذات الطبيعة البشرية.

الملكية المغربية هي ثمرة توافق العديد من الفاعلين السياسيين، وتعكس نوعا من التوازن المريح بالنسبة للقوى الاجتماعية، لحد الآن.

لكن لماذا يطرح هذا السؤال اليوم؟ وما علاقة ذلك باستحقاقات سنة 2007؟ لنبدأ بالسؤال الثاني. إن اختيار سنة 2007 أملاه تنظيم الانتخابات التشريعية وتراجع عائدات الخوصصة بشكل ملموس، باعتبار هذا الموضوع من المواضيع أو الإشكالات التي تثير قلق المؤسسات المالية الدولية، ذلك أن ما يسمى بالتوازن الماكرو-اقتصادي المغربي ما هو إلا “حقيقة” وهمية كما يردد ذلك بصوت خافت أصحاب القرار أنفسهم. فالأوساط المالية الدولية، غير المنضبطة بإكراهات الدبلوماسية واللباقة، لا تتردد في تقديم تقييماتها بشكل صادم ومباشر للاقتصاد المغربي، حيث سبق لـ(Crédit Suisse First Boston)، وهو بنك ذو شهرة عالمية، أن أعد، في هذا الإطار، مذكرة أو دراسة ينتقد من خلالها السياسة المؤطرة لصياغة ميزانية المملكة وآثارها السلبية على الاستقرار المالي للمغرب مستقبلا.

البورجوازية القلقة

لكن لماذا يطرح هذا السؤال اليوم؟ الجواب عن هذا السؤال مرتبط بالجواب عن السؤال الثاني.؟ فتحديات المستقبل القريب تثير قلق البورجوازية، بالمعنى الماركسي للكلمة، وهي طبقة تمثل عماد النظام السياسي المغربي. فقد انكوى مالكو وسائل الإنتاج بلظى حملة التطهير، وأصبحوا يخشون جشع القائمين على تدبير ثروة الملك الشخصية، بل وأصبح الرعب يتملكهم بسبب التأخر في تفعيل إجراءات تأهيل الاقتصاد لمواجهة إعصار الانفتاح أمام السوق الأوربية، ويدركون جيدا أن المغرب عرف، بالإضافة إلى الطبيعة الاستثنائية أي غير المتجددة لعائدات الخوصصة التي تمثل رهان الخلاص للمالية المغربية، سنوات استثنائية على مستوى التساقطات المطرية أيضا، التي مكنت، على مدى السنوات الأولى من حكم محمد السادس، من تخفيف حدة الضغوط على المغاربة الأكثر فقرا، وإن كان الاقتصاد المغربي ظل متشبثا بشعاره الثابت: إذا حل الجفاف حلت الكارثة.

غيابات مثيرة

من المنتظر، في سياق تراكم عناصر الشك هذه، أن يرتد البعض نحو السلوك الشخصي لمن يمارس، من الناحية الدستورية، سلطة شخصية في تدبير شؤون الدولة. فقد سبق أن أثار سفر الملك لقضاء عطلة طويلة في جزر سان دومينغ الانتباه، ليتأخر بذلك عن حضور فعاليات منتدى المستقبل الذي نظم لأول مرة بالمغرب، والذي يحتفظ بأهميته رغم تباين التقييمات والمواقف بشأنه، كما حدث نفس الشيء بعد تغيب الملك عن مراسيم تشييع جنازتي ياسر عرفات والشيخ زايد بن سلطان، رغم ما لهذين الحدثين من أهمية على المستوى الدولي وتأثيرهما على الموقع الجيوستراتيجي للمغرب.

تثير تخوفات أوساط المال والأعمال إشكالا حقيقيا، يترجمه ضعف الاستثمارات الخاصة التي تشكل الحلقة الأساس في سيرورة التنمية الاقتصادية. فضعف الاستثمارات يعني ضعفا في نسبة النمو وانخفاضا في عدد مناصب الشغل، وبالتالي ارتفاع احتمالات عدم الاستقرار الاجتماعي. فقبل سنوات، كان النظام يمتلك وسيلة بسيطة تمكنه من تهدئة واحتواء غضب الجماهير، التي كان يطلق عليها الرصاص بكل بساطة. لقد حدث ذلك خلال انتفاضات سنوات 1965 و1981 و1984، حينما تدخل الجيش لقمعها وسط حمامات الدم، واتضحت أهمية الجهاز الأمني وتكرست. ولذلك، فإذا كان ضبط الحركات اليسارية وقمع انتفاضات الشرائح الاجتماعية التي أفقرتها سياسة المخزن، يستجيب لانتظارات البورجوازية الريعية المرتبطة بالنظام في السابق، فإنه لم يعد يقوم بنفس المهمة لفائدة بورجوازية أضحت مجبرة على التحول إلى بورجوازية مقاولاتية لتأمين شروط بقائها، ولأن الشروط التي كانت تسمح للنظام بممارسة هذا النوع من القمع دون تردد قد طالها التغيير هي أيضا.

لم يكن الحسن الثاني خلال الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي يمتلك عائدات النفط وريعه ليوظفهما بغاية تأجيل الاحتجاجات الشعبية كما يحدث عند الملكيات النفطية في الخليج. بل كان يتوفر، بدل ذلك، على ريع آخر من طبيعة مختلفة: الريع الجيوستراتيجي، أي انحيازه إلى المعسكر الأمريكي  الأوربي ضد الاتحاد السوفياتي، الذي مكنه من كسب عطف القوى الدولية الكبرى، قبل أن يغير انهيار جدار برلين كافة المعطيات. وجدير بالذكر، هنا، أن نشير إلى أن رجالات محمد السادس الأمنيين يحاولون إعادة الروح إلى هذا المعطى من خلال استبدال الخطر الشيوعي الأحمر بالخطر الإسلامي الأخضر.

الأمني الناقص

ساهمت انحرافات المحافظين الجدد في إدارة بوش والدروس المستخلصة من انهيار نظام الشاه في الدفع بمهندسي السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية إلى الوعي بأن عليهم الضغط على الدول الصديقة لضمان استقرار مجتمعاتها، وهو استقرار يمر بالضرورة عبر إحداث نظام يوفر شروط التنمية الاقتصادية، حتى وإن لم يكن ديمقراطية. وبدا واضحا أن التدبير الأمني الذي أصبح الأداة الوحيدة التي يتوفر عليها النظام السياسي داخل الولايات المتحدة الأمريكية لخوض “الحرب ضد الإرهاب” لم يعد كافيا.

يعد الفقر في المغرب ظاهرة قروية أكثر منها حضرية، والاختلالات التي نتجت يمكن التحكم فيها أو على الأقل يمكن قياسها وملاحظتها، كما أن التشتت الجغرافي الذي يطبع الوسط القروي يمثل عائقا طبيعيا يعرقل عمل المقاولين السياسيين الذين يتوخون الاستفادة من يأس الشباب. وتمكن نتائج تحليل الاتجاهات من قياس حدة التحدي في هذا الباب. فقد سجل آخر تقرير صدر للبنك الدولي في شهر شتنبر 2004 حول الفقر في المغرب، أن نسبة تزايد الساكنة الحضرية بلغت 4% سنويا، بسبب ظاهرة الهجرة القروية أساسا. وإذا كان انتحاريو سيدي مومن يعدون نتاجا مباشرا لظاهرة تصدير الفقر القروي نحو هامش المدن الكبيرة، فإن ممارسة التعذيب داخل معتقل تمارة لن تحل المشكل في ظل شروط كهاته.

وإلى جانب البورجوازية القلقة والمنتظم الدولي الذي يزداد اقتناعا بمحدودية أسلوب تدبير الحكم من طرف السلطة المغربية، أصبح الأمنيون يشعرون تدريجيا بالتوتر بسبب موقف الملك الغامض من رجالات والده، كما كشفت عن ذلك قضية القرض العقاري والسياحي.

ورغم أن رحيل إدريس البصري تم وفق تقاليد المخزن، فإننا ننسى اليوم أنه وشح عيشة الإعلان عن قرار إبعاده، وأن أسلوب الهواة الذي تم به تدبير قضية القرض العقاري والسياحي، واتهام رئيسه السابق مولاي زين الزاهدي ومتابعته من أجل ملفات وخروقات، لم يقم في الواقع إلا بتنفيذ تعليمات الملك الحالي حينما كان هذا الأخير وليا للعهد، كل ذلك سيساهم في إشاعة مناخ الغموض.

الهيئة المخيفة:

يؤكد ما يتعرض له إدريس البصري حاليا صحة الفكرة التي أصبحت تروج منذ مدة وسط أسمى الضباط، والتي تقول بأن النظام الجديد لا يحمي كل من يدنس يديه لفائدته. إنه سر مضحك في الواقع. فالأمنيون حائرون وغاضبون من الملك بسبب دعمه لعمل هيئة الإنصاف والمصالحة. هم حائرون لأنهم يجهلون النتائج التي سيسفر عنها في النهاية هذا المسار. وهم غاضبون، لأن الملك تصرف دون أن يقيس نتائج تصرفه. ولذلك، وجد الملك محمد السادس نفسه اليوم، على مستوى المشهد السياسي، مورطا بسبب رفضه لأي إصلاح دستوري. بالمقابل أصبح المجتمع المدني يمارس ضغوطاته بقوة حول هذا الموضوع بما في ذلك حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، مستبقا بذلك مجيء يسار جديد على رأسه ديمقراطيون يحظون بالمصداقية، وينوع من المزايدة بعد إعلانه عن أن المؤتمر المقبل للحزب سيقوم بمناقشة المسألة الدستورية.

في المعسكر الإسلامي، لاحظ المراقبون للمشهد السياسي المغربي أن استعراض القوة الذي مارسته جماعة العدل والإحسان، خلال المسيرة المناهضة لأمريكا، يؤكد أن تنظيم الشيخ عبد السلام ياسين هو أول قوة سياسية داخل البلاد. أما داخل حزب العدالة والتنمية، وعلى عكس ما دأبت عليه التحاليل العادية، فإن العناصر الأكثر انتقادا للملكية لم يتم لفظها خارج حزب يمارس لعبة الاندماج في النظام. فيما تستمر القيادة الاستقلالية التي فقدت بريقها والأحزاب المسماة يمينية في لعب دور “بني وي وي” إلى جانب النظام، والذين ستضعهم انتخابات نزيهة سنة 2007 حتما فوق رفوف التاريخ.

هل يعني كل هذا أن الملكية في خطر؟ ليس الأمر صحيحا بالنسبة للمؤسسة، رغم أن هناك ملامح لتوجهات وتقديرات ترى أن أسلوب حكامها الحاليين لا يمكن أن يستمر. وإذا كانت مصداقية من يمارسونها ستبدو ناقصة لإجراء التغيير معهم، فإن إمكانية تفاوض مختلف الفاعلين السياسيين حول توازن جديد تبقى غير مستبعدة. وإذا أصبح ذلك أمرا حتميا، فإنه سيكون خسارة كبرى.

إن المهم هو أن يأخذ المغرب طريقه بملكية واعية بضرورة إقرار الديمقراطية أكثر من انشغالها بعالم الأعمال وبصورتها الخاصة، حيث كان الرأسمال السياسي الذي يمتلكه الملك محمد السادس في بداية حكمه رصيدا حقيقيا، قبل أن يضيع للأسف بسبب طريقة تدبير مزاجية ومرتبكة للشأن العام.

لقد دفع محمد السادس أحيانا، وللأسف مرات قليلة، إلى تصور ما يمكن أن يكون عليه أسلوب حكمه في حالة ما إذا كان هذا الأخير مسنودا برؤية مستقبلية واضحة وحقيقية، علما أن اعتلاءه للعرش كان بمثابة وعد كانت البلاد في أمس الحاجة إليه.

آمال مخيبة

بعد خمس سنوات لم ينفذ الوعد وبدأت الغيوم تزحف على الأفق المغربي. والاعتقاد بأن الملكية نظام أبدي هو خطأ قاتل بالنسبة للملكية نفسها. كما أن الاهتمام الذي تحظى به أفعال الملك ومبادراته يعد مؤشرا دالا على حالة قلق جد متقدمة. فهل الملكية قادرة لوحدها على ضمان انتقال ديمقراطي هادئ أو سلمي؟ إنه سؤال مركزي اليوم. والجواب الذي سيقدمه الفاعلون السياسيون والاجتماعيون عن هذا السؤال سيحدد مصير الملكية، وربما سيساهم ذلك في الدفع بالملكية إلى الوعي بالدور التاريخي الذي كان عليها أن تلعبه وأن تستغله. فقد ظل هذا الأمل قائما وحاضرا طيلة خمس سنوات كاملة وسيستمر كذلك لفترة معينة، وإن كان الاتجاه يسير بجدية نحو الانحدار.

الإصلاح المستعجل

يؤكد هذا المسار ضرورة القيام بإصلاحات دستورية مستعجلة، لأن مستقبل المغاربة لا يمكن أن يظل رهينة قلة من الأفراد لا تطالهم رقابة أحد. كما أن الوقت قد حان لكي يتحلق الديمقراطيون حول طاولة النقاش لتطارح مسألة بناء مغرب جديد، يصبح معنى السلطة داخله هو تحمل المسؤولية أمام المواطنين. إنه لدليل على شيخوخة جد متقدمة أن تصبح أمة ما مجبرة على تفحص حركات وأفعال فرد واحد.