كشف قدر الله عز وجل؛ ذلك الزلزال البحري القوي، الذي ضرب مجموعة من الدول الأسيوية، عن دروس وعبر لمن يعتبر، حيث اكتشف الإنسان  هذا المتأله بعقله في أغلب الأحيان- ضعفه، ووقف على حقيقة أمره بعد غفلات وغفوات.

ولم تمنع تلك الدعوات الصادة عن الله عز وجل، والتي لم تر في أمر الله سوى غضبا من الطبيعة على أبناء الطبيعة! لم تمنع، رغم خيلها ورجلها، ورغم الشحذ العلومي والعتاد الإعلامي، الكثير من الناس في تلك المناطق من الهرولة إلى المساجد والكنائس اعترافا بالضعف أمام قدرة الله وقوته وجبروته، واعترافا بالغفلة والغفوة والهفوة والنسيان.

كان هذا الدرس الأعظم من فاجعة تسونامي التي اهتز لها العالم، والتي ذهب ضحيتها، إلى حدود الساعة، ما يزيد عن 150 ألف إنسان من مختلف الأديان والأعمار والأجناس والألوان. ودون هذا الدرس دروس أخرى، منها هذا الذي نبسطه في هذه السطور على قلتها.

إن هذه الفاجعة جعلت شعوب العالم تعيش وحدة عاطفية، حيث لاحظنا تعاطفا مع ضحايا تلك الأحداث، من شرق العالم إلى غربه، ومن شماله إلى جنوبه؛ تعاطفا إنسانيا يؤكد، مرة أخرى، أن هذه الشعوب خلقت للتعارف ولم تخلق للصراع.

في الحضارة المادية المهيمنة، والتي ليس من المبالغة وصفها بحضارة الصراع، نظرا لما شهدته من حروب طاحنة، ولما عرفته، عفوا أججته  في كثير من الأحيان- من فتن وتمردات، داخلية وخارجية، أهلية وقبلية، يعجز المرء عن عدها، في هذه الحضارة، وبما أن كل إناء بما فيه ينضح، ظهرت طروحات ونظريات ترهن مستقبل العالم وشعوبه بصراع لا ينتهي، وتختزل تاريخ البشرية ومستقبلها في صدام الحضارات. وتلقف مستكبرو العالم هذه الأفكار ليعيثوا في الأرض فسادا تحت أسماء كاذبة وشعارات واهية، وكانت النتيجة هذا الدمار في كثير من بقاع العالم في مقدمتها فلسطين والعراق وأفغانستان … سارع ويسارع بعض الفضلاء والعقلاء من هنا وهناك إلى دق ناقوس الإنذار. وتسارع الشعوب المختلفة في كل شيء إلا في الإنسانية وفطرة الإنسانية، إلى التظاهر والاحتجاج ضد حماقات المستكبرين، والتضامن والتعاطف مع المستضعفين، بغض النظر عن أديانهم وألوانهم وأجناسهم. إلا أن ذبذبات الأصوات لا توقف صولة الدبابات. وفي عالم اليوم لا تسمع إلا كلمات الأقوياء، وإن كانوا حمقى. أما كلمات العقلاء فهي ضعيفة بضعفهم، وإن كانت عين العقل ولب الصواب.

ومع ذلك، مع كل ذلك، فكلمة الحق لها أثرها وتأثيرها، اليوم أو غدا، وجهود الصادقين العاملين لا تذهب سدى. هذه سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا.

ونحن المسلمين، بالإسلام نساهم المساهمة الفعالة في إحياء الفطر السليمة، وإعلاء شأن القيم الإنسانية المروئية، لنقول للعالم كلمتنا التي لا شك ستسمع، ولو بعد حين، بذلك وعد الله عز وجل، ووعد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم. يقول الله عز وجل: “وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون” (سورة النور، الآية 53).

كلمتنا للعالم، ولشعوب العالم، هي العدل والسلام والتعاون والتعارف بين بني البشر. يقول الله عز وجل: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم” (سورة الحجرات الآية 13). آية عظيمة تحمل بين طياتها دلالات عميقة، فنداء الله عز وجل في هذه الآية للناس كافة، بعد أن كان نداؤه في الآيات السابقة من هذه السورة للذين آمنوا: “يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ..” “يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيء…” “يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا…” “يا أيها الذي آمنوا لا يسخر قوم من قوم…” “يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ..” ثم جاءت الآية “يا أيها الناس إنا خلقناكم..”. فهذا التحول في الخطاب القرآني من الخاص إلى العام له دلالته، فهو يدل على أن مضمون الآية الكريمة موجه لكافة الناس، وليس محصورا على المؤمنين.

“إنا خلقناكم” تذكير بالأمر العظيم، أمر خلق الله للإنسان، والذي خلق الإنسان؛ هو الذي خلق فيه تلك الفطرة، وذلك الاستعداد الفطري للخير وللتعاطف والتعارف.

“من ذكر وأنثى” وفي هذا تذكير بأنه لا فرق بين أبيض وأسود، وعربي وأعجمي إلا بالتقوى؛ كما قررت ذلك الآية فيما بعد، وكما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: “يا أيها الناس ألا إن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى” (رواه الإمام أحمد).

“وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا” وفي هذا تذكير لمن يضيق صدره بالاختلاف، فالله عز وجل هو الذي جعل الناس شعوبا وقبائل، أي أن هذا الاختلاف من صنع الله عز وجل، وأن الأمر الشرعي الذي يقابل هذا الأمر الكوني  أي الاختلاف- هو التعارف.

“إن أكرمكم عند الله أتقاكم” إذا كان التعارف بين البشر هو الهدف من الاختلاف، فإن الغاية أكبر وأعظم، وهي أن يعرف كل إنسان الله عز وجل ويتقرب إليه. فمن شأن التعارف بين بني البشر أن يحقق ذلك الجو الآمن الذي يساعد على عبادة الله تعالى: “فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف” (سورة قريش، الآيات 3-5).

“خلقناكم” “جعلناكم” “إن أكرمكم عند الله أتقاكم” كل هذا يؤكد أن قيام التعارف بين الشعوب لن يتأتى إلا بمساهمة المؤمنين والمسلمين؛ الذين يوقنون بأن الله خالقهم وجاعلهم، مساهمة فعالة، ولعل من أول خطوات تلك المساهمة الوعي بأن الإسلام سلام ورحمة ودعوة للعالمين.