الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، ياربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، سبحانك اللهم لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، خير نبيٍ أرسله، أرسله الله إلى العالم كله بشيراً ونذيراً، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد؛ صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم ـ أيها المسلمون ـ ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى.

أما بعد، فيا عباد الله:

لعل الأخبار التي تسمعونها أو ترونها مما يتعلق بجرائم الحرب التي تدور رحاها في قطعة هي من أعز بلادنا العربية والإسلامية، لعل في هذه الأخبار التي تسمعونها أو ترونها ما يزجكم في حالة من اليأس، وهذا يتنافى مع سنن الله عز وجل في عباده، ويتنافى أيضاً مع معاملة الله سبحانه وتعالى للجماعة المؤمنة المسلمة، وهي موجودة بحمد الله سبحانه وتعالى قلة أو كثرة فوق هذه الأرض، ما ينبغي لما تسمعون أو ترون أن يزجكم في حالة من اليأس والقنوط، كما قد أتصور، بل أريد في هذا الموقف أن تتبينوا مظاهر لطف الله سبحانه وتعالى، ومظاهر عدله، بل مظاهر إحسانه ومننه لعباده المسلمين.

إن مما قاله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيما رواه الطبراني والديلمي وغيرهم ((الظالم عدل الله في الأرض- وفي رواية- سوط الله في الأرض ينتقم به ثم ينتقم منه)).

هذا الذي يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم ينطبق على الحالة التي نمر بها اليوم، لاشك أنها جريمة ما بعدها جريمة، ولو أن القانون الدولي مطبق لوقفت أمريكا الآن في قفص الاتهام ليحكم عليها بأنها مجرمة حرب، ولكن ينبغي أن نلاحظ الأمر من زاوية الحقائق الإيمانية. هذا الإجرام إنما هو سوط من سياط الله سبحانه وتعالى، شاء الله عز وجل أن ينتقم به، وما معنى أن الله شاء أن ينتقم به؟ أي شاء أن يجعل من هذا السوط إيقاظاً للمسلمين التائهين عن إسلامهم، شاء أن يكون ذلك تأديباً للمسلمين الذين تاهوا عن الشرف الذي توجهم الله سبحانه وتعالى به، ونسوا أو تناسوا الأمانة التي أناطها الله سبحانه وتعالى في أعناقهم وهذا شيء تلاحظونه، ويبدو للعيان أمام كل متأمل، وكل ذي فكر ثاقب، قادةُ المسلمين من عرب وغيرهم أعرضوا عن الأمانة التي حملهم الله عز وجل إياها، وتناسوا الشرف الذي سما بهم الإسلام إليه، وتحولوا إلى أناسي يتحركون في قبور من الذل والمهانة وهم أحياء، لابدَّ من عصا توقظهم، ولابدَّ من سوط رباني ينبههم، هذه السياط اليوم هي في الحقيقة لا تلهب ظهور البرآء في العراق، وإنما هي سياط تنحط على ظهور قادة المسلمين ليستيقظوا وليتنبهوا، وليعودوا إلى التاج الذي شرفهم الله به؛ ولكنهم ألقوه أرضاً، فإن لم يتنبهوا ويستيقظوا فإن في يقظة شعوبهم ما يغني عن يقظتهم، هذا معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الظالم عدل الله – أو سوط الله – في الأرض ينتقم به))، إننا الآن في مرحلة هذا الانتقام، ينتقم الله عز وجل بهذا المجرم القذر ولا ريب، والسوط دائماً لابدَّ أن تكون فيه مقدمات التأديب، ربما أدب الله عز وجل قوماً بجرذان، وقد أدب الله عز وجل فرعون وقومه بما هو أحط من الجرذان {فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ} [الأعراف: 7/133] هذا شيء داخل في سنن الله سبحانه وتعالى، والقصد من ذلك إيقاظ قادة المسلمين إلى الشرف الذي شرفهم الله عز وجل به، ولكنهم أعرضوا عنه، وعما قريب ستتحقق المرحلة الثانية أيضاً إذ قال: ((ثم ينتقم منه)). ((الظالم عدل الله أو سوط الله في الأرض ينتقم به ثم ينتقم منه)).

عندما ينتهي دور هذا السوط؛ لابدَّ لهذا السوط أن يتحطم، وأن يلقى في النار ليحترق، هذه حقيقة ينبغي أن تتبينوها، وهذه الحقيقة تطبق  كما نعلم  من سنن الله عز وجل في دار الدنيا قبل أن نرحل إلى الله عز وجل، ونقف بين يديه في ساعة الحساب. أجل، عما قريب سينتقم الله سبحانه وتعالى من هذا الظالم، وأي انتقام، ربما تصور البعض أنه يوم بعيد قد يأتي، ولكن بعد قرن من الزمن. لا أيها الإخوة، الأمر أقرب من ذلك بكثير، أرأيتم إلى هؤلاء الجنود التي حشيت أرض عراقنا الإسلامية المؤمنة بهم، إنهم اليوم قد تحولوا إلى أقسام، فأما القسم الكثير منهم فقد أصبحوا نهباً لأمراض نفسية شتى، وأما قسم منهم فقد داخلهم شعور ضرورة اعتناق دين الله سبحانه وتعالى، وهم الآن بين متكتم ومستكتم لهذا الإيمان الذي داخل عقله، وبين معلن، وبين من يحاكم عقله ليتخذ قراره عما قريب، وقسم ثالث  ولعله القسم الكبير  هم ما بين قتيل وجريح، وإياكم أن تتصوروا من الأخبار التي تتلقونها مقياساً للكم فالأمر أشد وأعتى من ذلك بكثير. أما القسم الآخر، فلعل الله عز وجل قد شاء أن يعودوا غداً إلى بلادهم ليكونوا شهداء على جريمة الحرب هذه، ليكونوا شهداء أن هذه الدولة التي خيلّ إليها أنها ستصبح الحاكم المؤلّه فوق هذه الأرض؛ والتي ستحكم الكون كما تشاء وتريد؛ سيكون هذا القسم الأخير شاهد عدل على أن هذه الدولة انحطت ثم انحطت وأصبحت مجرمة حرب، أجل. هي اليوم تعاني من الحكومية التي لا ريب فيها، لو أن العالم كان قادراً على أن ينفذ قوانينه التي اتخذها والتي تبناها، والتي أصبحت محفوظة ومخبوءة داخل الأدراج – هذه حقيقة لا ريب فيها – هذا الحشو الذي حشيت به أرض العراق مقسوم اليوم إلى هذه الأقسام التي حدثتكم عنها.

ولكن تعالوا فانظروا إلى العاقبة، العاقبة التي لا تتبينها الأعين والمقاييس المادية المنظورة، ولكن تتبينها البصائر، إنها المقاييس التي تخضع لسنة الله سبحانه وتعالى في عباده، انظروا إلى العاقبة، قارنوا أيها الإخوة بين مدى توجه المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلى إسلامهم بإخلاص في السنوات التي خلت وتوجههم إلى إسلامهم هذا في هذا العصر، بل في هذا المنعطف، وفي ظل هذه المأساة التي نعاني منها.

كان المسلمون فيما مضى تتوزعهم – كما يقولون – إيديولوجيات متناقضة متعددة، فمن متجه ذات اليسار، يجعل من اليسار دينه الخفي وإن كان يتظاهر بانتمائه إلى الإسلام، ومن متجه إلى أقصى اليمين يتباهى بتطرفه نحو اليمين، ومن فئة ترفع لواء القوميات، ولعلكم تذكرون يوم كانت القوميات تغرس في نفوس كثير من الناس بدلاً من العقائد الإيمانية بالله سبحانه وتعالى، كان المسلمون في بلادهم الإسلامية تتوزعهم هذه السبل، والقلة اليسيرة كانت صابرة مستمرة على النهج الأمثل وعلى العهد. أما اليوم فقد ذابت تلك التوجهات الكثيرة التي كانت تسري بأصحابها ذات اليسار، السبل المتعرجة، إلى اليسار أغلقت، أولئك الذين كانوا يتجهون إلى سبيل مناقض إلى اليمين المتطرف ذلك السبيل الآخر أغلق، الهتافات التي كانت تهتاج في الآذان بل في القلوب والنفوس والتي ترفع شعارات القوميات خمدت ثم همدت ثم ذابت وقضي عليها، ما الذي حل محل ذلك كله؟ الذي حل محل ذلك كله إنما هو ارتفاع لواء الإسلام، إنما هو التوجه إلى سبيل الله عز وجل الواحد الأحد، انظروا إلى تلك المنعرجات التي كانت تتوزع الأمة ذات اليمين وذات الشمال انتهت، وتأملوا تجدوا أنفسكم أمام ألسنٌ تهتف بتلبية الله عز وجل إذ يخاطب عباده قائلاً: {وَأَنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 6/153] فيما مضى كان الضجيج يشغلنا عن الإصغاء إلى هذا الكلام، أما اليوم في ظل قارعة الحروب، في ظل هذه المأساة، فلقد أصبح الجميع يهتفون – إن لم يكن بألسنتهم فبما شعرهم – يقولون لمولاهم وخالقهم: لبيك اللهم لبيك، ها نحن نتجه إلى صراطك، وها نحن عدنا من المنعرجات التي تهنا فيها، بفضل ماذا؟ بفضل هذه المأساة، بفضل هذه الحالة التي هي في ظاهرها شر وبلاء، ولكنها في الباطن نعمة من النعم الباطنة، وجلَّ الإله القائل: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً} [لقمان: 31/20].

هذه حقيقة ينبغي أن نعلمها، ولعل هذا هو المعنى المراد بقول المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي يرويه النسائي وغيره: ((إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)). إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وليس معنى ذلك أن الرجل الفاجر يجعل الله منه بوقاً يدعو إلى الإسلام، لابل إن هذا الرجل الفاجر يكيد للإسلام، ويضع الخطط التي يعتصر عقله لتنفيذها من أجل القضاء على الإسلام، ولكن الله يخيب آماله، ويجعل خططه التي يستهدف من ورائها القضاء على الإسلام يجعل منها سبباً لعود حميد إلى دين الله سبحانه وتعالى. أجل، هذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)) دعكم من القادة، دعكم من العملاء، لكن انظروا إلى الشعوب، إلى شعوب العالم العربي والإسلامي، وأنا لابدَّ أن أضع كلمة العربي إلى جانب الإسلامي، لأن هذا العالم العربي كان بالأمس يتعامل مع القوميات، كان يتعامل مع اليسار، كان يتعامل مع اليمين، لكنه اليوم طوى كل تلك الفقاقيع التي كان يتباهى بها، شعوب العالم العربي ترفع لواء الإسلام، شعوب العالم العربي اليوم لا تجد أمامها إلا نداءً واحداً وشعاراً واحداً ألا وهو شعار {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} أما القادة فأمرهم عائد إلى الله سبحانه وتعالى، القادة يأتون ويذهبون، وقبورهم تنتظرهم، والعبرة ماثلة أمام البصائر لمن أراد أن يتبصر بها، دعوكم من هؤلاء، فإنهم لن يكونوا عقبة في الطريق إلى الله سبحانه وتعالى، أقول هذا لكي تجعلوا منه دواءً ضد اليأس الذي يمكن أن يتسرب إلى أفئدتكم، نعم هنالك دمار، نعم هنالك رحى تدور بالقتل على البرآء، لكن اذكروا قول الله القائل: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاّ أَذَىً} الأذى وارد، لكنّ الضرر الأبلغ هو أن يستطيع المجرم أن يتملخ الإسلام من أرض الإسلام، لن يستطيع هذا المجرم إلى ذلك سبيلاً بشكل من الأشكال، أما الأذى فهذا شيء ابتلى الله عز وجل به عباده الصالحين، بل ابتلى الله عز وجل به أنبيائه قبل أن يبتلي به عباده الصالحين.

أيها الإخوة أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوقظنا إلى العبرة التي ينبغي أن يقطفها من هذه المأساة التي تمر بها أمتنا، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوقظ المسلمين قادة وشعوباً لعود حميد إلى دينهم، وهذا أمر سيتحقق بإذن الله وعونه.

آمين آمين آمين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.