وأستسمح صديقي، ومحط تقديري الشيخ المرشد عبد السلام ياسين .. في اقتراض عنوان كتابه الأول: “الإسلام أو الطوفان” عنوانا لموضوعي حول حاضرنا الإسلامي … وإن كان كتابه ذاك الذي عنونه أيضا: “رسالة مفتوحة إلى ملك المغرب” (الحسن الثاني) كلفه من المعاناة، ما جعلهم يزجون به في مستشفى المجانين، عله يصاب بفقدان الوعي .. لأنه قال لملك المغرب آنذاك .. وقال عنه ما رأينا أقطاب المعارضة الذين انقسموا في حاضرنا بين أقطاب للمعارضة .. وأقطاب للمخزن يقولونه سرا .. وهم يقبلون الأعتاب الشريفة علنا .. فقرأنا لهم كثيرا وسمعنا منهم أكثر، يقولون في حق الملك الحسن الثاني بعد موته، ما قاله الشيخ يس أربعين عاما من قبل، بل إنهم قالوا في حقه ما منعت الأخلاق الإسلامية الشيخ يس من قوله.

لقد فطن الحسن الثاني في آخر أيامه، إلى صدق الشيخ يس، وبعد رؤياه .. ولا أدري ما إذا كان القطب الاتحادي، المغدور من طرف رفاقه، الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي، سيكتب في مذكراته، ما قاله له الملك الحسن الثاني، عندما كان يجلس معه الساعات الطوال .. واليوسفي السهل .. ينتهز كل جلسة حميمية مع الرجل الصعب، ليحقق مراميه ويأخذ مقابل طاعته وخنوعه، قرارات تلمع صورته لدى رفقائه .. وعندما سنحت له الفرصة يوما قال للحسن الثاني بعد مقدمة طويلة بأنه جاء الوقت لإطلاق سراح المعتقلين، وإرجاع ابراهام السرفاتي، الذي كان منفيا بتهمة أنه برازيلي الجنسية، فأجابه الحسن الثاني، إن كان اليوسفي يذكر: (أفضل إطلاق سراح الشيخ يس على أن أسمح برجوع السرفاتي، ذلك الملحد .. والذي إذا دخل، فسيكون على الحسن الثاني أن يخرج) والحسن الثاني يتكلم طبعا عن نفسه.

وهي جزئية .. حجبوها عن الملك الجديد محمد السادس، الذي استقبل الشيخ يس، عهده برسالة أخرى أسماها رسالة “إلى من يهمه الأمر”، كانت أكثر تأدبا وإيجابية من رسالته “الإسلام أو الطوفان”.. لكن الذين كانوا يحفرون مكانتهم في المربع الملكي، أيام محمد السادس، أقاموا ضجة حول رسالة الشيخ يس .. الذي إنما نصح الملك محمد السادس في بداية عهده بأن لا يقع في الأخطاء السابقة، نصيحة قطب ديني أراد أن يتبنى بأفكاره الإصلاحية ملك البلاد .. وها هي بعض الصحف المستباحة، كتبت في عهد الملك الجديد .. مقالات أكثر عنفا من رسالة الشيخ يس، الذي يبقى نموذج علماء آخرين في تاريخ المغرب فيهم من كان مقربا للملك مثل الحسن اليوسي أيام مولاي إسماعيل، ومنهم من كان بعيدا عنه، مثل الشيخ الكامل وسيدي احماد وموسى ولكنهم جميعا كانوا ينصحون السلطان، لا يريدون جاها ولا ملكا .. وإنما النصيحة لوجه الله .. والدين النصيحة.

يقول الطوزي: (وإذا كانت الذاكرة الشعبية قد أقرت لمشايخ التصوف بشجاعتهم في تحدي السلطة السياسية ونهر الأمراء (..) والدفع بالعامة في اتجاهات إيجابية فإن سير بعض الشخصيات العلمية، مثل جسوس والسباعي والكتاني يذكرنا بأن العلماء، يشكلون على الأقل، عنصرا أساسيا في إنتاج وتوظيف الرموز الدينية علىاعتبار أنهم ممثلون ذوو مصداقية لمشروع المجتمع الإسلامي) (الملكية والإسلام السياسي، الطوزي).

لكن أين منا، مشروع المجتمع الإسلامي، في هذه الأيام .. لقد تجاوز الزمن عنوان الإسلام أو الطوفان … إن لم نكن فعلا .. نعيش فقط .. الطوفان.

طوفان لم يجرفنا نحن فقط .. وإنما جرف الفكر الإسلامي بفرقانه وقرآنه .. حين أصبحنا نسمع إمام الكعبة يقفز على الآيات التي لا يرضى الأمريكيون سماعها .. وتذاع في التلفزة تلاواته للقرآن مترجمة على الشاشة ترجمة فورية باللغة الإنجليزية، حتى يبقى المراقبون (..) على بينة بما يقرأ من القرآن .. أمام بيت الله الحرام.

نفس الظاهرة التي يراها المسلمون في أنحاء الدنيا، نراها هنا في المغرب، متمثلة في كثير من العلماء المغاربة المعتقلين بتهمة تلاواتهم لبعض الآيات العنيفة في القرآن ضد الكفار واليهود والمشركين. وها هو الشيخ المصري، الشيخ حمزة، محبوس في سجون بريطانيا بتهمة تحريض المسلمين على قتل الكفار .. بتلاوته في ساحة “الهايدبارك” اللندنية لآيات قرآنية ترجمت من طرف “السكوتلانديار” على أنها دعوة للقتل.

وفي فرنسا، المنفتحة أكثر، والمناوئة للجبروت الأمريكي في كثير من الحالات، اتجاهات تذهب إلى أبعد من ممارسة سياسة “حذفته الرقابة” في حق القرآن، حين أقدم مركز البحث العلمي الفرنسي، على طرد اسم أكبر شاعر في تاريخ فرنسا “فيكتور هوكو” صاحب كتاب البؤساء، من أرشيفات الشعراء والعظماء، ويحذف اسمه من الموقع الإلكتروني العالمي، لأنه اتضح من مراجعة أشعاره أنه أسلم، وحيث أنه أسلم فهو مجنون .. وهي تهمة (..) حصلت بعد وفاته سنة 1885 وتسببت في طرده سنة 2004.

وعادت الأقلام المجندة لمحاربة الإسلام، لإخراج ما كان مجرد كلام عن إسلامه، الذي قيل أنه أعلنه سنة 1881، وغير اسمه من فيكتور إلى أبي بكر .. وبعد موته سنة 1885، لم يكن إسلامه جريمة بل دفن في مقبرة العظام كنيسة البانتيون، إلى أن جاء عهد الطوفان (..) الذي يعصف بالقرآن في هذه الأيام من سنتنا الحالية، ليشطب عليه بنفس الجريمة التي ارتكبها منذ قرن ونصف ويؤاخذ بنفس الجريمة التي أوخذ بها أقطاب مسلمون، في العالم وفي المغرب.

ولنقرأ لقطب الشبيبة الإسلامية المنفي، عبد الكريم مطيع، وجهة نظره في هذا الطوفان الذي نهمع فيه .. والطوفان الذي لا يأتي وحده، كما في القرآن، عقاب من الله وصفه جل وعلا في سورة الأعراف هكذا: “فأرسلنا عليهم الطوفان، والجراد (..) والقمل والضفادع”. الشيخ مطيع يرى الطوفان الذي جاءنا في مظاهر أخرى، عبارة عن قرارات إدارية وبوليسية مملاة من الأدمغة القابعة في البانتاغون، والتي شرعت قوانينها منذ أسبوع في فرنسا، انتقاد اليهود ومذابح شارون، نوعا من العنصرية، يعاقب القانون الفرنسي الجديد منتقد الصهيونية، كمرتكب لجريمة الميز العنصري.

لذلك يعود بنا الفقيه مطيع، إلى قرارات جديدة طبقت في المغرب حددها تحت مسؤوليته، بأنها خطر حتى على النظام الملكي في المغرب: فكتب مؤخرا يقول: (الخطوة الأولى لديهم (..) أن يقدم الملك على سحب بساط الدين من شعبه، ثم الخطوة الثانية أن يسحب الشعب غير المتدين (..) البساط من المؤسسة الملكية، وأمرهم في ذلك شبيه بالمخطط العرقي الذي رسمه الاستعمار الفرنسي فيما يسمى بالظهير البربري، كما أعرب عن ذلك كاتب فرنسي وخلاصته، أن يخير الملك  في نهاية المطاف- بين أن يكون بربريا أو عربيا، إن كان عربيا فالشعب بربري لا يحكمه إلا أبناؤه .. وعليه أن يخرج من البلاد مع كافة العرب، وإن كان بربريا فليطرد العرب من البلاد، والنتيجة معروفة في كلا الاحتمالين) (فقرات من تقرير سياسي لعبد الكريم مطيع 2004).

ورغم أن الإسلام، هو وحده (..) الذي كان يجمع العرب والبربر، أنجانا وشعب المغرب منذ أربعة عشر قرنا من الغرق في طوفان الحروب الأهلية، فإننا بدأنا نقرأ لبعض الأقلام، براءة بعض الكتاب المغاربة من هذا الدين الذي يجرمونه بأنه هو الذي أدخل العرب … متناسين أن البربر هم أيضا جاؤوا للمغرب من اليمن وكنعان.

وهنا تتفاحش عملية التبشير التي تعرف هذه الأيام في المغرب، نهضة ضخمة يسيل لإمكانياتها المالية، لعاب الفقراء في المغرب، فأصبحوا يدخلون أفواجا أفواجا في الديانة المسيحية.

وهذه (الحملات التبشيرية النصرانية في شقها الكاتوليكي والبروتستاني تستهدف مخططاتها المدبرة هذه الأيام، فئة مهمة من المجتمع المغربي المسلم، وهي فئة الشباب على الخصوص، وهي الفئة الأكثر استقطابا لديهم، خاصة الشباب الذين يحلمون بالهجرة والمستقبل في بلاد العم سام (..) مستعملة أساليب الإغراء، الهدايا والجوائز كما فعلت مؤخرا في شمال السودان (دارفور) وفي العراق، وسابقا في جزيرة تيمور) (رسالة الأمة، 6 يونيو 2004).

تيمور التي تريد الأمم المتحدة، أن تجعل منها نموذجا لما يأملون تنفيذه في الصحراء المغربية، ولقد تساءل الصحفي كاتب المقال: (هل وزارة الأوقاف على علم بذلك).

وكان البرلمانيون الاستقلاليون، قد هزتهم نعرة الوطنية القديمة، فطرحوا حالمين بين اليقظة والمنام في البرلمان (4/6/2004) إِمكانية استفحال التبشير تجاه (أوساط الشباب لمتدهورة أوضاعهم والمتسمة بالبطالة والإحباط ويصرف المبشرون لعملهم ملايين الدولارات لزعزعة عقيدة المسلمين في البلاد).

في ذلك التاريخ، منذ خمسة شهور فقط، أجاب وزير الأوقاف، التوفيق، بجملة لا ندري من أية محبرة هي مكتوبة وقال: (إن المغرب ينطلق في هذا الصدد من مبدإ لا إكراه في الدين والحرية الدينية متاحة للجميع) وقالت الصحف أدهى من هذا حيث أعلن رسميا: أن وزير الشؤون الإسلامية استقبل بعثة التنصير المسيحية، وأجرى مباحثات معها) (الشرق الأوسط عدد 4 يونيو 2004).

في نفس السياق، أصبحت الحرية المتاحة في مجال الانفتاح، ضد المقدسات الحقيقية تسمح لصحفي مغربي مسلم أن يكتب في رمضان هذا وعلى الصفحة الأولى لجريدته: (أن شغله الشاغل، وهمه الأكبر في بداية شهر الصيام هو أن يتمكن من ارتشاف فنجان قهوة نهارا جهارا).

أية مراعاة إذن لملايين المغاربة الذين يصومون رمضان إيمانا واحتسابا .. وأية مقارنة بين هذا الواقع الذي أترك للقراء وصفه، وبين الأيام التي انطلق فيها رجال الشرطة في السبعينات يعتقلون الشبان الذين يظهرون إفطارهم في الشوارع، ويقدمهم النائب العام للمحاكم.

إنه الطوفان .. وحده .. ورحم الله القطبين الإسلاميين العظيمين المختار السوسي، ومحمد الفاسي، عندما جمعتهم الأيام يوما في الأربعينيات، في سجن “اغبالو نكردوس”، وكان الأستاذ الفاسي يعلم العالم الأمازيغي مبادئ اللغة الأمازيغية وعندما علمه الفاسي كلمة “بوكو” الفرنسية، قال المختار السوسي، عجيب أنها كلمة واحدة صغيرة ولكنها عند الفرنسيين تعني الكثير.