1)) ماذا نقصد بالحوار ؟

الحوار هو حسن الاستماع إلى الآخر أو هو الاستعداد للتخلي عن الرأي الشخصي إذا ثبت خطؤه. ونحن محكومون بالاختلاف على أية حال، لكن عندما يصل الاختلاف إلى مداه عند البعض يكون القتال، لقوله تعالى:

” وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِين مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَـكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم ْمَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَـكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ “.(1)

ما دون الاختلاف في العقيدة فهو اجتهاد في أساليب العمل وتنوع محمود يؤدي إلى غنى الأفكار والمشاريع المجتمعية وهو يصب في صالح النهوض بالأمة.

إذا، فهل نحن أمام حوار أملته الضرورة بحكم العيش المشترك في الزمان والمكان والمصالح المشتركة ؟

أم نحن أمام اختيار لأساليب أخرى غير الحوار ؟

في واقع الأمر، فإن الخيار متروك للأطراف المجتمعية وما تمثله من ثقافات وبيئات تربوية وتأثرات خضعت لها في محيطها الذي نشأت فيه أو عبر المؤسسات التي تعلمت فيها أو عبر وسائل الإعلام التي قصفت عقولها ووجدانها صوتا وصورة.

خيار متروك لها: هل تريد فعلا النهوض بالأمة والمجتمع من وهدته التي يتردى فيها ؟ أم تريد الاستفادة من الأزمات لقضاء المآرب الشخصية والمنافع الفردية وبالتالي فاستمرار التردي والتأزم هي الوضعية المريحة بالنسبة لهذه الفئة ؟

نرى من وجهة نظرنا أن الحوار ضرورة من أجل التعايش بين فئات الأمة والمجتمع الواحد وبين بني الإنسان بصفة عامة.

أما الذي لا يقبل الحوار فهو أحد اثنين:

*فئة متزمتة ترى أن العالم عبارة عن لونين أبيض وأسود، الأبيض أنا والأسود هو ما عداني.

وهذه الفئة توجد في كل تيار من التيارات المتصارعة داخل وخارج المجتمع وهي لا تقبل الحوار على أية حال وتؤمن بالعنف وتصفية الخصوم.

*فئة انتهازية تسير مع الغالب حيثما سار لا تهمها إلا مصالحها وهي مستعدة للتحالف مع الشيطان لحماية هذه المصالح.فهي لا تؤمن بالحوار لأنه قد يدفع بالمجتمع إلى التغيير الذي يهدد هذه الفئة في مصالحها في نفس الوقت الذي يهدد الرأسمالية العالمية التي تملك أطماعا في البلاد المتخلفة الغنية بالثروات.

الحوار اختيار أصيل ومبدأ ثابت واقتناع راسخ لدى كل من يريد الإصلاح الحقيقي والتغيير العميق، لدى كل ضمير حي يتحرق قلبه على هذه الأمة التي تتقاذفها الأمواج العاتية وتعبث بها القوى المستكبرة التي لا ترقب في مسلم إلا ولا ذمة.

2)) أنواع الحوار ومستوياته

الحوار أنواع منها:

” حوار فكري: يهدف إلى إيجاد صيغة إجماع على تنظيم الاختلاف ضمن مرجعية فكرية واحدة.

” حوار سياسي: يهدف إلى وضع ـ كحد أدنى ـ الآليات السياسية الإجرائية لتنظيم الاختلاف و يكون المرجع فيها عند تعذر الاتفاق إلى الشعب ليختار المشروع المجتمعي الذي يريد.

وهو على مستويات:

** حوار مع الغرب: أو ما يصطلح عليه بحوار الحضارات بدلا من صراع الحضارات الذي ينظر له المتزمتون.

** حوار بين فئتين أو بين فئات داخل المجتمع الواحد مرجعياتها مختلفة، ما بين دعاة التمسك بالهوية ودعاة الانفتاح واتباع الآخر شبر بشبر.(أخذ الحضارة الغربية بخيرها وشرها كما كان يقول طه حسين).وفئة تنتصب وسطا تريد التوفيق بين الأصالة والمعاصرة، بين التمسك بالهوية والانفتاح على الآخر والاستفادة من خيره فقط….

** حوار بين أطراف الفئة الواحدة والتيار الواحد، إذ أن الاختلاف طبيعي بين البشر باختلاف الاجتهاد الذي تحكمه عوامل عديدة.

3)) ضرورة الحوار:

لم يأل الأستاذ عبد السلام ياسين جهدا في فتح باب الحوار مع كل من ترجى استجابته ومن لا ترجى إقامة للحجة، وذلك انطلاقا من اقتناع مبدئي هو أن الحوار أسلوب نبوي.

يقول الله عز وجل:”ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين”. (2)

“قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون”. (3)

بالإضافة إلى ذلك تتمثل ضرورة الحوار عند جماعة العدل والإحسان فيما يلي:

ـ حرص الجماعة على أن لا تضيع عقول ناس أذكياء في لجة العداء المولد للعنف والعنف المضاد كما حدث على أرض الجزائر، إما قتلا أو فرارا.

ـ طمأنة النخب المغربة بأصنافها المذكورة على أن التعايش مع الإسلاميين عندما يمسكون بزمام الأمور ممكن وفق شرط وحيد وهو احترام دين الأمة.

ـ فتح المجال للاستفادة من كل طاقات الأمة. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين مخاطبا الفضلاء الديمقراطيين:”..وأنتم جزء لا يتجزأ من الأمة، والقفز على حضوركم وكأنكم عدم وهمٌ لا يساور عقولنا، فلا مناص من التعامل بيننا ” (4)..

يكون الحوار ضروري لدرجة قصوى في هذا الوقت الذي تمر فيه الأمة من منعطف تاريخي حاسم يقتضي لمّ الشمل والتفاهم والتناصح والتآزر بدلا من الاستعلاء والتجاهل.

“حوارنا مع عمار الساحة السياسية ضرورة سياسية وتبليغنا مقالة الإيمان واجب دعوي”.(5).

” لا يفيد أن نرفض الحوار مع من يطلب الحوار، ولا أن نستعلي بالإيمان عن الجلوس إلى مناقشة، ولا أن نغتر بالحق الذي ندعو إليه إن عجزنا عن تبليغ حكمة الحق والبرهنة عليها”(6).

4)) أهداف الحوار:

الحوار دعوة:

الحوار عند رجل الدعوة ليس متعة فكرية أو متعة في رؤية الآخر يندحر أمام قوة الحجة وأمام

قوة التأييد. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين:”الحوار عندنا دعوة، الدعوة نداء…الحوار عندنا جدال بالتي هي أحسن ومقدمة الجدال وموضوعه ومضمونه وغايته إسماع الدعوة ” (7)

دعوة إلى التوبة والإنابة، قد يختلف أسلوب الحوار من سياسي إلى فكري..لكن يبقى الهم الدعوي حاضرا بقوة.

” حوارنا مع عمار الساحة السياسية ضرورة سياسية وتبليغنا مقالة الإيمان واجب دعوي فالمرجو من العمار الفضلاء أن يبذلوا جهدا ـ حدا أدنى من الجهد ـ لكي يستبينوا من خطاب دعوي أصلا سياسي ضرورة، كلمة الوعظ متشابكة مع كلمة السياسة” (8).

الميثاق:

هدف الحوار الكبير جمع الفرقاء السياسيين وفئات المجتمع على ميثاق مسلم المبنى والمعنى، ” ميثاق يحولنا من عهد لعهد ومن كذب لصدق ومن نفاق لإسلام “.(9)

” لابد من كتابة ميثاق إسلامي بعد مناقشة عميقة طويلة على ملأ من الأمة. وبعد نقد صريح صادق لحاضر الناس وماضيهم وكفاءتهم، وعرض الأفكار و الاقتراحات والبرامج بين يدي الناس في الصحف والتلفزيون ليحكم الناس على صلاحية من يصلح للناس وليرفض مالا يليق بالناس ومن لا يمثل الناس”.(10)

5)) أرضية الحوار:

لكيلا يكون الحوار حوار صم فإن الاتفاق على الأرضية لازم حتما، وتوضيح الأرضية جزء من الحوار نفسه.

” دعونا من الحوار السياسي الضيق الآفاق القصير النظر، دعونا منه لحظة، جلسة، مرة، حتى نعلم الأرضية التي نجلس عليها نحن وأنتم…” (11).

فالأستاذ عبد السلام ياسين في حوارياته يقول بكل وضوح:” نحن لا ملتقى لنا مع أحد إلا على الإسلام ” (حوار مع الفضلاء الديمقراطيين /ص4).

” الإسلام وشريعته وأرضيته وسماويته هو ما ندعوكم للجلوس إلى مائدته..” (12).

لأن المفروض بين متحاورين مسلمين أن يكون الجامع بينهم هو الإسلام ولا يضير بعد ذلك أن يختلفوا في فهم الإسلام.

6)) لغة الحوار:

لغة المحاور الديمقراطي هجينة مترجمة من ذلك البر، لهذا فهو يريد أن تكون لغة الحوار هي اللغة المشتركة بينه وبين السيد الغربي. لغة معقمة من مفاهيم الغيب والآخرة والجنة والنار. لغة الاقتصاد والاستثمار والعولمة ودولة القانون وحقوق الإنسان والتنمية… لا غير، ونحن نريدها لغة قرآنية تخاطب القلب والعقل. ومع ذلك لابد لنا أن نبحث عن لغة مشتركة نمد بها الجسور إذا صدقت النيات.

“من لا شك في صدق نيته لنا معه حوار، ولنا معه لقاء محقق، إن كان في اللغة التي نعبر بها ويعبر اختلافا ، فهو اختلاف تعبير لا اختلاف جوهر”.(13).

وإن لغة الحوار عند الأستاذ عبد السلام ياسين تتراوح بين الخطاب اللين والقول البليغ حسب الذهنيات والنفسيات.

7)) عوائق الحوار:

لا شك أن الحوار المطلوب تعترضه عوارض وتعوقه عوائق، نفسية بالدرجة الأولى، وذهنية، واعتزاز بالماضي الوطني الثوري النضالي بالدرجة الثانية:

ــ الرصيد النضالي والتضحيات هو أشد ما يتعلق به الوطني، ويحسب أن المحاور الإسلامي متطفل طارئ على الساحة لا عمق تاريخي له يبحث عن تسلق أكتاف المناضلين عندما يبحث عن فرص للحوار معهم. وأحسب أن ذلك الرصيد النضالي قد تبخر عندما قنع أصحابه بذلك القسط من الكعكة الديمقراطية وأن هذا العائق قد زال.

ـ الاشتغال بالحاضر وبما يقدمه لهم من ثمار ظلوا لعقود يناضلون من أجلها وقد اقترب العمر من النفاد، فلا يسمع أبناء الدنيا نداء يدعوهم للتوبة ويسويهم بباقي البشر.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين ” نحن حريصون على حوار مع الفضلاء الديمقراطيين لو كان بعضهم يفرق بين التنابز في الصحف وبين والكلمة المسئولة وإن سوء التفاهم بيننا وبين بعضهم ناتج عن أننا نتكلم من مواقع مختلفة ومن مستويين اثنين، ومن يراد له أن يبذل جهدا ليسمع ويتأمل ويقدر الحاضر والمستقبل منهمك في الحاضر لا يلوي على شيء “(14).

ـ عوائق ترجع إلى فعل الإعلام، الغربي منه والبوليسي الذي يصور الإسلاميين وحوشا كاسرة متعطشة للدماء.

ـ وعائق اللغة يبقى قائما، واللغة ليست مجرد كلمات يعمل كل فريق على التواصل عن طريقها، إنما ما تحمله من فكر. حاجز كبير بين لغة القرآن واللغة المترجمة المفلسفة التي تحمل كل كلمة منها خاصيات لائكية. “يعوق بين الإبلاغ والتبليغ والتذكير، ويسد القنوات، اختلاف لغة الحوار ومصطلحات كل فريق ” (15).

المراجع:

(1) سورة البقرة. الآية 253.

(2) سورة النحل الآية: 125.

(3) الآية64 من سورة آل عمران.

(4) الشورى والديمقراطية ص 270.

(5) نفس المرجع ص 274.

(6) الإسلام والقومية العلمانية ص 129.

(7) الشورى والديمقراطية ص 103.

(8) نفس المرجع ص274.

(9) نفس المرجع ص345.

(10) نفس المرجع ص 346.

(11) حوار الماضي والمستقبل ص 24.

(12) الشورى والديمقراطية ص340.

(13) نفس المرجع ص307.

(14) نفس المرجع ص 269.

(15) نفس المرجع ص102ـ103.