مما لا شك فيه أن قيمة تحديد المفاهيم في مجال البحث، أي كان نوعه، لا تنبع من كونها أضحت من التقاليد الراسخة فحسب، بل لأن في تحديدها تحديد للأرضية التي يقف عليها الباحث، ويحدد من خلالها موقعه ومساره، وهي أولا وأخيرا تأطير للرؤية المنهجية التي ستحكم تحليله وتصوره.

هذه بعض المفاهيم الأساسية في فكر الأستاذ عبد السلام ياسين أقدم بها للحديث في مواضيع مقبلة إنشاء الله عن القومية العربية، والمسألة الأمازيغية، في فكر الأستاذ المرشد:

1 ـ جماعة المسلمين :

خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاته “جماعة المسلمين” وكان المسلمون أمة راشدة مسؤولة مؤهلة لحمل أعباء الرسالة والتبليغ. كانوا أمة بكل معنى الكلمة. كانوا خير أمة أخرجت للناس. الأمة لغة : ” كل جماعة يجمعهم أمر واحد، أو دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد. سواء كان ذلك ” تسخيرا أو اختيارا “. التسخير لمثل أمة الطير المسخرات جو السماء. والاختيار والإرادة المسؤولة لمثل المهـاجرين والأنصار الذين جمعهـم دين واحد وتبوأوا الدار والإيمان في دار الهجرة وقد هذبتهم الهجرة والنصرة “(1).

ونجد هذا المفهوم ” جماعة المسلمين ” حاضرا في كتب الأستاذ عبد السلام ياسين بما شاء الله من الخصال : الرابطة الأخوية، الولاية الجامعة & . فهو يدخل في سياق المشروع المجتمعي، الذي يقوم على أساس التأليف القلبي بين المومنين، والأخوة الخادمة العادلة المحسنة بين المسلمين، التي يشير إليها ويشرعها قول الله عز وجل: ” والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما آتوا ويوثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ” (2).

جماعة المسلمين حسب الأستاذ عبد السلام ياسين : ” ينبغي أن تبسط الأخوة بين المغاربة المتحررين من سياق ” عبية الجاهلية ” والحضارة العاتية والقانون الوضعي والمعاش الغابوي ؛ بساط الرحمة والموالاة. قال الله تعالى يوجه تعامل المؤمنين مع بعضهم البعض :  والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكـاة ويطيعون الله ورسوله. أولئك سيرحمهم الله. إن الله عزيز حكيم  (3) هذه الخصال وما شابهها مما ورد في الكتاب ووردت به السنة ترسي ـ في نظر الأستاذ عبد السلام ياسين ـ دعائم جماعة المسلمين على قواعد التحاب والتعاون والبذل، واحترام المسلمين وصون كرامتهم وهويتهم، وحفـظ عرضهم. ” لحمة من الأخلاق الرفيعة سداها رعاية وصية الله ووصية رسوله ” (4).

” جماعة المسلمين ” رابطتها أخوية تنعقد في صف الصلاة في المسجد. الصلاة جماعة تسلك المومنين والمسلمين في سلك رابطة روحية تعمق المحبة وتقدسها بين المسلمين ؛ إذ تذكرهم خمس صلوات في كل اليوم من أيـام حياتهم، إن الذي يجمعهم ويقرب بعضهم من بعض ويدمج بعضهم في بعض، أسمى من الرباط المدني الحضاري السكني المصلحي، هم إخوان في الله.يقفون بخشوع في صف الصلاة بين يدي الله، فتسري من قلب لقلب معاني الولاية في الله المشتقـة من الولاء لله، ومحبـة الله والإخلاص لله ” (5).

وفي أداء الزكاة ” وهي المساهمة في الحد الأدنى من التكافل الذي يطبع العمران الأخوي “(6)، ثم تأتي الحقوق المفصلة في الشريعة : حفظ المال حفظ النفس وحفظ العرض وحفظ النسل & . ليتم النسيج الأخوي لجماعة المسلمين ؛ الخارجة من محضنـها التربوي الروحي في المسجد، ليكتمل ذلك بالنظام السياسي الشوري.و من تحت النظام الشوري تلاحم قبلي وتراحم وتواد وبذل ومخالقة، وحماية المظلوم، وتناه عن المنكر، وتآمر بالمعروف، وتكافل اجتماعي، وشعور بالوحدة في الله، وولاء في الله. وكل ذلك دين، وكل ذلك تحرسه ذمة كل مسلم ومسلمة، ويرعاه حرص كل مسلم ومسلمة على سلامة مصيره الأخروي من التبعات.

2 ـ الانتماء المزدوج :

يحدد الأستاذ عبد السلام ياسين هوية الشعب المغربي بالاستناد إلى أمرين اثنين: الأول : الانتساب الطيني : وهو قطب الانتماء القبلي الذي يؤسس الانتماء على روابط الدم والنسب، كاللغة والوطن ؛ فيتشكل على مر الزمان كيان قومي كلي إليه يكون الانتماء. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين : ” أول ما يتعرف به الإنسان إلى نفسه وإلى من حوله انتماؤه إلى أسرته، ثم تتوسع دائرة التعرف والانتماء مع نمو الفرد ونمو الجماعة عن الجماعات الأخرى وتتخصص وتتحدد هويتها بالنسبة لغيرها في إطار العشيرة والقبيلة وداخل النسيج العرقي اللغوي الأمني الذي يشعر كل فرد من أفراد الجماعة فيه أنه جزء من كيانه ( & ) ويتوسع الانتماء القبلي العرقي فيحتضن أقواما يتكاثرون ويتوحدون على خصائص أعلى من خصائص الدم والنسب، كاللغة والوطن، فتتفتت المعالم القبلية ويتشكل على مر الزمن كيان قومي كلي إليه يكون الانتماء “(7).

أما القطب الثاني للانتماء الاجتماعي : فهو ” الانتساب الديني ” الذي لا يقبل أي تميز يقوم على أساس الانتماء القبلي مصداقا لقوله تعالى :” ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم، إن في ذلك لآيات للعـالمين ” (8) وقول رسوله الكريم :” يا أيها الناس : إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وتعظمها بآبائها، فالناس رجلان : رجل تقي كريم على الله تعالى ورجل فاجر هين على الله تعالى ” رواه ابن أبي حاتم. فالناس في جماعة المسلمين : رجلان كما قال الحبيب المصطفى؛ ذاك الذي ارتقى بالإيمان والتقوى والكرامـة في نفسه، والمعاملة بالبر؛ وهو حسن الخلق،لغيره. والآخر الذي هوى إلى الأسفل بفجوره فشقي في نفسه وكان شقاؤه لغيره. الأول تطهر من عبية الجاهلية. والآخر تنفخ بها وتعاظم فحقره الله وصغره. أراد أن يصعد بالاستنكـار فهـان في ميزان الإيمان “(9).

3- الولاية الجامعة :

جماعة المسلمين مجتمع عضوي، مجتمـع أخوي، نظامـه في الحكم الشوري، ونظامـه في الإدماج والربط والتعاضـد يسمى ” الولاية “. قال تعالى :  والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصـلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله، أولئك سيرحمهم الله، إن الله عزيز حكيم  (10).

الولاء والتوالي أن يحصل شيئان فصاعدا حصولا ليس بينهما ما ليس منهما. ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان، ومن حيث النسبة،و من حيث الدين، ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد. والولاية النصرة ” يقول الأستاذ عبد السلام ياسين : اجعل بالك حفظك الله. ” حصولا ليس بينهما ما ليس منهما ” (11) اللغـة تنفي الدخيل، والقرآن الكريم يعطينا سياق الولاية وتساوقها ووظيفتها وشروطها :

1 ـ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.

2 ـ ويقيمون الصلاة ويوتون الزكاة.

3 ـ ويطيعون الله.

4 ـ أولئك سيرحمهم الله. إن الله عزيز حكيم.

فالتعايش بين المغاربة في ظل جماعة المسلمين ـ كما يتصوره الأستاذ عبد السلام ياسين ـ يريـد تظافرا جماعيا على الجهاد، يريد توحيدا للجهود، وتناصرا وتفاعلا من قريب مع الواقع. وقوة وتدبيـرا وفعلا مقتدرا، وهذا ما تدل عليه كلمة الولاية بفتح الواو وكسرها، قال أهل اللغة ” الولاية بفتح الواو وكسرها ” تشمل معاني المحبـة والقرب والنصرة والتدبير والقدرة والفعل والصداقة والاعتقاد واختار الزجاج رحمه الله تخصيص كسر الواو للدلالة على الإمرة،و فتحها للدلالة على النصرة والنسب، وبفتح الواو قرأ نافع “(12).

والولاية بين المؤمنين واجبة، وهي الرابط الجامع لوحدة المؤمنـين ؛ حاملي الرسالة المخاطبين بالقرآن المتآمرين بالمعروف المتناهين عن المنكر، الآمرين به غيرهم الناهين، القائمين على تنفيذ المعروف وإحقاق الحق بعد دحض الباطـل وإزهاق المنكر. يقول ذ عبد السلام ياسين : ” لا التوحيد بالاقتصاد ولا بالقوة ولا بالقومية ولا بـقانون الدستور وقسم الوطنية يستجيب للمعيار القرآني. بل الولاية هي اللحمة الجامعة هي القاعدة العاطفية الإيمانية العملية للعمران الأخوي “(13).

ففيما بين المغاربة وبين غيرهم من علاقات، وفيما بين بعضهم بعض،يأتي مفهوم الولاية؛ فالولاية بين المغاربة ليست من قبيل إضافة سياسية،أو قرابة نسبية تربط هؤلاء بأولئك. بل هي لحمة عقدية وروح سارية وتناصر واجب، لا يتم إيمان أحد بدون تغلغل هذه الولاية في كيانه القلبي، يصدق هذا التغلغل الفعـل والمشاركة والالتزام الجهادي بالنفس والمال.

4- الميثاق :

جاء في المعنى اللغوي للميثاق أنه من” المواثقة ” و” المعاهدة “، ومنه الموثق والجمع ” مواثيق ومواثق ومياثق” والميثاق العهد & ” وهو في الأصل حبل أو قيد يشد به الأسير والدابة “(14) و”استوثقت منه” أي أخذت منه الوثيقـة، وأخذ الأمر بالأوثق ” الأشد الأحكم “(15) ونستشف من كل هذه المعاني صيغ المعاهدة والمواثقة.

ويمكن اعتبار ” الميثاق ” الذي يطرحه الأستاذ عبد السلام ياسين، دعوة إلى عقد يجمع شتات الأمة وينهضها من كبوتها، هذا العهد يكون في صيغة وثيقة تتعاهد بشأنها مختلف المكونات على مرأى من الناس الذين يكون رأيهم فصلا وحاسما في المصادقة والرفض ” ومن ثم فإن التفكير في الميثاق يقتضي وجود طرفين فأكثر تدعوهما المصالح المشتركة إلى التعاقد على أرضية بنود واضحة لتأطير الالتقاء على الأصول الجامعة وسبل تجسيدها، وحدود الخلاف وآليات تدبيره ” (16).

الهوامش:

(1) ياسين عبد السلام (2000) : العدل : الإسلاميون و الحكم ص221 مطبعة الصفاء ـ الدار البيضاء.

(2) سورة الحجرات الآية9.

(3) سورة التوبة الأية72.

(4) ياسين عبد السلام (1996) : الشورى و الديموقراطية ص152 مطبعة الأفق.

(5) نفسه ص151.

(6) ياسين عبد السلام (2000) : العدل : الإسلاميون والحكم ص177 مطبعة الصفاء للإنتاج.

(7) ياسين عبد السلام (1989) : الإسلام والقومية العلمانية ص133 مطبعة فضالة.

(8) سورة الروم الآية21.

(9) ياسين عبد السلام (1989) : الإسلام و القومية العلمانية ص152.

(10) سورة التوبة الآية72.

(11) ياسين عبد السلام (1996): الشورى و الديموقراطية ص318.

(12) ياسين عبد السلام (2000) العدل : الإسلاميون و الحكم ص244

(13) نفسه ص243.

(14) ابن منظور ” لسان العرب ” ج10  ص371.

(15) نفسه ص372.

(16) المستعين عبد الباسط (2002) نحو ميثاق إسلامي جامع ص77-84.مجلة منار الهدى العدد2 السنة الأولى.