عرف المغرب في الآونة الأخيرة انطلاق جلسات الاستماع العمومية التي تشرف عليها هيئة الإنصاف والمصالحة, التي أسست بتزكية من ملك المغرب , ومن العناوين البارزة التي أطرت عمل وأنشطة هذه الهيئة : الطي الكامل لصفحة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ورد الاعتبار لضحايا هذه المرحلة معنويا عبر الاستماع إليهم، وماديا بجبر الضرر الذي لحقهم عبر تلقي طلبات التعويض, وقد واكبت عمل الهيئة نقاشات ومواقف صدرت عن هيئات وفعاليات سياسية وحقوقية حاولت تقييم عمل الهيئة إما بتثمينه والترويج له أو برفضه جملة وتفصيلا أو بمحاولة الاستدراك عليه شكلا أو مضمونا. وقد احتفى الإعلام الرسمي كعادته بالحدث واعتبره فتحا جديدا من فتوحات العهد الجديد. فهل يتعلق الأمر فعلا بمبادرة سياسية تاريخية تؤسس لمستقبل تصان فيه حقوق المواطن من سطوة وعبث الأجهزة الأمنية للدولة أم أن الأمر يتعلق بحدث عابر للاستهلاك الإعلامي يسري عليه ما يسري على غيره من الاستحقاقات السياسية السابقة التي تضعها الدعاية الرسمية في خانة الإنجازات العظيمة والمنعطفات التاريخية المهمة والمحطات الاستثنائية ثم يكشف الزمن فيما بعد أنها مجرد فقاعة سرعان ما تنطفئ على سطح الواقع.

يعرض هذا المقال لهيئة الإنصاف والمصالحة ومبادرة تنظيم جلسات الاستماع لضحايا حقوق الإنسان لا فيما يرتبط بالنواقص والمعاطب التي تنتاب عملها, والتي تجتهد بعض الهيئات الحقوقية والسياسية  مشكورة – في عدها وإحصائها والتنبيه إليها, بل يطرح أسئلة تتعلق بالمدخل الحقيقي الذي كان ينبغي أن ينطلق منه عمل الهيئة في مقاربتها لوضعية حقوق الإنسان بشكل عام في المغرب وذلك من خلال ثلاث مستويات.

على مستوى الهدف :

كيف يحدث أن يفتح الإعلام الرسمي كافة أبوابه ويوقف “برامجه” و”أهم فقراته” لكي يفسح المجال لمن كان في السابق لا يتردد في وصفهم ونعتهم بأنهم أعداء للوطن ويتهمهم بالخيانة والتآمر مع قوى خارجية أجنبية ضدا على مصلحة بلدهم؟ بل لماذا يجتهد الإعلام الرسمي في رد الاعتبار لمن لم يتردد الجهاز القضائي سابقا في هذا البلد في قصفهم بأحكام لا تصدر إلا في حق أعتى المجرمين؟ هل للأمر علاقة برغبة حكامنا في التأسيس لمستقبل تكون السيادة المطلقة فيه للحقوق والقانون ؟ إن الجواب على أسئلة من هذا القبيل لا يحتاج إلى الكثير من الذكاء, أولا لأننا نعرف في المغرب أنه كلما احتفى الإعلام الرسمي بحدث ما واجتهدت آلته الدعائية في الترويج له , إلا وندرك أن الأمر يتعلق بورقة تخدم المآرب والمصالح الخاصة للنظام الحاكم والتي غالبا ما تكون في منأى عن المطالب والاحتياجات الحقيقية للشعب المغربي.. ثانيا لأن التغطية الرسمية للحدث تنطلق من خطاب يحكمه منطق ثقافة الصدقة, فالأمر في الأول والأخير إرادة ملكية تعكس ما يحمله شخص الملك من أريحية وكرم وتفضل في علاقته برعاياه. ثالثا, وهذا هو الأهم, هو أن حاضر حقوق الإنسان بالمغرب طافح بالانتهاكات وشتى أنواع التضييق على الحريات أو مصادرتها واستفحال صولة الأجهزة الأمنية بل واستعدادها وعدم ترددها في ممارسة أبشع أنواع التعذيب والتنكيل وكل الفظاعات “كلما أتيحت لها الفرصة لذلك”, ناهيك عن ضعف الجهاز القضائي وعدم استقلالية أحكامه ثم الواقع المأساوي للسجون, وهذه حقائق أصبحت ثابتة ومتواترة في التقارير الرسمية التي تصدرها المنظمات الحقوقية الدولية بخصوص المغرب. وتؤكد أن الاعتبارات التي تحكمت في عمل هيئة الإنصاف والمصالحة بعيدة كل البعد عن هدف النهوض بواقع حقوق الإنسان بالمغرب. ويمكن إيجاز هذه الاعتبارات في العوارض الآتية.

– محاولة ملأ هذا الفراغ الرهيب الذي يطبع المشهد السياسي ومجالات تدبير الشأن العام بالمغرب والذي إن دل على شيء فإنما يدل على أن الحياة السياسية بالمغرب تعرف إفلاسا وكسادا لا يمكن إنكار العواقب الوخيمة التي قد تترتب عنهما, فلا مناص إذا من اللعب ببعض الأوراق التي من شانها أن تخفف من حالة الاحتقان وتساهم في تنشيط الحياة السياسية.

– السعي إلى تلميع واجهة رموز النظام الحاكم والرغبة الحثيثة في التخلص والتملص من جرائر العهد القديم.

– محاولة إنتاج نخبة سياسية جديدة تتمتع بحد أدنى من المصداقية بعد أن فقدت النخب السياسية المتقادمة كل ما لديها من مصداقية واستنفذت ما كانت تملكه بعض مكوناتها من رصيد وطني ومعنوي.

– السعي الحثيث إلى الظهور بمظهر الدولة التي لها عناية خاصة بحقوق الإنسان, ودفع الحرج الذي يميز علاقة الدولة بمنظمات حقوق الإنسان الدولية.

– الوفاء لمقتضيات سياسة الفيش وتزيين الواجهة من خلال صناعة أحداث تستعين بها الدعاية الرسمية لكي تمعن في تصوير المغرب وكأنه مدينة فاضلة يحكمها نظام تتفجر منه ينابيع الحكمة والعبقرية (لا حظ كيف أرهقت الدعاية الرسمية أسماعنا بأن المغرب أول بلد عربي تنظم فيه جلسات الاستماع العمومية )

على مستوى التجربة:

لقد استلهم القائمون على هيئة الإنصاف والمصالحة فكرة تنظيم جلسات الاستماع العمومية من تجارب دول أمريكا اللاتينية وتجربة دولة جنوب أفريقيا على وجه الخصوص.فحاولوا أن ينسجوا على ذات المنوال مستحضرين نفس الأهداف التي رافقت تجربة الاستماع في تلك الدول, ومن صميم الإنصاف وتفاديا لكل سوء تفاهم لا بد من أن نوضح في هذا الصدد أن سياسات العفو والصفح كما عاشتها وجربتها تلك الدول والتي قامت – من بين ما قامت عليه- على استبعاد أساليب المتابعات والملاحقات الجنائية في حق المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان , وذلك أثناء المراحل الانتقالية لنظام الحكم فيها , هذه السياسات حكمة إنسانية لا ينكر حصيف الرأي بعد نظرها وجدواها و سداد الاعتبارات التي تحكمت فيها. لكن وبالرجوع إلى هذه التجارب والوقوف عند السياق الذي واكبها وما ميزها شكلا ومضمونا, سيظهر لنا جليا الفرق بين دول أدركت جيدا كيف تقطع كليا مع ماضي انتهاكات حقوق الإنسان وتتعاطى في ذات الوقت مع مخلفاته ومآسيه بحكمة وتسعى إلى تدبير أمر الحاضر والمستقبل بجدية, وبين دولة تجتهد في سياسات قوامها التلفيق وشراء الذمم والدعاية الكاذبة والهروب من الأسئلة الحقيقية والحرجة التي تطرحها المرحلة. فلنقف على سبيل المثال فقط عند تجربة دولة جنوب أفريقيا. إن تنظيم جلسات الاستماع في هذه الدولة كان آخر حلقة ضمن مسلسل انطلق أولا بنضال السود من أجل مكافحة هيمنة الأقلية البيضاء التي كانت تحكم البلاد من خلال نظام الفصل العنصري (الأبرتايد), فأثمرت هذه النضالات تحولا سياسيا حقيقيا ابتدأ بإطلاق سراح نيلسون منديلا رمز نضال الأغلبية السوداء, وإثبات شرعية الحزب الذي يتزعمه- حزب المؤتمر الوطني- مرورا بإقرار دستور جديد قطع كليا مع عهد نظام الأبرتايد واحتكار الأقلية البيضاء للحكم, وانتهاء بتنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية حملت أشهر معتقل سياسي في العالم إلى كرسي الرئاسة. وفي محاولة لتدبير الإكراهات والتحديات التي تطرحها المراحل الانتقالية عامة , وتعبيرا من السلطة السياسية الجديدة (السود) عن رغبتها في تدبير مخلفات الماضي الحافل بالمظالم المادية والمعنوية بحكمة, وحرصا منها على الوحدة الوطنية وتجنبا لكل ما من شانه أن يذكي نوازع الانتقام ويدخل الدولة في دوامة من العنف والعنف المضاد, وتقديرا منها للعواقب السيئة للمتابعات القضائية, كانت جلسات الاستماع وسيلة – من ضمن مجموعة من الوسائل- التي سعت من خلالها دولة جنوب أفريقيا وهي تعيش مرحلة انتقال سياسي إلى تدبير ملف ماضي انتهاكات حقوق الإنسان. وباستحضار هذه التجربة تبدو لنا ضحالة وبؤس التجربة المغربية, فلا المغرب عرف انتقالا سياسيا حقيقيا وإيجابيا طوى الحكام من خلاله صفحة ظلمهم لهذا الشعب, ولا أجهزته الأمنية ومعها القائمون على الجهاز القضائي لديهم رغبة صادقة في القطع مع ماضي انتهاكات حقوق الإنسان وصيانة كرامة وحقوق المواطنين وسيادة الحق والقانون , بل إن الأمر يتعلق بحدث مادته الأساس دعاية جوفاء لأن الحكام ومن يدور في فلكهم ليست لهم إرادة صادقة في إصلاح الأمور, لذلك لا غرابة في أن يجد المتتبع جلسات الاستماع العمومية بلا لون ولا طعم وفي شرود تام عن الأسئلة والمطالب الحقيقية التي تطرحها علينا المرحلة الراهنة.

على مستوى التأسيس والرؤية الاستراتيجية :

من القواعد التي قررها حكيم المؤرخين ابن خلدون في مقدمته ” أن الهرم إذا أصاب دولة فإنه لا يرتفع”, وتعلمنا دروس وعبر التاريخ السياسي لمختلف الشعوب والدول أن تجاوز الهرم لا يكون بالهروب من طرح الأسئلة المباشرة المرتبطة بكيفية تحقيق التغيير الحقيقي والشامل. إن اللحظة التاريخية التي يمر منها المغرب لحظة دقيقة جدا, لحظة تسائل كل شريف صادق- يحمل بين جوانحه هم القضاء على هذه العلل التي تخترم جسد المغرب والمغاربة- , عن كيفية التأسيس الجديد وإعادة بناء المجتمع والمنظور والرؤية التي ينبغي أن تضبط هذه العملية, فسيكون من العبث إذا – بعد أن اتسع الخرق على الراقع – أن نختزل تحديات المرحلة في مطالب جزئية وإصلاحات فرعية ترتبط بهذا المجال أو ذاك من مجالات تدبير الشأن العام. لن يكون هناك أي أفق لأية مبادرة سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية إلا إن كانت جزءا من مشروع مجتمعي يحدد لها إطارا مرجعيا, ويرسم لها الأهداف والغايات, ومما تنبغي الإشارة إليه في هذا الصدد, أنه بإمكان حكام المغرب أن يزعموا أنهم يملكون أي شيء, إلا أن يدعوا امتلاكهم لمشروع مجتمعي لذلك يشاء الله عز وجل أن يكون حاصل سياساتهم فشل وإخفاق وترد على كافة الأصعدة والمستويات وصدق الله العظيم إذا يقول ” فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض” الرعد 17.