روى الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وقال وسلم قال: “إن الله عز وجل يغار، وغيرته أن يأتي المؤمن ما حرم الله”. قال المؤمن، ولم يقل المسلم. فالمؤمن بإتيانه ما حرم الله جحد نعمة الإيمان فاستحق أن يغار الله من سلوكه.

رحمة الله واسعة للمؤمن والمسلم، إن فعلا فاحشة وسوءا بجهالة ثم تابا وأصلحا. بل يرقى المؤمن إلى درجة التقوى إن ذكره ذنبه بربه، فتاب وأناب. قال الله الغفور الودود: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم، ومن يغفر الذنوب إلا الله. ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون). (سورة آل عمران، الآية: 135).

الهفوة والفلتة إن أعقبت ندامة وتوبة تذكير من الله، يخلف للعبد منة من مننه سبحانه، وهي المغفرة. لكن الإصرار والجرأة على الله مما يطرد العبد من باب الله. نعوذ بالله.هذا في حق الذمم الفردية. ويستعان على حفظ حدود الله بالوعظ والتذكير والتخويف من عذاب الله وغضبه. ويرقى المؤمن في معاني علاقته مع الله عز وجل، بل الله يرقيه، إلى أن يصبح الحياء من الله هو وازعه، والحفاظ أن يلقى الله وثوبه ملوث حافزه لأن يتورع ويصلح.

أما في حق الأمة، فإقامة حدود الله تعني الانتقال من حالة الفتنة والحكم الطاغوتي إلى حالة المجتمع الإسلامي الخاضع لجلال الله وأحكامه. وهي نقلة بعيدة عسير إقلاعها وانطلاقها وسيرها. فالقوانين الوضعية هي أساس الحكم تحت السلطان الجبري، ويصحبها تحكيم نزوات الحكام، وآراء من لا يعترفون لله عز وجل بربوبية، وتقنين يرعى مصالح طبقة مترفة ومصالح مواليها من الكفار.

تركوا لأحكام الدين بقعة متقلصة سموها “الأحوال الشخصية” وسط قارات القانون التجاري والجنائي والاقتصادي والإداري والاجتماعي. وبقي في الشعب شعور ما بالاحترام لأحكام الله في العلاقات الشخصية من زواج وطلاق وميراث، مع كثير من العادات والأعراف وفساد الزور والرشوة. كل ذلك مختلط كما يليق بالإهمال الذي أهملوا الدين والتربية وتقويم الانحراف وقمع الجناة. أما خارج نطاق “الأحوال الشخصية”. فقد ألفت الناس الانحلال والتحرر الأخلاقي من كل وازع غير الخوف من عقاب الإدارة، وهو عقاب يتفاداه من يدفع ويتشفع.

قضت على روح الأمة تشريعات الرأسمالية والاشتراكية وتوجيهاتهما. وعلى الدولة الإسلامية أن تعيد إلى الأمة صرامة التشريع والتوجيه الإسلاميين. حدود الله التي خرقوها وطرحوها أرضا يجب أن تقام سدا في وجه الفساد، وإطارا لعملية إحياء الأمة في جميع مرافقها.

لكي يبارك الله عمل المؤمنين، يجب أن تعني حدود الله في الحياة العامة العدل في القضاء وفي القسمة. لا خمر ولا زنا ولا قمار، هذا نعم الشعار! لكن كيف السبيل إلى ذلك مع البطالة، وسوء التربية، وفشو الخلاعة، بما ترسب من دعايات، ونماذج الشر، وعادات الجاهلية؟ لا ربا ولا ظلم ولا احتكار، نعم الشعار! لكن كيف السبيل والنظامان السائدان فينا وفي العالم قائمان على كل ذلك؟

لن يرتفع واقع الحكم بغير ما أنزل الله بمجرد إعلاننا أن هذا وهذا حرام، ولن يعافى مريضنا من أدوائه بوصف الحلال الطيب الشافي. إذا أردنا أن ننتقل من مرض الرأسمالية والشيوعية والجاهلية المركب إلى عافية الإسلام دون القضاء على البنية الضعيفة لمجتمعاتنا واقتصادنا، ودون التمادي في حمأة الفتنة، ودون القفز الحماسي العشوائي يلزم:

1- الاجتهاد: لتغيير بنى المجتمع كله ونقله من سلطان القانون الوضعي إلى سلطان الشريعة الغراء. اجتهاد مخطط، مبرمج، جماعي، يغطي حاجات التقنين، أي صياغة أحكام الشرع صياغة قابلة للتطبيق العيني، ويغطي حاجات التنظيم، أي تحكيم الشريعة المقننة في جزئيات الواقع وفروعه. ولا يكفي ولا يفيد أن يجتهد الفقيه المطلع على الأحكام، العارف بأصول الشريعة، بل لا بد أن يشرك في اجتهاده رجل الاقتصاد الذي يحدد الأهداف، ويعرف بضرورات العصر، وصرامة المنافسة الاقتصادية في العالم، والأحجام، والآليات الأساسية المطلوبة للإنتاج، وحاجة الأمة للمال، ومصادر التمويل المتاحة، واضطرار الأمة للاقتراض من الخارج، وشروط توفير الأموال واستثمارها. ولا بد أن يشرك معه رجل الدعوة، إن لم تجتمع في الدعاة أنفسهم كفاءات الفقه وشروط الاجتهاد، ليذكره بأهداف العدل، وقسمة المال، ومحاربة الطبقية. ولا بد أن يشرك معه رجل الإدارة والحكم ليطلعه على الواقع، وعلى إمكانيات التطبيق، وفراغات التشريع التي يدخل منها التزوير، والخيانة، والسرقة، وعلى دروس التجربة، وتقنيات الصياغة، والتخصيص والضبط.

اجتهاد جماعي هادف، يأخذ بعين الاعتبار مقاصد الشريعة، وعلة التشريع الإلهي النبوي، وضرورات العصر وإمكانياته. والعجلة أثناء ذلك تدور بسرعة، والضرورات تلح من كل جانب. فهذا باب عظيم من جهاد التغيير.

2- التدرج: ويأخذ هذا الجهاد سنوات وسنوات. كيف يمكن أن تتحول الأوضاع المتراكبة المتداخلة من فتنة لإسلام والباطل ضارب أطنابه في قوعد المجتمع، ضارب جذوره في النفوس، والمعاملات، والمصالح، والعلاقات، والأذهان، والعادات؟

لا يمكن إيقاف العجلة ريثما يعاد ترتيب الآلة الاجتماعية الاقتصادية الإدارية والنظام القانوني في دولة ما جزء لا يتجزأ من نظامها الكلي. فلا بد إذا من وضع سلم أسبقيات، وتفريع القوانين الشرعية من أصول شرعية هي اليوم في ضمائرنا مطلب ملح، ويجب أن يمكن لها في أرض الواقع لتحتل المراكز غدا، بعد معركة الزحف، وخلال صراع الحق الهاجم مع فلول الباطل الذي لن يجلو عن مواقعه بيسر.

تدرج من الأصول للفروع، ومن الأهم للمهم. تدرج في الزمان، وتوقيت، وأسبقيات، وضرورات تطرأ. وتشبه عملية التحول والتغيير القانونية كل عمليات التحويل الإسلامي في أنها لا تتم في الفراغ والهدوء، بل تشق طريقها، وتفرض نفسها، وسط غمار عام من العواطف المتأججة الناصرة والمعارضة، ومن الآراء المختلفة أو المتآلفة، ومن المصالح المرجوة والمهددة. لا تزعم لي أن إرادتك وفي يدك السيف ستنفذ، إذا كان تنفيذها متوقفا على إرادة شعب طالما ركد، وإرادة إدارة طالما فسدت، وإرادة عدو يملك أن يجوعك ويملي عليك شروطه لطول ما مكنه حكام الجبر من مقوماتنا، وألقو إليه بزمامنا.

لا أغبى ولا أكذب ولا أكثر تعرضا أن يخذله قدر الله عز وجل من حكام ورثوا ميراثا فاسدا ثقيلا عميقا، فوعدوا الشعب بالنعيم والاستقرار والقوة بمجرد أن يتولوا الحكم ويغيروا القوانين. يعدون حصادا وفيرا بلا حرث.

وما ينبغي لحزب الله أن يجاري الأحزاب السياسية في عادتها التهريجية، عادة نبذ الوعود الخلابة (الخلابة بكسر الخاء حرام في الإسلام وهي الغش والتدليس والغبن)، ورفع الشعارات المدوية. إنما نصدق الأمة ونخبرها بصدق أن ثمن إقامة الإسلام صبر طويل، وعمل دائب، ومشاركة في الهم، وضم الصفوف، وربط البطون، والانفطام المرير عن الأنانيات والذهنيات والعادات. لن نخدر الأمة إن شاء الله بالخطب الغوغائية، بل نوجه إليها نداء الجهاد ونندبها إلى ساحة البذل والصبر.

لا نقصد بالتدرج الذي يهون في عينك المهمات، ويدحرجك شيئا فشيئا إلى النعاس والإهمال، وقبول الفشل، والاعتراف بالعجز. نقصد تدرج الجهاد اليقظ الدائم المهتم.

3- إعداد الإطار القضائي والإداري والسلطوي اللازم لتطبيق الشريعة القادر على ذلك بنظامه، المؤهل له بنوعية رجاله، إيمانا وغيرة على محارم الله، وإيثارا لما عند الله، ومنعة أمام المغريات وما ألفه الناس إبان الفتنة من تدخلات ومحسوبيات وشفاعات.

التركة المخلفة تركة إفلاس مهما كان النظام السابق للحكم الإسلامي، رأسماليا جبريا كنظام الشاه أو جبريا رأسماليا اشتراكيا يمينيا يساريا (من يمين الجاهلية ويسارها) كبعض ما تراه من هذه الأنظمة المتعاقبة علينا.

يلزمنا رجال مؤمنون لتصفية الإفلاس الاجتماعي الاقتصادي الخلقي العام. ويلزمنا أنظمة قضائية وإدارية وسلطوية لا تكون مرصودة لإصلاح حال المستكبرين، ولا شرطة لقمع المسلمين، ولا مكتبية تضيع في مساربها قضية العدل النافذ.

4- رد المظالم: المرحلة الأولى في التصفية هي مرحلة رد المظالم. فلا يجوز شرعا ولا يصح سياسة واقتصادا أن ينسى ما اقترفه المجرمون ونهبه اللصوص. كما لا يتناسب مع رفق الإسلام ورحمة الإيمان أن يفتتح الحكم الإسلامي بحمامات دم، فالإسلام يجب ما قبله من جاهلية جبا تاما. ونقيس قياس علة جزئيا فنقول: إن التجديد يجب ما قبله من فتنة إلا ما كان من مظالم يمكن ردها لأصحابها. فلو ألغينا هذا القياس، واعتمدنا أن الناس كانوا مسلمين حين سلبت الأعراض، وانتهكت الحرمات، وانتهبت الأموال، وضيعت الحقوق، وأن تعطيلهم لحكم الله مسؤولية عامة، لوجب أن نستغرق عشرات السنين في نبش الفتنة، ولفتحنا بابا لا ينسد من المحن العامة، لأن المجتمع كله كان منغمسا في الفساد.

أجرى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه عملية سماها التاريخ ردا للمظالم. وكانت عبارة عن رد ما اغتصب من أموال في عهد الملكية العاضة قبله. ولعله ما يحسن بنا أن نطمح لأكثر من ذلك ولا أن نرضى بأقل منه. وكما بدأ الإمام عمر بن عبد العزيز بنفسه وأهله، يجب أن تكون حالة جند الله المالية والسلوكية شفافة في عين الشعب. كيف لا وقد قتل الظلمة قبلنا الثقة لطول ما كذبوا! ~

5- أجهزة إسلامية: يجب أن يوكل أمر تنفيذ شرع الله إلى أجهزة تختلف بنية وأسلوبا عن الأجهزة الموروثة. فمن ناحية البنية يقسم القضاء إلى:

أ- المظالم: وهو نظام إسلامي يعطي لقاضي المظالم صلاحيات واسعة في الفصل في القضايا المترتبة عن الخصومات بين عامة الشعب وأجهزة الحكم والإدارة، والنظر في الحق العام، والتقنين، ومراقبة الحكام. صلاحيات واسعة، وتنفيذ سريع كما هو الشأن في القضاء الإسلامي بأنواعه، وهو قضاء لا يعتمد على المسطرة التي يعتبرها القضاء الوضعي ضمانة كافية للإنصاف، بقدر ما يعتمد على ذمة القاضي والمتخاصمين. قضاء المظالم هذا يعم مجالات القضاء الإداري، والنيابة العامة، والغرفة الدستوررية، كما يعرف ذلك اصطلاح العصر. إن إعادة هيكلة القضاء الإسلامي مهمة إدارية تغير وجه التنظيم، وإن تخصيص صنف الرجال المؤمنين الصالحين مهمة تربوية تعطي الهياكل الإسلامية مضمونا إسلاميا، وما يمكن تطبيق الشريعة الإسلامية والنظام على ما هو عليه تحت الفتنة، ولا برجال تصورهم للإسلام والتزامهم بحكم الله وصدقهم مع الله على مستوى ما نعهده في عموم موظفي الفتنة.

ب-الحسبة: وهي نظام إسلامي للقضاء السريع، من شأنه تقويم الأحوال قبل أن تعوج، وضرب الحديد قبل أن يبرد. صلاحية الحسبة مراقبة السلوك العام، بما في ذلك المساجد والمدارس والشارع. ومراقبة الأسواق والمعاملات. إنها صلاحيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما أمر الله. فالحسبة هي صلب هذا الواجب الديني، يساعدها على القيام به الشعب بكامله. يقابل نظام الحسبة جزئيا في أنظمة العصر نظام الشرطة القضائية، وشرطة الأخلاق، والشرطة الأمنية، والاقتصادية، ومحاكم محاربة الرشوة. صلاحيات الحسبة ضبط المخالفات، وإصدار الأحكام، وتنفيذها الآني. إنها صلاحيات يمكن أن تفتح باب الإرهاب السلطوي إن كان القائمون عليها ممن لا يعيشون في أعماقهم حقائق الإيمان. فلا توكل إلا للأقوياء الأمناء ممن لا يطغيه السلطان.

ج- القضاء العام: من تجاري وجنائي وغيره. فالقضاء الإسلامي في خصومات الناس، وجناياتهم، وأنكحتهم، وطلاقهم، لم يكن يعرف تخصيص قاض لهذا الصنف من الخصومات وآخر لغيره. ويمكن التخصيص إذ لا مانع شرعيا منه. لكن مسطرة استئناف الأحكام، وإجراء المداولات، والمرافعات، وكيفية الاستعانة بوسائل الإثبات غير الشرعية، وبالمحامين، ونتائج المختبرات، أمور طارئة علينا يجب النظر فيها. فالأساس النبوي للمرافعات “أن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر”. تعطى هذه القاعدة للتحري الظاهر، والإثبات المنطقي، حقهما. وتترك لذمة المؤمن، وخوفه من الله ومن عقاب الآخرة، الشطر الآخر من القضية. وهذا لا يعرفه القضاء الوضعي المؤسس كبقية أنظمة الجاهلية على الفلسفة المادية التي لا تحسب إلا حساب المنطق الصوري، والمنفعة الدنيوية، وتنكر الآخرة. وكل القانون الوضعي ومسطرته مبنيان على ذلك.

6- إيقاظ الشعب: وتربيته ليشارك في تنفيذ الشريعة. فمهما كان قاضي المظالم نزيها شجاعا في الحق، لا يمكنه إنصاف المظلوم إن بقي موقف المظلومين موقف الرعية المستخذية، لا تشكو، ولا تجسر على الشكوى، ولا تضغط من كل الجوانب، ولا تهب هبة المسؤولية في وجه الظلم. والحسبة بدون المشاركة العامة مراقبة سطحية معزولة عن خبايا الأمور. والقضاء العام القائم على عدالة الشاهد واعتراف الناس بالحقوق وإسراعهم لنجدة المظلوم يبقى في هواء الظن ودورية الأوراق بدون تلك المشاركة.

ليكون قضاؤنا حيا ينبغي أن تنضج في النفوس معاني الإيمان، وتنبثق فيها حياة الإيمان. وليكون عدل القاضي الإسلامي راحة من الظلم المألوف، يجب أن يعرف كل ذي حق حقه، ويحرص عليه، ويعينه الرأي العام على طلبه واستخلاصه. في بيئة خامدة لا يفيد تحريك ظواهر الأشياء. وفي مجتمع طالما قبل استعلاء المستكبر، ولصوصية الحاكم، وغش التعامل، والزور والرشوة، لا يفيد القانون الشرعي، والنظام الإسلامي، والقاضي الفقيه العدل، حتى تسري في كل طبقات الأمة روح جديدة، وإرادة جديدة، وذهنية جديدة، وموقف سياسي وعملي تجاه المسؤوليات العامة والخاصة.

7- التميز عن الجاهلية والاعتزاز بشرع الله. الحملة على الإسلام بوصفه تعصبا وتواكلا وعنفا مزمنة. وكلما نبض في الإسلام نابض، كهذه القومة المباركة إن شاء الله في إيران، استعرت الحملة، ونعت الإسلام الذي يقطع يد السارق ويرجم الزاني بالوحشية. وإنه ليربطنا بالواقع الدولي روابط قانونية عالمية في حقل حقوق الإنسان، والشرطة الدولية، والتجارة، والتعاون، والسياسة، والتمويل، والاقتصاد، وما إلى ذلك. أكثر من في الأرض يحكمون بقوانين وضعية، ويحكمون المنطق الأرضي في فهم شريعة الإسلام، ثم لا يكتفون بالنقد بل يضغطون بكل وسائلهم، وهي كثيرة فعالة، ليسود نموذجهم وقانونهم. وعلينا ألا نخشى الناس في الله، وألا نتنازل عن قلامة ظفر من شرع الله تحت الإرهاب الحسي والمعنوي الموجه للإسلام، وعندما تتحرر أقطار الإسلام، وتقيم شرع الله داخلها، يجب أن تجاهد في المحافل الدولية، والمفاوضات، وبكل الوسائل، ليسود شرع الله على شرائع الناس.

نعم، الحق الذي أنزل على محمد صلى الله عليه سلم هو قطع يد السارق، وجلد الشارب والزاني، ورجم الزاني والزانية المحصنين، وكل ما أوحى الله عز وجل به إلى نبيه من الأحكام. وقضاؤنا قضاء أصيل له أصوله وطرق تنفيذه. وهو قضاء صارم وسريع لا يقبل تباطؤ المسطرة النابليونية. قضاء متميز، لا يعتمد لحن المحامي بحجة، بل ينهى عنه. ولا يقبل الشفاعة في حدود الله كما يقبل قانونهم نقض الأحكام وإبطال رئيس الدولة لها. قضاء يضمن الحرية الفردية، دون أن يمس بحق الجماعة. يضمن الأمن المعاشي والسياسي والتعليمي والصحي والسكنى بقوة السلطان. يضمن التقدم الاجتماعي والتعاملي ويقر العدل بين الناس بشموليته (مظالم+ حسبة+ قضاء عام) كما يضمنها ويقرها بسرعة تنفيذه وصرامته.

وما تميز شريعة الإسلام، وضمانها للحرية والأمن والتقدم وخير الدنيا والآخرة، إلا من مصدرها الإلهي. ما حدود الله التي يحكم القضاء بمقتضاها في ظواهر الحياة الدنيا إلا جزء متكامل مع حدود الله التي يجب أن تحكم القلوب والعقول، والنيات والتعامل مع الله عز وجل، ويرعاها المؤمن والمؤمنة، استعدادا للقاء الله، وابتغاء مرضاته وجنته في الدار والآخرة. ولا ينفك حكم الشريعة ظاهرا وباطنا عن أي جزئية من الحياة الفردية والاجتماعية. ميدان تطبيقها في التربية والتنظيم، في الحكم والقضاء، في التعليم والصحة، في الجيش والشرطة، في الإدارة والاقتصاد. أرض الله مسرحها، ودار الإسلام معقلها الذي اقتحم، فواجبنا الدفاع عنه، وحصنها الذي هدم فواجبنا إعادة بنائه.

لن نتحدث هنا عن فصل السلط وضرورة استقلال القضاء. ولنا إن شاء الله نظرة في الموضوع في غير هذه الفصول. ثم نترك فقهنا الدستوري يخطو نحو الملاءمة مع خطوات القومة. نتركه يتطور بتطور مسؤولياتنا في الحكم، ويرشد على محك التجربة. فإن صور القومة، ومراحل الانتقال إلى الحكم الإسلامي، قد تختلف من قطر لقطر. فالمجال واسع، والتنظير المسبق في هذا المجال لا يكفي.